جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


بُلبُل الطفولةِ الكربلائيّة (حمزة الزغيّر)


علاوي كاظم كشيش
وهو في محلّه الصغير المجاور لزقاقنا، كنت اتحين الفرص لأستزيد من النظر الى وجهه الباسم الوديع، وكنت آخذ اصحابي واتعمد اللعب أمام محله، فهو لا يعترض أبداً، بل يبتسم لنا، كنت أنا أكثر اصحابي فضولاً ونظراً إلى يديه الناعمتين اللتين لا تشبهان يدي أبي، يمررهمها على القماش وهما تمسكان بالمكوى الساخن من على قاعدة فيها فحم مشتعل، وينسجم مع قطع القماش وكأنه يغازلها.
كان صمته وابتسامته تدهشاني تماماً. وأظل اسأل نفسي، لماذا يسكت هذا البلبل، وصوته في صحن الحسين يتردد ويطربني ويسحرني بنداوته ووصوله الى القلب، كنت أنا وأخي حسن نلطم تحت منبره، ومنه تعلمنا ضبط الايقاع، وكنت انتبه الى الكلمات التي تستوجب نزول راحاتنا على صدورنا في نسق واحد. وخصوصاً حينما يوشك العزاء على الانتهاء، إذ يصبح الإيقاع سريعاً ومؤلماً خصوصاً في المقطع الذي يقول على لسان أم البنين:
قد كنت في دار حمى الذائدين
في فتية مثل ليوث العرين
يا جارتا بالله في كل حين
لا تدعونّي ويك أم البنين
قد كان لي أربعة أسمى بهم
واليوم أصبحت ولا من بنين
وهذا المقطع، كان يشد الأجساد ويرج الصدور، ولكنه سحرني، فهو كلام فصيح وموزون، له لذة في سمعي، مثل اللذة التي شعرت بها وأنا أنصت الى عبد الزهرة الكعبي تحت منبره، وهو يقرأ المقتل في رأس سوق العرب، في أيام الطفولة، ومن هنا احببت اللغة العربية وسحرها وكلماتها التي تأتي مثل عارضات الأزياء أمام ناظري ووجداني.. كنا نتمنى أن تحمر صدورنا مثل باقي الرجال. ولكني اكتشفت أننا نحيفون، والإحمرار يتطلب جسماً راوياً ومعافى.
كان محل حمزة الزغير يقع قرب ساحة البلوش (ساحة الإمام علي فيما بعد) وبالقرب منه على ناصية الساحة، فرن الكعك وباتجاه شارع القبلة محل (ابو باسم) مصلح التلفزيونات، هذا المحل الذي خلب لبي وأنا أنظر الى التلفزيونات المفتوحة الأغطية الخلفية واللمبات فيها تشتعل مثل ابراج المصانع في الدول الكبيرة، في خريطة مصغرة، وكنت اتحين الفرصة أيضاً لأرى المذيع أين يجلب، حتى تخايلت المذيع رشدي عبد الصاحب ذات مرة وهو يقرأ نشرة الأخبار. بجوار محل ابو باسم يقع محل حمزة الزغير، وهو متوسط الحجم، ولكنه وضع كرسيين لضيوفه الذين لاينقطعون عن زياراته والحوار معه والمزاح، حتى اني سمعته في مرات كثيرة يستخدم معهم الكلمات النابية، ولكن ضحكته الشيّقة وحركته الناعمة وأصابعه كانت مثار اعجابي.
وإذا صادف أن جلس أبي في محل حمزة الزغير يراودني شعور بالفخر، لأن أبي صديقه، فأستغل الفرصة لأدخل الى المحل مستمعاً او متأملاً محتوياته من ملابس الناس التي علقها بعد اتمام كيّها. وبادر عدّة مرات بشراء برتقالة لي بعشرة فلوس من عجوز تجلس أمام محله تبيع البرتقال، وهي تعود لنا بقرابة ليست بعيدة. وأما أبي فقد كان يتناول الشاي فقط ويدخن.
كان يشغلني كثيراً، إطلاقه للعبارات من القصائد التي يقرأها، وأقول من علمه أن يكون بلبلاً، ربما هو يتكون من شخصين، شخص يعمل بمحل المكوى، والآخر يصعد المنبر في صحن الحسين ويطلق انغامه وايقاعاته الرائعة في فضاء الصحن ثم يتلقفها أهل التسجيلات ويبيعونها على الناس في أشرطة وكاسيتات.
كنت أستمع له وأنا عندي خبرة في ضبط الايقاع، تعلمتها من مواكب العزاء التي تمر من أمام زقاقنا وتنعطف باتجاه صحن الحسين، ولم يصعب علي إلا ايقاع عزاء البحارنة والهنود. وكان من الصعب ضبطهما، لكني كنت افتخر بضبط ايقاعنا الكربلائي ذي الثلاث ضربات فصمت فثلاث ضربات، وهكذا.
كان محل حمزة الزغير بالنسبة لي محاطاً بالكثير من المتع، فهو قريب من زقاقنا، والذهاب إليه واللعب أمامه يجعلني قريباً من مكتبة الفرات لصاحبها مجيد الفراتي، الذي كان يسمح لي بقراءة المجلات المعروضة على جانبي مكتبته مقابل عشرة فلوس. وقبال محل حمزة الزغير، هناك مكتبة عوينات، اعبر الشارع الضيّق وأقرأ ما أشاء من الصحف وصاحبها لا يتململ ولا يعترض. وبالقرب منها كراج بغداد لسيارات التورن الذي كنت أراقب المنادي وهو يصيح بإيقاع سريع مثل ايقاع الفواخت، ولكنه يحذف الغين من كلمة بغداد. ثم مقهى الصراف المقابلة لزقاقنا، التي كنت اجلس فيها وسط نظرات الكبار، والتقف أي صحيفة متروكة وأقرأ بشهية واضحة وعدم اهتمام بالآخرين. وفيها قرأت صحفاً كثيرة (طريق الشعب،الاهرام، الجمهورية، الثورة، المتفرج، الفكاهة). ولكني في كل الاحوال أوفر وقتاً لأذهب وأراقب حركة الزغير وهو يعمل بتلك الأناقة والرشاقة الواضحتين، وبأصابعه المترفة، وقامته الرشيقة المتوسطة الطول.
تعلمت من هذا الرجل، أن الانسان مهما يكن وضعه وشهرته، فلا بد أن يعمل وأن يجعل موهبتة حرة، لا يسخرها للاستثمار والمنافع، وقد كان هذا الرجل بحق متجرداً من كل مصلحة ومنفعة، يقرأ وينشد لأنه يقرأ وينشد، حباً بالحسين،ولهذا ذاع صوته وصيته. وأنا لغاية الآن، يراودني احساس لذيذ عندما أسمع صوته واتذكر اللحظات التي كنت فيها تحت منبره وهو ينشد هذه القصيدة أو تلك. وأتذكر موجات البرد التي كانت تضرب أجسادنا الصغيرة، انا وأخي حسن في الشتاء، وارتباكنا ونحن لا نعرف كيف نعيد دشاديشنا الى اكتافنا فنخلعها في زاوية من باب قاضي الحوائج تماماً ونعيد لبسها.
في هذا المحيط، تعلمت القراءة والكتابة، ورأيت أن الكلمة اقوى من الورق والحبر، فهي صوت يحمل كثيراً من الدلالات والمعاني والتأثيرات، كنت احفظ كل قصيدة يقرأها حمزة الزغير في لحظتها، وصارت الكلمات تتشكل مكتوبة امام بصري وفي ذهني مجسدة بخطها، وتغلبت على القراءة والكتابة قبل المدرسة وتعلمتها. وفي نهاية السبعينيات، انتقلنا الى بيتنا في حي رمضان، ولم أعد انتبه الى محل حمزة الزغير. ولكني اذكر آخر عزاء حضرته له، وكان فيها الوضع السياسي ضاغطاً على الكل من قبل البعثيين، حتى اني سمعت من صديق، أن حمزة الزغير اقتيد الى دائرة الأمن في ذات الفترة التي توفي فيها عبد الزهرة الكعبي مسموماً من قبل رجال الأمن كما شاع في حينها. فكان آخر عزاء، أحسست أن حمزة الزغير قد مورست عليه ضغوطات أمنية، فقرأ قصيدة باهتة تختلف عن كل ما تعودت عليه اذني، وكان صوته متعباً فقد كان يقرأ وهو متكئ على كتفي شخصين وقفاً يسندانه، وظننت أنه تعرض للتعذيب في دائرة الأمن، ففي نهاية السبعينيات، قويت سطوة رجال الأمن واختفى كثير من أصدقائنا في الدراسة المتوسطة والاعدادية، حتى مجيء الحرب البغيضة التي أخذت منهم أكثر من ذي قبل، فانصرفت في حينها عن العزاء ولم أره حتى سمعت بخبر وفاته رحمه الله. فحفظت بعضاً من القصيدة التي تقول كلماتها:
يا حسين نهضت من أجل العدالة وكل مناضل منك تعلم نضاله
علمت جيش العروبة ع النضال دربت جيش العراق ع القتال
والقيادة حررت هذا الوطن
كان له حضور في طفولتي ومراهقتي. وهو الآن يحضر بقوة ويثير الحنين في قلبي لكل جمال وبساطة. إنه اكثر من منشد وقارئ منبر. فهو كبير باسمه الشعبي اللطيف، حمزة الزغيّر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية