جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


جويس في المحكمة يوليسيس: بين الجمال والحقيقة والقانون


نجاح الجبيلي
في تشرين الأول عام 1899 حضر جيمس جويس حين كان عمره 17 سنة للمحكمة في قضية استمرت ثلاثة أيام في دبلن في جريمة مروعة لأخيه بحق صاموئيل جايلدز. سمحت له هذه الحادثة أن ينسج المراجع في القضية خلال روايته”يوليسيس”بضمنها اللحظة التي يكون فيها البطل ليوبولد بلوم
وآخرون في طريقهم إلى مقبرة غلاسنفن لحضور جنازة بادي دغنام والمرور ببنغال تيراك في المكان الذي وقعت به الجريمة.”حدائق متجهمة مرت حينئذ: الواحدة بعد الأخرى: بيوت متجهمة”حين يقول أحد الرجال:"هذا المكان الذي قتل فيه جايلدز... البيت الأخير”يرد سيمون ديدالوس:"هكذا هي... قضية رهيبة. سيمور بوش قتله. قتل أخاه. أو كما يقولون".
وكما كتب أدريان هارديمان في كتابه الساحر عن جويس والقانون”هذه هي الإشارة الأولى في”يوليسيس”لقضية مقتل جايلدز. بطريقة أو أخرى هذه القضية وأبطالها جرى الإشارة إليها أكثر من عشرين مرة في النص، أحياناً بصورة بشكل واضح وأحياناً أخر بطريقة غامضة. لهذا تبرز القضية كونها أحد الخيوط العديدة التي تكّون نسيج الرواية بشكل مغمور غالباً لكنها تتكرر بشكل ثابت".
يأخذنا هارديمان عبر عدد من القضايا القانونية التي يشار إليها بهذه الطريقة في”يوليسيس”بمثل هذا التوظيف الواضح والفعال للتفاصيل إذ من السهل تصور كيف أنها تكون منهمكة بالشخصيات التي تجول بدبلن في 16 حزيران عام 1904. 
إن جويس يتلقى الآلام وهو يجعل روايته دقيقة طوبوغرافياً وتاريخياً لكنه كان حذراً من أن لا يجبر شخصياته على أن تفعل الشيء نفسه. لهذا فإن الأبطال غالباً ما ينسون الأسماء أو يحصلون على تفصيل خاطئ. مقتل جايلدز مثلاً لا يقع في”البيت الأخير”في”بنغال تيراك"، لكن كما يشير هارديمان في البيت الثاني. وبينما سيكور بوش كان منخرطاً في القضية فإن المحامي الآخر تيم هيلي كان أكثر تأثيراً في تحقيق التبرئة. 
كما يوضح هارديمان فإن جويس ربما ترك اسم هيلي لأنه كان يكرهه بشدة. لكن ربما كان هناك سبب آخر. يقدم لنا هارديمان صورة قلمية لبوش وهو يوضح بأنه كان رجلاً يخادع بشكل كاف لكي يظهر في الأجزاء الأخرى من رواية”يوليسيس". ربما وجد جويس بأن تصرفات بوش الغريبة والتكرار الغني بالألوان أكثر فائدة في سرده من هيلي. ربما تأتي ضرورات الكتاب دائماً هي الأولى.
في الربط ما بين خيال جويس وجريمة جايلدز فإن هارديمان يشير إلى أن اليوم الذي سبق الجريمة ثمة قريب إلى جويس يعيش في البيت المجاور لجايلدز قد فقد حياته. جنازته التي ربما يكون جويس قد حضرها أقيمت في اليوم نفسه الذي وقع فيه استجواب جايلدز، حين ذهبت هيئة المحكمة إلى البيت لكي يروا الجثة. كذلك أحد المحلفين في القضية،وهو الكسندر كيز، وهو جابي ضرائب سابق،”يشار إليه بصورة متكررة في رواية”يوليسيس”باسمه الخاص". في الواقع إن المفاتيح كونها رمزاً تتكرر في الكتاب، وبذلك يتكامل السيد كيز مع جريمة جايلدز بشكل إضافي داخل النسيج المعقد للرواية.
إن شبح قضيتين سياسيتين وجملة من الإعدامات المتتالية يتردد في الرواية أيضاً. الأولى هي قضية روبرت إيمت، إذ أن إعدامه في عام 1803 يقدم لجويس موضوعاً لمرح هائل في فصل”السايكلوبات". الأخرى هي قضية آل”أنفينسيبل”عام 1882 بسبب طعن مميت لسكرتير المدير من أجل إيرلندا، والسكرتير الثاني الدائم للدائرة الإيرلندية في فنيكس بارك.
أحد الرجلين المدعو ”جلد الماعز"، الذي ساق المركبة التي تحمل القتلة، يشار له في رواية ”يوليسيس” عدة مرات كونه يمتلك”ملجأ سائق المركبة، كما يقولون، هناك في”بت برج"“والذي يزوره بلوم وستيفن ديداليوس في فصل”أوماوس". أحد القتلة الفعليين يجري استدعاؤهم في فصل”السايكلوبات". انتصابه ("يقف في وجوههم مثل قضيب لإذكاء النار") حين جرى شنقه يجري وصفهُ إلى الصحبة المتجمعة في بيت”كيرمان”العام. (“يمكن توضيح ذلك بالعِلم، يقول بلوم").
يأخذنا هارديمان باهتمام قضائي عبر قضايا إيمت وآل”أنفنسيل". ميزته أنه يعرف الكتاب كما يعرف القانون، لذا لا يفوت الفرصة لكي يربط بين ما حصل قانونياً مع ما يدخل العقول والأحاديث للشخصيات الخيالية. لذا فإن السرد الذي يقدمه هو نوع من التيار الخفي في كتاب جويس، وإحدى الطرق الجوهرية التي تحتوي فيها الرواية العالم وإضفاء الدرامية على ما يفكر به الناس في دبلن عام 1904. يساعدنا كتاب”جويس في المحكمة”على ملاحظة الأمور في الرواية التي تلمح لها وتشير إليها بشكل عرضي، لكنها تُقدّم بشكل رائع وفعال وتبقى ذات مغزى بشكل غريب.
القصة الأخرى لرواية”يوليسيس”والقانون هي مما حدث في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حين نشرت الرواية. مرة أخرى يكتب هارديمان، الذي هو قاض في المحكمة العليا في إيرلندا حتى موته المفاجئ السنة الأخيرة، يكتب بالوضوح وبعين القانوني كما يصف ما فعلته السلطات لمنع الكتاب من النشر. 
وهو ينتقد ويقصد على نحو مدقق اللغة الإنكليزية:”إلى قارئ في أوائل القرن الحادي والعشرين، إنّ ما هو مدهش حول المراسل الرسمي الإنكليزي بالنظر لرواية”يوليسيس”هو الثقة الكاملة للسياسيين والبيروقراطيين الذين ما زالوا يؤيدون ويفرضون القيم الفكتورية في العشرينات والثلاثينات". وحول الاعتراضات على مناجاة مولي بلوم يكتب:”المدهش على حدٍّ سواء هو النخبوية التي يظهرونها: أي قيمة ممكنة يمكن أن تمتلكها”مذكرات خادمة إيرلندية؟".
يوضح لنا أيضاً كيف أن الكتاب كان قد نشر أخيراً في الولايات المتحدة ويتيح سياقاً مفيداً للحكم الحاسم من قبل القاضي جون ووسلي في عام،1933 الذي ربما يكون أكثر إدراكاً مما كتب كثيراً عن”يوليسيس”من قبل النقاد الأدبيين. كتب ووسلي:”جويس حاول – يبدو لي إنه نجاح مدهش- لكي يظهر كيف أن شاشة الوعي بتعبيرها المتغير دائماً تحمل، كما جرت العادة، على  لوح بلاستيكي يكتب عليه مرات متعددة لا فقط تركيز لملاحظة جديدة للأشياء الفعلية حوله، بل أيضاَ في منطقة الظل الناقص لبقايا الانطباعات الماضية، بعضها حالي وبعضها يجذبها الرابط من مجال اللا وعي".   
جوزيف هاست هو قاض أميركي كتب بصورة واسعة عن أعمال و.ب.ييتس. كتابه عن المحاكمات الأميركية لرواية”يوليسيس”بسبب عدم حشمتها، مثل كتاب هارديمان، تميزت بمعرفتها لنص الرواية (وبالفعل بموهبة هاسيت كناقد أدبي) بقدر الاعتياد على  تفاصيل القوانين وشخصيات المحامين. 
يتعامل هاسيت، مثل هارديمان، مع كيفية إحراز الانتصار. لكن كتابه يقدم المزيد من التفاصيل والتحليل الأكثر حدة من كتاب هارديمان عن المحاكمة الأميركية الكارثية المبكرة لرواية”يوليسيس"، حين كانت تنشر فصول الرواية بصورة متسلسلة في مجلة”ليتل ريفيو".
يكتب عن القاضي الأميركي الإيرلندي المعقّد والجامع جون كوين الذي كان يملك مسودة”الأرض اليباب”مع تصحيحات باوند وأغلب مخطوطات كونراد وييتس، إضافة إلى مخطوطة”يوليسيس”و2500 من الرسوم واللوحات الزيتية، بضمنها 12 لوحة لبيكاسو و20 لوحة لماتيس. 
جمع كوين كما يشير هاسيت أيضاً بعض الزبائن والرفقاء الأغنياء المحافظين جداً من الإيرلنديين الأميركيين الكاثوليك، وتحيز ضد المادة الصريحة جنسياً والنساء ذوات العقل المستقل. كان نشطاً ومتحمساً للفن، وربما بدا القاضي المثالي لكي يمثل مجلة”ليتل ريفيو”حين تولّى القضية. بدلاً من ذلك،  كما يسرد هاسيت، لا يمكن أن يكون اختياراً سيئاً ويبرز بتشريف صغير من هذه المقالة الراسخة لعمله من أجل محرري المجلة مارغريت أندرسون وجين هيب. 
حين قرأت أندرسون الفصول الأولى من”يوليسيس"، التي بدأ جويس بإرسالها في كانون الأول عام 1917، فإنها علقت وأرسلت إلى هيب:”هذا أجمل شيء نتلقاه.. سوف نطبعه بأقصى الجهود الأخيرة في حياتنا". قراءة هاسيت لما حدث فيما بعد هي أساسية، ويذهب عكس النظرة السائدة- في سيرة ريتشارد إيلمان عن جويس مثلاً أو في سير أخرى، والنسخ الحالية من القصة- بأن كوين، تحت الظروف، بذل أفضل ما عنده في قضية غير قابلة للنجاح.
بدلاً من ذلك فإن هاسيت يؤكد بأن كوين كره الفقرات التي تحتوي على صراحة جنسية في الرواية، وكان غير راغب في مناقشة القضية بسبب حسناتها الأدبية، والتي ربما نجحت في محكمة الاستئناف. يظهر هاسيت بأن كوين لم يكن غير مؤهل قانونياً فحسب بل ساخراً وتقريباً حاقداً حين مناقشته القضية. يقدم الدليل أيضاً بأن كوين كان كارهاً للنساء. لم يكن لديه شيئ جيد يقوله بشأن محررتي مجلة”ليتل ريفيو”الأنثويتين (اللتين تلقتا الغرامة والأوامر بعدم طباعة الفصول الأخرى) وبأنه كان مقيداً بباوند بأن المجلة كانت”مجرى فضلات تغطي”محتوياتها”النتانة والقذارة". 
جويس، في الوقت نفسه، كان مشغولاً بإنهاء الكتاب في باريس. وبينما تستمر القضية في نيويورك، كما يكتب هاسيت”بمثال ساحر على العلاقة ما بين القانون والأدب”فإن الروائي استعمل عبارات وصوراً من تقارير القانون حول الفصول الأولى، كي يضيف النكهة على عمله المقبل، ولكي يعلقه بالحياة بكل تنوعها وبخاصة غرابتها. القانون، مثل أي شيء آخر وصل لطريق جويس، له منافعه.



المشاركة السابقة