جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رُوحُكَ الّتي تَراكَ ولا تَراها..!(ايروتيكية الرؤيا والانشطار)


نعيم عبد مهلهل
في كلّ جسد روح، ودائماً تختلف الرّؤى والإجابة والاجتهاد بين المذاهب والفلسفات والعلم: إن كانت الرّوح تُسيّرُ العقل أم العقل يُسيّرُ الرّوح..؟
وفي الحالتين هناك معجزة في الخلق لهذين الهاجسين، الرّوح بشكلها الفنتازي والمعروفة بعدّة توصيفات ومنه ما يعتقدهُ المتصوّفة أنه سياحة الفضاء وسط عقولنا والهالة التي تتجمع بتفاصيل الخيال لتكوّن كياناً. أمّا العقل فهو نتاج المكوّن المّادي القادم من تلافيف الدّماغ وخلاياه الحسيّة.
إذن لكلّ واحد منا روح تذهب به إلى مستوى ما يؤمن به ويُثقّفه ويتعلّم ويدرك وهي التي تمثل لغزاً عميقاً وشاقّاً عندما يقف المرء أمام المرايا أو وسادة ليتساءل: من أنا ومن هذا الذي يشعر في داخلي ويفكّر ويستعيد الذّكريات ويتخيّل حالي في شيخوختي واللحظة التي لا أراها وأنا أقترب من الفاصل بين الجفن المتحرّك والسبات الأبدي ليضع هنا العلم تفسيره ويضع الدّين تفسيره ويضع المتصوّفة تفسيرهم وتضع الفلسفة تفسيرها وتضع الفطرة تفسيرها.
ولأنّي قرأت جميع التّفسيرات وفهمت دالتها وقصدها وتفسيرها إلاّ تفسير الفطرة لأنّه لم يُكتب في كتاب ولم يُعتد عليه لأنّ الفطرة هي من بعض الاستنتاج الجمعي لسلوك وتفكير البشر - المواطن البسيط- وبالرّغم من هذا أجد في تفسيرات الفطرة للرّوح جانباً من صدق التخيل والتعامل مع هذا الإحساس - الطيفي - الذي أعتقد أنّه الدافع الأوّل لخلق الإيمان في البشر تّجاه قدرهم سواء كانت من شظيّة الحرب إلى حادث الدّهس أو الانتحار أو الموت الطّبيعي نتيجة تقدّم العمر.
هذا التفكير الفطري المدهش دائماً يرتبط بقناعة ما يقوله الكتاب المقدس في التداول الشّفهي ولا يلتفت إلى آخر غيره فهو قائم على قناعة أنّ ما فينا يضعه الله وما يكون هو ما نرضى به، وأرواحنا مسيّرة برحمة من نؤمن بهم: الرّب وأنبياءه، والأئمة والأولياء وعداهم لا صلة لهم بأرواحنا بالرغم من أنّهم يؤثرون فيها بنسب متفاوتة.
دائما كنت أميل إلى قناعة ما فُطرت عليه وأتخيل أنّ روحي هي ما تتركه صورة الله في أعماقي حيث أقف عاجزاً عن تخيل الشكل ولكني أضع الصورة الفنتازية لمن يشعر في داخلي فأتخيله شكلاً هلامياً من دون ملامح ولكنه قوّة غامضة لصيرورة تفكير تسيّرني وتضع القناعة والحلول لأسئلة المرآة والوسادة، وبالنهاية أجد نفسي منقاداً للخضوع لهيمنتها وتقديسها وتركها على حالها في هذا الانسياب الغامض والقدسي، ودائماً تلك الفطرة تمتلك القدرة على نسيان التفكير بكينونة هذا الغامض في قناعة منها، إنّه الخليقة الباقية والدائمة فينا وبإمكاننا العودة إليها في أيّة لحظة.
إذن الرّوح ترانا ولا نراها وهي تراقبنا ونحن نراقبها ولكنّكَ في مراقبتكَ لها تصل إلى نهاية أنّك تراقب وتتجسّس على ذاتكَ فقط ولن تصل إلى ما تريد أن تتجرأ فيه لتعرف من هي.
الفطرة بذاتها تعود إلى بيئتها القنوعة والبدائية وتنتهي إلى قناعة ذلك الإيمان الذي أوجده السؤال الأزليّ في القرآن الكريم :”ويسألونكَ عن الرّوح، قلْ الرّوح من أمر ربي"..!
دائماً متعة التفكير بكينونة الروح في جانبها الفطري تمثل القناعة الأكثر هدوءاً لأسئلتنا عندما تتوهّج فينا التّخيّلات والمسارات والقناعات على سذاجتها وطيبتها وتجاوزاتها ولكنّها في النهاية أسئلة مقدرة بفعلٍ لا نستطيع أن نتوقف عن التفكير فيه.
وفي نهاية لا نجد ما لا نستطيع أن نجده ويبقى هناك غموض أقرب التّفسيرات إليه وأصحُها هو ما اعتقدناه دوماً بإيماننا ممّا ورثناه من معتقدِ أهلنا وفطرتهم الرائعة.
لقد ولد الإنسان ليكون رائياً قبل أن يكون شاعرا أو رائد فضاء، وكان البدء معه بحث في الموجود وقراءة الإحساس الغامض الذي يسكنه، فيحولهُ إلى انفعال أو يذهب ليعبّر عنه بشكل افتراضي مثل إحساسه أنّ الكون مسيطر عليه من خلال الرّوح البعيدة والتي ابتدأ معها في بدء التصوّر والفعل أن تخيلها شكلاً لأنوثةٍ يرى في نهديها بدء الخصب ونموّه فكان جسدها على شكل دمية بنهدين كبيرين، وترك المكان الخصب مكشوفاً من دون ورقة التين، وحين تطورت التّخيّلات والرؤى ولدت الأساطير وتطورت الرؤى الغيبية إلى فعل التدوين، وأخذت المشاعر معه تنمو باتّجاه احترام العُرف والشخوص فكانت من تراثها الأساطير والحكايات وما تمّ اختلاقه أو التّعايش معه أو الإيمان به، فأتى لنا تدوين قصص الخليقة وما صاحبها من قصص لملوك وآلهة وأنبياء وقدّيسين وقادة حرب، ومنها قصة آدم الذي رميت فيها ورقة التين على ذاك المكان لتصير الحكاية ملاصقة لرؤى الإيمان الأولى في مراحلها الأبدية من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وأيوب وإسماعيل إلى يعقوب ويوسف ويونس وموسى ويسوع (ع) ثم الخاتمة في محمد (ص) خاتم الأنبياء والمرسلين.
و أنا بدوري أبتعد عن تلك المساحة الخطرة من التأويل والمعتقد لتشعب التواريخ فيها والرّؤى، وأذهب إلى غيب ما يسكنني من تفكير وقدرة على الرؤيا حتى في بساطة التخيّل.
أحشد أحلامي وأفكاري وتحليلي وتصوري حتى في لحظة النشوة بكأس فيدور في رأسي أنّه من نشوة العطر في لجة العشق والحزن والمشاهدة، فأمامي خريطة طويلة عريضة لعالم اليوم من الصين إلى فضاء الفاو، ومن عابدان إلى برلين الألمان، ومن صورة أمي وضفائر الحنة إلى رغبتها بقبر قرب عليّ لتنال الجنة.
هذا العالم المتسع كلّ رؤاي فيه أنّي أترنّح في بهجة وايروتيكية ما أعيشهُ وأنا أدرك أنَ صاحب دمشق باقٍ لوقتٍ أطول وأن بلادي ستمرّ بمعمعة الموت بشكل أقصى في فوضى الكذب على الله والوطن وفقرائه، وسأدركُ لحظتي في اكتشاف مراهم تعيد اللذة إلى رحم العاقر وأن أتمكّن من حضور مهرجان”كان”الفرنسي في العام المقبل، وأن تقلّ رعشة يدي أمام موظف الجوازات في مطار إسطنبول، لأنّ الخشية من المواقف المجهولة قابلة للتحقق في ظل الاشتباه إنّك من داعش، أو أنّك تتغزّل بوجه ابنة سلطان الأستانة أو أنّك سرقت درهماً من خزينة دولة يسرق ساستها المليارات ويجدون في لندن ملاذاً آمناً.!
هذا الفعل الروحي المتحفّز في داخلي، يرى ويسمع ويتنبّأ وتلك من منح الله على الفقراء حين تكون بيوت الطين قصورهم.
لهذا فالورقة البيضاء التي أمامي أتخيل فيها تفكير من يسكنها العطر في ثنايا العمر لأشعر أنّ بعضها تؤمن بخلودها فيما أنجبت وأبدعت ومارست، فيما أخريات يبدأن الذوبان فيها – الورقة - وهنّ في الثلاثين لأنهن خاملات متقاعسات وبطيئات الفهم بأن الله في رؤى الخليقة أبدع في وصف أنوثة حوّاء، وهو من أعطاها مساحة الامتحان لتقضم التفاحة، وتبقى بعيدة حبيسة قدر الطبخ، والندرة من خرجن إلى أبعد من دائرة البهارات إلى الرسم والشعر والطب والهندسة والتعليم، فحُقَ لي أن أعرف الواحدة لماذا تفكر بمنطق مكانها ولا تفكر بمنطق خفق قلبها، وأعيد ذلك إلى مستوى الثقافة والبيئة وطقوس السرير مع بعلها.
في الكأس، كما في الرأس، يفور الإحساس واللحظة ويكون الإشراك بين المدام والغرام رؤيا محبوسة بين الرعشة واللذة والابتكار والجرأة، فحتى تكون عرّافاً، عليك أن تكون جهادياً في الكشف ومنطق الكلام وتحريك الحواس.
ومن هنا تستطيع أن تمتلك الفهم و تصبو لإدراك الصّلة مع العالم من خلال نبوءة وليس من خلال كاتم صوت.!
إنّها احتمالات، ومن بعضها الحاسة السادسة التي لا تنمّ عن ذكاء مفرط، إنّما هي رؤية متخيلة لصورة متحققة جرّاء امتلاكنا لحواسّ لا يملكها غيرنا، لهذا فجميع ذوي الحواس لفهم النسيان، ومن ظلّ خالداً هو دافنشي وسقراط وأينشتاين والخوارزمي ويسوع وأبن الهيثم وبورخيس... و يقال:”أنّ الحاسّة السّادسة صفة لا يملكها إلاّ الأتقياء".
الغيب يولد من الشهوة طفولية البدء وايروتيكتها تسكنها البراءة والفطرة، من إحساس يسكننا قد لا نعرف مصدره ومرجعيته، وقد يكون موهبة فطرية إلاّ أنّ الجميع يمتلكونها ولكن بنسبٍ ودرجات مختلفة، ومنها من يسكنه التّوقع والحدس وهذا ما يحدث للجميع خلال مراحل حياته.
أنا أرى الغيب في التّيه في طيف يبتعد ويقترب مع ما يسكننا من ظنّ وهاجس ونبوءة ورؤيا.
الرّؤيا التي تسكنني هو وجهكِ والمصائر وما سيحدث في المتغيرات القادمة وحتما هي أشبه بالثورات، ولكنها ثورات إلكترونية لا تمتلك تلك الصيحات المجنونة والبنادق البدائية في ثورة البولشوي والباستيل، إنّما اليوم هناك صفتان للرّؤيا القادمة، واحدة على شكل مفخّخة وسكّين يقطع الرقاب وأخرى على شكل موقع للتواصل الاجتماعي، وفي الحالتين يبدو الغيب مفضوحاً و ليس مع الكأس فقط، بل يمكنك أن تتنبّأ بمجرّد التّمعن بعيون مذيعة نشرة الأخبار....!
جمع كل هذا يقع في خليقة الشّعر سفرا ورؤيا واكتشاف، وربّما الشّعراء المتصوّفة رأوا كلّ هذا بوضوح فكان لهم ما نالوا من الموت وشهيّة الصّعود إلى الأعلى.

دوسلدورف 11 آب 2017



المشاركة السابقة : المشاركة التالية