جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


8/8/1988 / قاطع شرق دجلة/ سدّة الدسم


علاوي كاظم كشيش
في أعماق الأهوار، كان فصيلنا، فصيل رشاشات الفيلق السادس المقاوم للطائرات قد انتشر على طول سدة الدسم بمعدل مدفع 23 ملم لكل 4 كيلومترات بضيافة الفوج الثاني من لواء المشاة الآلي 56.
دخلنا هذه السدّة منذ معركة مجنون في 16 حزيران 1986.المعركة التي استمرت يومين وكان دخول القوات العراقية صعباً جداً بسبب السدود الفاصلة بين مربعات الأهوار التي فجرها الجيش الإيراني عند انسحابه بعد مقاومة ضارية.
ولولا الطيران وألوية الحرس الجمهوري بإنزالاتهم المتوالية لما تقدمت القطعات العراقية شبراً واحداً.
من مضحكات دخولنا الى المعركة، أن مدافعنا المسحوبة كان عليها الدخول قبل الدبابات، سحبنا مدافعنا ودخلنا تحت وابل من القصف فيما كانت الدبابات تنتظر اخلاءنا لطريقها. وقد اشتدت مقاومة الايرانيين في تلة شاكر واغرقوا عشرات من الزوارق المحمّلة بالجنود وهم يتحصنون في هذه التلة ووجدوا زوارقنا وجنودنا صيداً سهلاً بقاذفات الآربي جي7. عند أحد السدود المفجرة كانت المياه تجري بغزارة وبعرض عشرة امتار. وقد تمكن جنود الهندسة العسكرية من نصب جسر حديد عسكري لتعبر عليه ناقلات الجنود ثم مدافعنا. عند أحد الجسور وبسبب المطبات الكبيرة انقلب مدفع من مدافعنا على جنبه الأيمن. وكان من الصعب إعادته الى وضعه الطبيعي وقد اجتمعنا عليه كلنا ولم نفلح.
جاءنا مقدم من الهندسة العسكرية وبيده كرك لأنه كان يحفر مع جنوده لتثبيت الجسر. ونحن أخذتنا هستيريا الضحك بسبب عريف كريم العماري وهو آمر المدفع ونكاته التي لا تنتهي. كان المقدم يصرخ بجنون: (بلهجة بغدادية جميلة وفيها غنّة)خونة.. كلكم خونة.. هذا عمل تخريبي.. منو منكم آمر حظيرة هذا المدفع؟
قال عريف كريم: انا سيدي.
المقدم: لويش مدفعكم مقلوب؟
عريف كريم: لأنه طالب فحل.
المقدم: شتقصد عريف... شنو طالب فحل؟
عريف كريم: الفحل يعني كرين السحب سيدي..
المقدم: شدّوه بالحبال واسحبوه بسيارة الايفا.. ماكو كرين.. وين احنه بالنهضه؟.
ووسط الضحك الهستيري انهضنا المدفع من نومته وتابعنا تقدمنا. وكنا خليطاً من المجانين أصابهم الخوف والضحك.
على سدّة الدسم التي انشئت في عام 1982 التي تنسب لهشام صباح الفخري. تكدس الجنود والأسلحة. وكان دخولنا مع بداية الظلام. كان دليلنا ملازم شاب يحمل الخريطة ليحدّد عليها مكان مدفعنا. السدة بعرض عشرة أمتار. وتعلو على مياه الهور بارتفاع خمسة أمتار في اعلى ارتفاع لها. وهي من السبيس ولم تكن معبّدة وعلى جانبيها تظهر كتل الجلمود القاسي وبأحجام كبيرة تشبه الجماجم المتناثرة.
انزلنا معداتنا بسرعة وهيأنا مدفعنا للرمي خلال عشرين دقيقة. لا يمكن أن تضمن لحظة هدوء هناك. فمع حلول الظلام يبدأ اصطفاق الاصوات في الهور، فالكائنات هناك يأكل بعضها بعضاً، وصخب الجنود، والقصف اللا متوقع يحدث بفترات متقطعة. ولا يحل السكون إلّا في منتصف الليل حيث تنام الكائنات ونحن، إلاّ الحرب والحراس.
كنا منهكين ومشتتين.أيقنت عند تلك اللحظات أن الحروب لا علاقة لها بالمجد من أي نوع. وأنا أرى جثث القتلى من الجانبين، وكانت سيارة الكاز 66 تمر علينا طيلة دخولنا الى المعركة وهي محمّلة بجثث الضحايا، وقد حملت بأكثر من طاقتها فكانت تئن في مسيرها وقد أسودت الجثث بسبب مياه الهور الآسنة ولا أنسى احدى السيارات التي مرّت علينا محمّلة بالقتلى وتتدلى منها ساق أحد القتلى وهي تلامس الأرض مع كل مطبِّ من المطبات الكثيرة.. ظللت أنظر اليها حتى توارت بين القصب العالي.. وتركتني أعرب الوجود كله وأفحصه. وأيقنت أن الحرب مشروع ناجح جداً لتحويل الإنسان الى نفايات.
على هذه السدّة كان أخطر ما نخاف منه هو القصف وقطع الجلمود التي تتحول الى جمر طائر في ثوان. وكانت ملاجئنا بارزة إذ لم يسمح لنا بتعميق حفرها خوفاً من انهيار السدة حسب تحذيرات رجال الاستخبارات العسكرية.
على مدى سنتين اصبحت بارعاً في صيد السمك بكل الوسائل. من الرمانة الهجومية الى الفالة وشباك الصيد التي كنا نتبادلها مع جنود فوج المشاة. وفي فترات الامان كنت أخذ أحد الزوارق وكتاباً معي واترك للزورق أن يتهادى تحت أمر الريح..أتامل هذه المخلوقات العجيبة بأنواعها. وبلغت حداً من هواياتي أن اغمس اصابعي في المياه فتأتي الأسماك الصغيرة وترضع رؤوس أصابعي بشراهة ونهم وحميمية بالغة. هناك كنت أشعر انني ابن الطبيعة وصديقها.. وأن روحي تشبه نهر الماء الذي كان يجري في وسط الهور. ماء عذب حوله ضفتان من الماء المالح. أيقنت أن المجد للحياة وللفكر وللحب، وليس للأحقاد. وأن اكرم مشروع على الأرض هو الانسان ومن الجهل هدم هذا البناء الكريم.
في يوم 8/8/1988 التحق صديقي محمد من اجازته. وكان يلثغ بالراء وينطقها واواً واضحة. رمى بنفسه من سيارة الايفا وهو يصيح: عندي بشاوه (بشارة) ولكم حيوانات تعالوا عندي بشاوه.
ها.. ولك بشّر ابن القندرة؟ قال أحد الجنود.
همس محمد: خوات الكـ....بة.تعالوا للملجأ....تدوون شنو البشاوه؟
ولك شنو؟
اليوم واح ينذاع بيان نهاية الحوب... مجلس الأمن صدو قواو.
لم يحصل محمد جواباً على بشاوته سوى كلمة إنجب.. عراقية جافة خالصة. مع بصقة من أحدهم.
في الثامنة مساءً. جلب لنا أحد جنود المشاة مذياعه وكان صوت المذيع مقداد مراد يسترعي الانتباه الى بيان سيصدر في الساعة العاشرة. احتدمت النقاشات والجدل تخللتها سيول من الشتائم المضبوطة ولعن الآباء والامهات والأخوات. اندلع القصف واستمر لنصف ساعة فتفرقنا في الملاجئ غير المؤمنة جيداً. وبعد نهاية القصف خرجنا وعدنا الى ما كنا عليه وأقداح الشاي والسجائر تدور بيننا.
في العاشرة تماماً. أذيع البيان. قبلت ايران بقرار مجلس الأمن القاضي بإيقاف اطلاق النار وقبل العراق أيضاً. نهضنا الى اسلحتنا. اشتعلت السماء بالقذائف والاطلاقات التنويرية والمنفلقة. وأنا هيأت المدفع وبدأت بالرمي. كنت فرحاً بهذه الألعاب المضيئة وهي تقشع ظلام الاهوار. ومن محاسن الصدف أن احد مدافع الجيش الايراني كان مقابلاً لنا. وكان يضبط عدد القذائف التي اطلقها فيطلق مثلها وبنفس الاتجاه. حاولت أن اكتب بضوء القذائف كلمة سلام. وحاول هو أيضاً ولكن كان علينا تبديل مخزن القذائف الذي يحوي ثلاثين قذيفة لا تكفي للكتابة وتنتهي عند سلا بدون ميم فقط.. وصعبت علينا الميم جداً. كانت سبطانة المدفع قد أحمّرت عدة مرات فنفتحها ونبردها في مياه الهور ونتخذ السبطانة الاحتياطية بالتناوب حتى أطل الفجر. فنعسنا. ونمت قرب المدفع.. وحلمت كثيراً.. بمكتبة ودراجة أجول بها على كل مدينة وقرية في العراق واكتب استطلاعاً صحفياً.. كانت هذه رغبتي. وأيقنت أن الحرب خسارة ملمعة. بعض الجنود لم يخرج من ملاجئه خوفاً من القذائف الطائشة لأن الرمي لم يكن منظماً. وبعض منهم لم يتكلم.. وسمعت بكاء البعض لأن اللعبة السخيفة انتهت بما لا تستحق من ثمن.
في الأيام التي تلت انسحب فوج المشاة. وتم نشر مدافعنا من جديد بمعدل مدفع لكل عشرة كيلو مترات. وعم الهدوء المطبق. كنت اقرأ كثيراً. وأدخن كثيراً. وأصطاد أكثر. وادخل مناطق مجهولة في الهور ولا أعود إلاّ عند زوال الشمس. حيث تصطحبني اصوات غريبة لكائنات يلتهم بعضها بعضاً. بقينا ثلاثة جنود فقط. انا وعبد القادر ومؤيد.. ضاقت علينا مساحة السدة. وكنا نتشاجر لأتفه الأسباب ونضحك لأتفهها أيضاً.. قلت لهم: كل هذا بسبب الصمت والهدوء في القاطع. والحرب لم تكن حلاً ولا شغلاً ولكنها علمتنا على صخبها. قام مؤيد بالرمي وأفرغ مخازنه كلها لكي أشعر بالسكينة كما قال.. ضحكنا كثيراً.. وفي الأيام التالية كانت الوحشة تفتك بنا.
كل اسبوع تأتي سيارة الأرزاق ويعطونا علب أرزاق جافة. وكانت سيارات فرق التفتيش تمر بنا بين يوم ويوم عليها حرفا UN، فيها جنرالات من كل الانواع بخوذ زرقاء لمراقبة خطوط التماس. في أحد الايام وقفت صباحاً انتظر هذه السيارات البيضاء ولعلمي انها تأتي مسرعة جداً قررت أن أوقف إحداها بوقوفي في وسط الطريق. وكان ماكان.وقف رتل السيارات المكوّن من عشر. ونزل جنرال زنجي. أديت له التحية. وبابتسامة تشبه الكهف قال لي كلمة شلونك؟ بلهجة عراقية مضحكة.
قلت له بالانكليزية: انا ورفاقي في وضع بائس.. نشعر باليأس والملل. والحرب ترفض أن تنتهي.. إنها لا تنام وما زالت ضوضاؤها في داخلنا..
قال: اعتن بنفسك. وأدى التحية ومضى بابتسامته التي تشبه الكهف.
في اليوم التالي جاءت سيارة الاستخبارات العسكرية. وطلبوني بالاسم، وذهبت معهم الى مقر الفيلق في أبو عجل. كانت علامات الاحترام واضحة على طريقة الحديث معي. سيارة واز بسائق وجنديين بملابس نظيفة ووجوه عليها علامات الراحة والدعة واللباقة في التصرف.
في مقر الفيلق كان عقيد الاستخبارات يتحدث معي بأدب جم ويستعرض أمامي ما تتركه الحروب من أثر نفسي على الناس والجنود خاصة، ذكرته برواية أريك ماريا ريمارك للحب وقت وللموت وقت. فرح كثيراً لأنه معجب بها وقال لي إنه قد خمّن أن مثلي يقرأ هذه الأعمال.
وكان سؤاله المهم هو: ما سبب حديثك مع الجنرال الأجنبي.
قلت له: سببها الوحشة، كنا في شهية قاهرة لكي نثرثر مع أيّ مخلوق.
قال لي: كان بإمكانك كتابة هذه المشاعر ونشرها في الصحف كما تعودنا أن نقرأ لك.
قلت له: كنت حينها جندياً مهملاً لا كاتباً ولا شاعراً. ومن غير المسموح أن يكتب كتابنا عن عذابات الجندي ومخاوفه، فأغلب ما كتب كان يظهر الجندي فرحاً بالحرب ومبتهجاً بها كما تعرف.
وكنت أرغب بالتواصل مع أيّ انسان حتى لو كان بمثل مواصفات ذلك الجنرال الزنجي ذي اللهجة الافريقية وابتسامته التي تبتلع الهور.
ضحك العقيد كثيراً... وقال: لا تهتم... هذه إجازة مني لسبعة أيام.. وعندما تلتحق تعال لنتحدث.
بعد التحاقي من تلك الإجازة.. وجدت اعلاناً في منطقة الركوب العسكرية في قلعة صالح وكما أكد لي أفراد الانضباط العسكري بأن وحدتي. قد انتقلت الى مقر الفيلق السادس في منطقة أبو عجل.
وكان مقر وحدتنا قريباً من مقر الاستخبارات. وكنت أرى العقيد واتحاشاه لأنني كنت اتوجس منه خيفة.. كان الجميع يعمل على أن هناك حروباً قادمة. عدا الجنود الذين اشتركوا في المعارك فقد ظهر السأم واضحاً عليهم والقنوط يرسم خطوطه على وجوهنا وسنواتنا العشرينية. كأننا ولدنا في رحم الحرب، في وجود لا طعم له سوى السخرية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية