جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


مدينة العمارة منتصف السبعينيات مدينة لها تواضع الطين


حسن ناصر
سأهبط إليها من السماء، فكرتُ في هذا مُستذكراً (فِلليني) الذي أرادَ أن يبدأ فيلمه عن رومـا بتصويرِ الغيوم وهي تتجمعُ في سمائها. لكن الأمر بدا عسيراً جداً فمن الصعب تماماً البتّ في أن للسماء أهميةً كبرى في العمارة.
إنها مدينة لاترفع رأسها الى السماء كثيرة مشغولة بشؤونها الأرضيّة. قصص الحب شائعة ومبهرة. تضحيات خيالية وأقدار لا تقل قسوة عن تلك التي تصوّرها الأفلام الهندية المعروضة في سينما الخيّام أو سينما النصر.
سأخرجُ إليها مِن قلبها إذن، ومع أن ليس للعمارة قلب في جغرافيتها إلا أن البداية ممكنة بافتراضٍ كهذا.
سأستل نفسي مِن هذا المنأى في الزمان والمكان وأعود إليها في منتصف سبعينيات القرن العشرين، أسألُ أول المارة. شاب”عبثي”تكرهه جميع الأطراف ويحبه أصدقاؤه وتقلده حلقة من التائهين: عبد الله حازم. يأتي عابراً بيتهم مترنحاً يحمل خطاه عنوة باتجاه فندق بلبل الصباح. أسأله: أين يا عبد الله قلب المدينة
لا قلب لها، ابدأ مِن حيثما تشاء.
مِن ضفة النهرِ؟! 
أية رائحة تنبعث من هنا، سمك عفن أم تراه النسيان!
***
إنها المدينة الغارقة أبداً في بهجة الكلام وفي صراعاتها الأرضية. شيوعيون وقوميون يتجادلون في المقاهي والحانات والنوادي. عبثيون يملؤون الليل بالقهقهات وقراءات الشعر الحزينة. ثرثارون يشعلون المقاهي ضجيجاً، ومتعبدون يقضون ليلهم بممارسة المهام الزوجية. لهذا لا ترى فيها تكيات أو صوامع متصوفة، لم يترك فيها عابد فذ محراباً أو حتى مئذنة بارزة.
ثمة حسينيات وجامع كبير وكنيستان ومعبد لليهود مختوم بالشمع الأحمر وعدد من الأضرحة. سماؤها مُهملة تماماً الأمر الذي أعطى لأرض العمارة في ذلك العهد- الى جانب السجال السياسي والديني الخالد- شيئاً من الشاعرية.
الخنافس والچارلس أبرز الظواهر الاجتماعية وأكثرها التباساً. صدمة الفتيان الذين يهتمون بشعورهم كما تفعل النساء ويلبسون البناطيل الجارلس المبالغ بعرض أطرافها السفلية والأحذية ذات الكعوب العالية، كانت تعرّض السلطات الى الخطر. بدأت الرجولة تفقد معناها كما تخيل العشائريون. لا شك في أن ذلك التحرّر كان مبعث قلق لأطراف كثر.
تجوّل حيثما شئت فلن تغفل عيناك خليل خنافس. الخنفوس النحيف الذي أراد أن يعيش كعاشق غربي في مدينة لما تزل تفوح منها روائح القرى. ستراه بالچارلس العجيب وقميصه الضيق ذي الياقة العالية يجوب الشوارع بشعره الهفهاف وجنونه الجميل.. لو حدقت في عينيه قليلاً فستعرف أن هذا الشاب يتوهم أنه في مكان آخر، في كون آخر لا علاقة له بهذه الأرض. النساء أيضاً كان لهن من الحرية ما يكفي للكشف عن جمالهن. أثواب قصيرة وأكمام أقصر. الليالي تتوهج في سينما النصر وسينما الخيام. عالم من الأسرار والأحلام والأحزان.

****
ضفافُ دجلـة في العمارة (في المسافةِ القصيرة وسط المدينة) ماوىً شهير لعتاةِ المدمنين والذين اكتشفوا طريق الخمر تواً. ضِفافٌ قذرة، تلال متباعدة مِن قمامة، لكن بعض المتوجسين (أولئك الذين يعيشون زمناً خاصاً بهم) يستطيعون رغم هذا أن يجدوا بقعةً ما ليهتموا بها ويجعلوها مكاناً ثابتاً للصيدِ!!

يصيدون بِسنارةٍ بسيطة وبِطعمٍ مِن الخبزِ ولكن غالباً ما ينافسهم سمك الزعيم. سمكٌ صغير بُنّي اللون لهُ لوامس طويلة، يُقال إن الزعيم جلبه مِن الخارج بكمياتٍ ضخمة وزرعهُ في دجلة مِن أجل التهام يرقات البلهارزيا!

شهدت الضفاف هنا في يومٍ ما مرور ساسة وشعراء ومنفيين وعشاق وجيوش وسجناء ومستشرقين ومبشرين. كانوا يسمونهُ شارع السوارية، ذلك الشارع المحاذي لِدجلة، لكن الحكومات تأتي بأسمائها الجديدة دائماً وذاكرة العمارة ضعيفة إلى حدٍّ بعيد. مرت من هنا المراكب حاملة التمور والمسافرين والجنود.
سترى الزورق السياحي ينام في الظهيرة على الجرف أمام مدخل السوق الكبير ويصحو قبيل المغيب ليحمل المتنزهين على ظهره مشعاً بأنواره وضاجاً بموسيقى أغانيه (أغاني السبعينيات) ويقطع المسافة بين بساتين النخيل الى أن يحل الشفق بأجمل وأبهى ما يكون ويترجرج السلام مع الموج والهواء والمصابيح والرؤوس المتمايلة. سترى شابا ًنحيفاً أسمر خجولاً متردداً عميق الثقافة بشكل استثنائي، يجلس وحيداً حزيناً وسط تلك البهجة، صامتاً يفكر بالانتحار. إنه كاظم الطعّان وهو مفتاح المدينة الى أعماق ضميرها وفواجعها وانكساراتها وانتصاراتها وشموخها العتيد وتواضعها الأبدي. يتأمل الطعان في النهر والبساتين والغروب ملتقطاً التفاصيل بعين ذكية، عين رجل يقف على شفا الانتحار. أحلامه واضحة نقية دقيقة وأيامه عبث وألم وسخرية مرة. عاشق أبدي لا يكف عن نظم الشعر في خياله.
يعود الزورق الى مرساه ويغادر المتنزهون ومعهم صاحبنا الحزين. يواصل حواره الداخلي محاولاً تفسير لغز الكون ويحث الخطى الى فندق بلبل الصباح حيث يقيم مع غريمه وصديقه وعدوه اللدود عبد الله حازم. كلاهما غادر البيت متمرداً ضد سلطة أبيه. ينام الزورق على الشاطئ حتى اليوم التالي. لا شك في أن مرآه كان يبدو ساحراً لأناسٍ يتمتعون بقدرٍ مِن الصفاء يكفي لنزهة في شارع دجلة أو شارع المعارف، مسرح الاستعراض اليومي لفحولة الرجالِ وأنوثة النساء. 

جاء المُهمَلون إليها من كلِّ أصقاع الأرضِ! المنسيون يعشقونها لأنها تغدقُ عليهم هدأة العُزلة، والثانويون يرون فيها فردوسهم لأن لها تواضع الطين. الطين وليد اختلاط الماء والتراب وهو المشكلة أيضاً كما يقول عالم السومريات صاموئيل نوح كريمر (المشكلة هي أنهم كتبوا ودوّنوا على الطين في أرض تتعرض للفيضانات بين الحين والآخر). أرض أديان قديمة، احتلها النسيان مذ قالوا بلى. هل يُفسر هذا كون العمارة، كانت مُستقراً للفرقةِ الهندية في الجيش البريطاني؟ اليهود قبل ذلك بقرونٍ بعيدة مرّوا بها في رحلة العودة من السبي وأودعوا في أرضها جُثة (العزير)، بعض مِن نسل(علي) اختارها مكاناً للنهاية، هذا البعض المنسي المُهمل، ماتَ هناك في مشهد برغمِ عمارته يبعثُ الحزن ويتلائم مع أكثر التراجيديات عُمقاً. انها مسرحٌ لأبطال يوربيديسيون فيما كانت الأراضي الأخرى مسرحاً لخطابات وبلاغات الأسخليوسيين! عليها لعبَ الأرضيون (الذين يعانون آلام الكبرياءِ والعشق مقرونة بالفالج والرمد والإسهال والبواسير) أدوارهم.
...................
مات (الدفـّاس) هنا، سمعت حكايته التي أصدقها أكثر مما تحاول توكيده الكتب. يقال إنه عسكري هندي في جيش التاج البريطاني نسي في لحظاته الأخيرة مالقنتهياه رحلة العسكر  فبدأ يقرأ مقاطع مِن (اليوپانشاد). أودعه جنودهُ قبراً بنوه على طريقتهم دون أن يعرفوا أن الأهالي البسطاء هناك سيدهشون بالمرقد وسيزورونه كمرقدٍ لرجل تقي ثم لتقديم النذور لضريحه وقراءة الأدعية عنده باعتباره واحداً  مِن تُقاة المسلمين!!

هكذا كان (الدفّـاس) من أسوأ الناس حظاً، لأن قبره لم يعد قبره واسمه لم يعد اسمه، لاشيء في هذه المدينةِ يبقى على ماهو عليه، إنها مدينة الاندلاعات السريعة. قابلة للتأويل والتزوير!

الحيواناتُ مُهمَلة في هذه المدينة، ليس هناك حيوان واحد يتلقّى رعاية خاصة إلاّ في حالاتٍ نادرة، (حمار أميّش) و (جياد ناصر الأقرع) وقطة كراكين. قليل من العماريين يهتم بالحيوانات لِذا تكاثر سمك الزعيم وتكاثرت الخفافيش على شرفات المنازل القديمة متمتعة بحرية إهمال الناس لها. مِن المحاولات الفاشلة لإخراج المدينة مِن علاقتها الخاملة بالحيوانات قامت الحكومة باحضار حيوانين مسكينين مِن حديقة الحيوان في العاصمة لافتتاح مشروع حديقة الحيوان في مُتنزه البلدية المحاذي لمقبرةِ الإنكليز.  قرد ودُب، أطلق السكان على القردِ اسم ليلى وتحول إلى واحدٍ مِن أكثر سكان العِمـارة بذاءة بما علموه مِن حركات وتعبيرات ماجنة، أما الدب المسكين فظلَّ يئنُ في قفصه الضيق القذر مع كم مِن القشور والحجر ومخلفات مايرميه صبيان المدينة، طريقتهم الوحيدة للتعامل مع حيوانٍ لم يروه مِن قبل. مات الدب ثم القرد بعد فترةٍ قصيرة وماتت معهما فكرة افتتاح حديقة حيوانات في العمارة. لكن حديقة الكائنات العجيبة كانت هناك عند مقترب الجسر الجديد في المكتبة العامة.

كانت للمكتبة رواد عابرون وآخرون يقيمون فيها أو ربما أقاموا فيها الى الأبد. عرفوا جميع مجراتها والبطاقات التي تحمل تصنيفات ومعلومات الكتب. كانت مكتبة استثنائية وتخرَّج منها كثيرون تشتتوا في بقاع الأرض من يساريين ووجوديين وشعراء وكتّاب وعبثيين متمردين على كل شيء وقرّاء ذهبوا بعيداً حد الانتحار. جايلت عدداً منهم وصادقت قرّاء لم أرهم قط، ولكني صادفت هوامش كتبوها بخطوط مميزة على صفحات كتب قرأوها قبلي بأعوام. لن أنسى هوامش بعينها بهرني اتساقها ودقتها وصغرها وذكاؤها. كنت غالباً ما أرى صديقي القارئ المجهول في تلك الهوامش على الكتب التي استعير وكأني كنت اتتبع خطاه. لم نكن نعرف أصل المكتبة وأظن أني لو سألت أيّا من موظفي المكتبة ناهيك عن روادها فلن يعرف من هو مؤسس هذه المكتبة وما هي قصة تأسيسها. لكني إذا استطعت التسلل الى غرفة”أبو جنان”مدير المكتبة وسألته هذا السؤال فسيجيبني حتما وبدقة كعادته. مؤسسها هو المفكر اللبناني الشهيد، شهيد الفكر الحر والتنوير؛ حسين مروة (يذكر حسين مروة هذا في سيرته”ولدت شيخاً وأموت طفلاً"). هي الإنجاز الذي كان الرجل يعتد به حتى مقتله وهو شيخ في الثمانين. أسس المكتبة في بداية أو منتصف الخمسينيات. أتيحت له الفرصة من قبل الحكومة آنذاك بتحقيق ما يريد فطلب أن يؤسس مكتبة عامة في العمارة ويكون مديرها وهو ما حصل بالفعل فأسّس المكتبة وكان مديرها لأعوام.
يرعى حديقة المكتبة بستاني غريب حريص لا يكل عن مداراتها. سقوفها العالية تمنحها هيبة وسعة مضاعفة. هدؤها استثنائي مثلما هدوء معبد. عليك أن تفتح كتاباً وما أن تحبه وتلمع فكرة في خيالك سارع الى وضع هامش صغير أنيق دقيق ذكي لتسجل بذلك مرورك النادر في هذه المكتبة. في منتصف السبعينيات كانت مهابة المكتبة تبدو سرمدية لا تمس وما كان أحد ممن فيها ليحزر ما سيحل بها من خراب على يد أبنائها بعد أقل من عشرين عاماً.
ليس بعيداً عن المكتبة العامة قرب النشاط المدرسي في موقع مديرية التربية كانت هناك بقايا من سجن العمارة القديم، حيث قبع غسان كنفاني معتقلاً ومسفراً في طريقه الى الكويت. اذا مررت ليلاً بالمكان منتصف السبعينيات فسترى حتماً أحد اليساريين السكارى (محمد نجدي على الأرجح) يقف عند أطلال السجن مناجياً شبح الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني الذي اغتالته الموساد وبذلك تم تنصيبه ككاتب في غاية الأهمية من قبل عدوه بينما ضيعته في وطنه أصوات شعراء القبيلة المجعجعين المقعقعين الفارغين إلا من الرنين.
ما زالت العمارة صغيرة. طرفها الجنوبي الشرقي ينتهي بمقبرة البلدية أو مقبرة شهداء مايس 1948 حسب الاسم الرسمي. سياج المقبرة يرتفع الى مابين ثلاثة الى أربعة أمتار. هذه ليلة حالكة. يسود الصمت المكان. صمت مقبرة في ليلة حالكة. انصت الى هؤلاء المتهورين. ثلاثة فتيان لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة يتراهنون متحدين مخاوفهم يتبارون في السير على سياج المقبرة. يسيرون خائفين مكابرين أقل حركة أبسط صوت كان يكفي لإثارة الهلع في نفوسهم. يسير الفتيان بفرح خفيٍ بالانتصار وبشعورٍ عارم باليقظة والرعب. سأحكي لك الحكاية أنا كنت ثالثهم. المقبرة واسعة تضم لحود شهداء قدامى وموتى فقراء ومشردين تدفنهم البلدية صاحبة وراعية المقبرة. زلت قدمي فسقطت في المقبرة. قفز رفيقاي من السياج خوفاً وصارا خارج المقبرة. كانا يصيحان طالبين مني أن أتسلق السياج. كنت أحاول مذعوراً تسلق السياج لكنه كان أعلى من قوتي والليل كان بهيماً مدججاً بالمخاوف. بقيت أحاول التشبث بأظافري بأحجار السياج العالي حتى جاء حارس المقبرة يحمل فانوساً ساطعاً (لوكس). كان وجه الحارس حين اقترب مني مخيفاً أكثر من سبعين مقبرة. فكّه الأسفل متضخم منتفخ على الجهة اليمنى وكأنه كائن من كوكب آخر. لكن صوته الأبوي الرحيم وشتائمه الحميمة بثت الأمان في روحي. صاح بي: هيّ ابن النعال، كلب ابن الكلب شجابك شصعّدك شطيّحك شوهدنك، انعال ابن النعال!!
قادني من أذني ثم فتح البوابة وأطلقني من ذلك الكابوس المفزع. كانت العمارة صغيرة مدخلها الشمالي يبدأ من الحامية التي يقف أمامها تمثال جندي. لكن أيامها كانت واسعة. كان البستاني الغريب الحريص الذي يرعى حديقة المكتبة هو نفسه حارس المقبرة. يبدو أنه في الواقع الرسمي انتقل من كونه حارسا للمقبرة الى عمله كبستاني في المكتبة التابعة لنفس البلدية. لكن في سياق حياتي أنا، أرى انتقال الرجل من المقبرة الى المكتبة على أنه إشارة كونية، أشارة أحاول حلها وفهمها في خضم هذه الميلودراما العجيبة الغريبة.
العمارة منتصف السبعينيات مدينة فيها حديقة نساء ومسرح وصالتي سينما ومكتبة لعل كثيراً من روادها مازال يقيم فيها. أستل نفسي من منآي وأعود اليها؛ إلى العمارة أيامذاك، أطير في سمائها، أحلق على بيوتها وأزقتها وجسورها وحاناتها. أحن اليها. لو اخترت أن تقترب من البستاني حارس المقبرة وهو يشذب شجيرات الآس سيقول لك: لقد أنقذتك من كابوس المقبرة لكن لا أحد يقدر على انقاذك من متاهات الكتب..ابن النعال. 
هذا نص انطباعي حاولت فيه تسجيل انطباعي عن صورة العمارة منتصف السبعينيات وليس كل ما يأتي فيه يطابق الأسماء والوقائع.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية