جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


أين النزاهة الفنية أيّها الشعراء؟


نوزاد حسن
  في هذه الأيام أفكر كثيراً بسر اهتمام الكثيرين بكتابة الشعر، أبحث عن اسباب هذه الظاهرة الغريبة التي زادت عن حدها الطبيعي. ومن الغريب حقاً أن تجد زميلاً يتحدث عن جمعه لمجموعة شعرية ثالثة دون أن يفكر كيف ستصل الى القرّاء.
وضع ثقافي راكد، ويفتقر الى نزاهة الفنان الحقيقي. ويبدو اننا اخطأنا في الحديث عن النزاهة السياسية، والذمة المالية ولم نفكر يوماً بالنزاهة الفنية وما تعنيه هذه الكلمة.
  النزاهة الفنية كما أفهمها قدرة الشاعر على الكتابة بصورة تلقائية، بحيث أن النص الشعري يكشف لنا طبيعة الحياة التي لا يراها الناس العاديون.
  إن الشاعر النزيه هو الشاعر الذي يقنعنا أن الحياة ليست حوادث منفصلة ولكنها نسيج حي متداخل مرتبط. واذا حاول الشاعر أن يزّور، فهذا يعني انه خان القارئ، وغشه، وكذب عليه.
  كذلك إن النصّ ليس مجموعة من الصور المصطنعة، والاستعارات الملونة التي تتبع الواحدة الاخرى، وتتكدس كأزهار من قماش ملون. ومع ذلك لا يحس أي كاتب للشعر انه يكذب، ويبالغ ويفقد أهم شرط فني وهو النزاهة التي تحافظ على صورة الاشياء كما هي. أما أن يبدأ الشاعر بالعبث العاطفي، وباستخدام لغة استعارية غير منضبطة، فهذا يعني ان ذائقة القارئء مهددة بالانقراض، والسبب هو هذا الشعر البائس الذي يفتخر به حامله وهو لا يعلم أنه يحمل جثة عواطفه.
  لكن لماذا يصر فلان على أنه شاعر لكنه ليس كذلك.؟ أولاً هناك المئات ممن يصرون على انهم شعراء. وينشرون ديواناً أو اثنين متباهين بنعومة ذوقية، وتحليق كان يحلم به ابن فرناس، وخرق لحجاب الواقع كطائرة الفانتوم.
  لا افهم هذا الاصرار إلا على أنه نوع من اثبات الأنا. والشعر أداة لجعل الأنا تظهر. الشاعر قبل الديوان وجود بلا ملامح، الديوان سيثبت له شكلاً وسيخرجه من العدم. قلت هذا مرة، وأزيد على ما قلت، إن الديوان الشعري هو أسهل مجهود يمكن أن يبذله من يكتب الشعر. فالرواية سببت لبورخس عقدة، والدراسات النقدية تتطلب وقتاً وقراءة وحرصاً على الاكتشاف. كل هذا صعب، اما اسهل الطرق فهو تقديم عشرين قصيدة من ثلاجة الشعور، ووضعها في ديوان شعري يخرج شاعره من العدم الى دفء الشمس.
  باختصار أغلب شعرائنا غير نزيهين ويسرقون جمال الوجود ليشوهونه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية