جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الرحلة وإنقاذ العالم في مدني وأهوائي للطفية الدليميّ


عقيل عبد الحسين
يوازي خط سير السرد في الرحلة التقليديّة خط سير الرحالة في الحياة. ولذا يكون السرد وصفيّاً وخارجيّاً، يشدد على وصف الأماكن والبلدان وذكر العادات.
وقلّ أن يتحدث السارد في الرحلة عن هواجسه، أو أثر ما يرى في نفسه. وقل أن يُلبس العالم الخارجي لبوساً ذاتياً. وإذا أردنا استخدام مصطلحات السرد، فستكون الرحلة، في شكلها التقليديّ المعروف، سردا موضوعيّا يكتفي فيه السارد بالمشاهدة، والمتابعة، والوصف، وتقديم العالم للقارئ، والإخبار عنه.
يرى أحد دارسي الرحلة (سعيد جبار، خطاب الرحلة، 2017) أنها ترتبط بمقاصد المؤلف أكثر من ارتباطها بمقاصد التأليف. ويقسم المقاصد إلى نوعين؛ الأول: الإخباريّ، والثاني: التواصليّ. ويظهر الإخباريّ في الحرص على الإخبار عن تجربة الرحالة، ونقلها إلى القارئ. أما التواصليّ فما يتضمنه الإخبار من دلالات بعيدة، تتصل بموقع الذات في السرد، وبموقفها من العالم، وما يحدث فيه، ومن الآخر، ومن صراع القيم والأفكار.
يطغى الإخبار على سرد الرحلة القديمة والتقليديّة، ويتراجع التواصل إلى حدوده التنميطية، ويتراجع دور الكاتب والقارئ؛ فالأول مشغول بالظاهر من المشاهد، وبالعمومي من الأفكار، ولا يقترح أيّ جديد، لا على صعيد الرؤية، ولا على صعيد الموقف من العالم، والثاني محض مُستلِّم، مُقِّر. أما في الرحلة المعاصرة، أو في مدني وأهوائي، للطفية الدليميّ (طبع المؤسسة العربية، 2017. حائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2016-2017)، فالأمر مختلف إلى حد ما.
يبدأ الكتاب بمدخل، للكاتبة، تبيّن فيه طبيعة رحلتها، وموقع الذات والعالم فيها، فتقول: إنها افتتنت منذ صباها بالكتب والخرائط. وإنها كانت تتظاهر بأنها نهر في خارطة، أو هضبة خضراء تكسوها أشجار البلوط، أو شاطئ، أو طائر غرنوق، أو طائر رخ. وإنها كانت تختلق مدنا لا وجود لها إلا في مخيلتها تفيض بالنساء المغويات والعشاق والمتع والسحرة والمشعوذين. وإنها ظلت، على الرغم من نضجها ودخولها عالم الكبار الجاف الخالي من الحلم، متصلة بعالم المدن المختلقة عبر رحلة جوانيّة متمردة على كدر ألم الكبار، تعيش عالماً داخليّاً ثريّاً بالرؤى.
تذكر الكاتبة، إذن، أن عالم رحلتها لا يشبه العالم التقليديّ المعروف في الرحلة، فهو عالم خياليّ، لا تشكل فيه العوالم الحقيقية إلا هياكل عامة وأسماء ومرتكزات إضافيّة لإشادة عوالم جديدة مختلقة، تؤكد قوة بنيان العوالم المتخيلة القائمة في النفس، العائدة إلى أيام الطفولة. وفي ذلك إشارة أوليّة إلى أن سرد الرحلة سيكون ذاتياً، متصلاً بنفس الكاتبة وأحلامها.
تُعزَّز الإشارة تلك، في متن الكتاب الذي يتضمن عدداً من الموضوعات منها: اكتشاف السفر في القطار من بعقوبة إلى بغداد، والفاتنات الدمشقيات، ومن بيروت إلى الإسكندرية، والقاهرة مدائن شتى، ورحلة إلى إيران الإمبراطوية، وبودابست: رابسوديات فرانز ليست وأغاني الغجر ولوحات فازاريلي، والحج إلى كامبرج، ومدريد وبابلو بيكاسو والغورنيكا، ومن ماينز إلى فرانكفورت، وقبرص: جزيرة يراقصها العشاق وظلال الآلهة، وباريس غير التي بها تحلمون، وأحزان اسطنبول، وغيرها.
تحمل العناوين توجه الساردة إلى ناحية محددة من نواحي المدن التي تزورها. إذ هي تتجه إلى ما تريد أن تراه. وتوجه عين البصيرة باصرتها، فتنتج رؤيتها للمدينة والمكان. والمدينة نفسها، التي تصير مدينة سرد لا مدينة واقع، مدينة الذات الساردة الواعية المثقفة القارئة للتاريخ والمدركة بؤس الراهن، فدمشق تقويم منقوش على الحجر، وعلى ذاكرة النساء، ووشم أجسادهن. وطهران مدينة الفيروز وبازارات التحف والتوابل والنساء المقدودات من لهب وزعفران تلقي دثار السلطة على الشمس وتخبئ وهجات العشق تحت الشادور المنقط ووشاح الحرير. وباريس أشبه بالكاروسيل (دوامة الخيول الدوارة في السرك) تدور وتدور بك ثم تباغتك بالنهاية الوشيكة لتهبط إلى الأرض مترنحاً ووحيداً، وفي ثيابك بقايا رعشة، وفي قلبك بقايا غبطة طفولية. واسطنبول مدينة هجينة الهوية يمارس المرء فيها وجوده كما يشتهي وفق هوية إنسانية واحدة، يعزف، أو يعشق، أو يغفو.
العالم كله سبيكة واحدة، تشكلها الذات، متوائمة متناغمة مجردة من أدران العداوة والتباغض؛ فليست طهران واسطنبول، عاصمتي إمبراطوريتين، تسعيان وراء مجدهما الزائل على أرض، مثل أرضنا، أقصى آمالها الاستقرار والأمن، فيكلفنا سعيهما كثيراً. ولكنهما، في عين الرحالة المعاصرة، مدينتا بشر، فيهما ما فيهما من مظاهر الحياة والاحساس. وليست باريس- والغرب عموماً- مدينة الحلم، مقصد الساعين إلى الحرية، والمهاجرين إلى حياة أفضل. إذ الحلم الجماعي حلم مشكوك فيه؛ لأنه يعتمد على تنميطات عقيمة. والحقيقة ما تكشفه الذات الرائية، فباريس مدوخة وبراقة وخادعة. ولذا لا يوثق في سرد الرحلة التقليديّ، ولا وفي أيّ سرد يتقصى ظواهر الأمور، ولا في أيّ سرد يدّعي المعرفة. 
لا تخلو الرحلة من إخبار، ومن نقل معرفة إلى القارئ، أوليست هي في النهاية رحلة؟!، فالإسكندرية بقايا المدينة الهجينة بعد أن غادرها معظم سكانها من الإيطاليين واليونانيين، وتحوّلت إلى عالم تطغى عليه تقاليد الريف. والناس، في بعض المدن، لا يخلون من غش واستغلال للسيّاح. وغير ذلك. ولكنّ الإخبار يظل ثانوياً، ويظل التركيز، في السرد، على الذات ورغبتها في الانفصال عن العالم الخارجيّ الحقيقيّ القائم، الملوث بالانتقام والقتل، المبتلى بوحشية البشر كما تقول الساردة، والمضطرب في قيمه وفي سلوكيات أفراده. ويظل التركيز على رغبة الذات الساردة في الدعوة إلى عالم جديد يكون ملاذاً لها ولأشباهها من القرّاء القليلين الساعين، مثلها، إلى عالم يتضاءل فيه التمييز بين البشر، وتتقلص، أو تختفي، التنميطات التي تغذي العداوة، وتعمي البصر، وتمنعه من الإصغاء إلى تنوع المكان والحياة، وما فيهما من جمال، ومن تمكين قدرة الذات على أن تكون هي هي، منفلتة من أية أفكار مسبقة، أو انتماءات قاتلة، منتميّة إلى الإنسانيّ، وإلى المتجدد، وبذلك تكون الرحلة وسيلة فعّالة في تجريد المكان من حياديته، ومما لحق به من تنميط.
تكون الرحلة في النهاية وسيلة من وسائل حماية الذات من الانسياق إلى الكراهية والعنف، وحماية القارئ من الخراب الذي يسببه له الانتماء إلى السطحيّ والظاهر من الأفكار والأشكال، فالقارئ، الذي يعادل قرينها، أو رجُلها، داخل الكتاب، يقتسم معها، ويخفف عنها، عبء الحياة في العالم الوحشيّ، ويقع عليه، كما عليها، مسؤولية مواجهة الخراب، وتقليص آثاره في الحياة والنفس البشرية عبر الكتابة المنتميّة إلى الإنسان وفرادته في النظر، والتأمل والسرد، وعبر القراءة التي تحسن الإصغاء إلى ما ينطوي عليه السرد من رغبة، مخلصة، في جعل العالم مُحتمَلاً.
ولعلّ هذه النقطة الأخيرة هي ما يبرر اللجوء إلى الرحلة في عصرنا الحالي، الذي يقال أنه عصر الرواية. وهي ما يجعل الرحلة قادرة، في شكلها الجديد، على أن تمتع القارئ، وتزيد إيمانه بجدوى الدور الفردي في مواجهة عالم يزداد شراسة وتضييقاً على الإنسانيّ والجماليّ، إذ الرحلة بتقليلها مساحة الإخبار، تقلل حجم الأذى الذي يسببه انعكاس العالم الخارجي، بما فيه من أوصاف وتوصيفات، في عالم السرد. وبتوسيعها مساحة التواصل، الذي ينشط كلما قلّ الإخبار، وزاد تدخل الذات الساردة وتوسطها بين العالم والقارئ، تزيد دور الذات والسرد في إصلاح العالم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية