جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


أديبات أدمنَّ الكحول نشرب كي نكتب.. وكان علينا أن نشرب كي نعيش


ترجمة: عباس المفرجي
إذا كتبت كتاباً عن الكحول والكُتّاب، كما فعلت أنا، فالسؤال الذي سيُطرَح عليك أكثر من أي سؤال آخر: ماذا عن النساء؟ أهناك أي كاتبات كحوليات؟ وهل قصصهن هي نفسها قصص الرجال،
أم هي مختلفة؟ الجواب على السؤال الأول هو سهل. أجل، بالطبع هناك الكثير، من بينهنّ شخصيات قلِقة، برّاقة أمثال جين رايس، جين ستافورد، مارغريت دورا، باتريشا هايسميث، اليزابيث بيشوب، جين باولز، آن ساكستون، كارسون ماكولرز، دوروثي باركر وشيرلي جاكسون. الكحولية سائدة في الرجال أكثر من النساء (في عام 2013، سجّلت دائرة الناشنال هيلث سرفيس نسبة 9% من الرجال و4% من النساء كانوا مدمني كحول). مع ذلك، ليس ثمة نقص في الشّرِّيبات بين النساء؛ ولا افتقار الى سقوط من الثمالة في عز الظهر وانغماس مفرط مبلل بالعرق يمتد الى أيام. لم تكن الكاتبات في منجى من إغواء الزجاجة، ولا من الوقوع في المشاكل – العراك والاعتقال، الأعمال الطائشة المخزية، التسمّم البطيء للصداقات والعلاقات الأسرية – التي لازمت زملاءهن الذكور. جين رايس دخلت سجن هوليوود لفترة بتهمة الاعتداء؛ اليزابيث بيشوب شربت أكثر من مرّة كولونيا، بعد أن استنفدت خزين حجرة السوائل. لكن هل هناك أسباب للشرب بشكل مختلف؟ وماذا عن ردود أفعال المجتمع، خصوصاً في القرن العشرين المتقلّب، المترنّح سكراً؛ العصر الذهبي اذا جاز القول، للكحول والكاتب؟
في كتابها”العَمَلي”الذي صدر عام 1987، تقول الروائية والسينمائية مارغريت دورا أشياء كثيرة شنيعة حول ما يعني أن تكون امرأة وكاتبة. واحد من أقوالها الملفتة للنظر هو عن الفرق بين الشرب الذكوري والشرب الأنثوي – أو بالأحرى الفرق في كيف يتصوّره الإثنان. ((حين تشرب المرأة،)) تكتب، ((يبدو كما لو أن حيواناً يشرب، أو طفل. الكحولية هي مخزية في المرأة، وكحولي إنثوي هو شيء نادر، مسألة جدّية. إنه طعن في المقدّس من طبيعتنا)) على نحو يُرثى له، تُضيف تقفيلة شخصية: ((أدرك الخزي الذي خلقته حولي)).
طفولة دورا موسومة بالخوف، العنف والعار: تسلسل مشترك تماماً في الحياة المبكرة للمدمن. ولِدت بإسم مارغريت دوناديو (هو إسمها القلمي) في 1914، فيما كانت حينذاك سايغون، من أبوين فرنسيين، كان كلاهما مدرساً. حين كانت في السابعة من العمر، توفي والدها، تاركاً الأسرة في فقر مدقع. إدّخرت والدتها لسنوات لشراء مزرعة، لكنها غُشَّت في السعر، فاشترت أرضاً على البحر غير مأهولة. كانت مارغريت تتعرّض للضرب من والدتها وشقيقها الأكبر. تذكر كيف كانت تصيد الطيور الصغيرة لتطبخها وتأكلها، وتسبح في نهر يعجّ بجثث مخلوقات شتى كانت غرقت في أعلى النهر. في المدرسة، كانت لها علاقة جنسية – كما يبدو بتشجيع من أسرتها لأسباب مالية – مع رجل صيني أكبر منها عمراً بكثير. فيما بعد، في فرنسا، تزوجت، كان لها إبن من شخص آخر، أخرجت فيلماً، وعاشت وكتبت بكثافة موطدة العزم. أصبح شربها أسوأ بمرور السنين، بفترات توقف واستئناف، حتى بلوغها سن 68 عندما شُخِّصَت بالاصابة بالتليّف الكبدي وإجبرت على الجفاف – تجربة رهيبة – في المستشفى الامريكي في باريس.
اليزابيث بيشوب هي خير مثال. الكثير من أعضاء العائلة كانوا كحوليين، بما فيهم والدها، الذي توفي حين كانت طفلة رضيعة. بالاضافة الى ذلك كانت حياة بيشوب مفسَدة بالضياع وعدم الآمان الجسدي الحاضر غالباً في ماضي عوائل المدمنين. حين كانت في الخامسة من العمر أودعت والدتها في مصحة عقلية ولم تريا بعضاً ثانية أبداً. بدلاً من ذلك، توزعت بيشوب بين خالتيها، طفلة قلقة اكتشفت تدريجياً، وهي تلميذة في المدرسة المتحررة سميث كوليج للبنات في ماسوشوستس، الكحول بوصفه مساعد على الشعور براحة أكثر في المناسبات الاجتماعية، ولم يعتقها حتى زمن متأخر جداً، بعد أن أصبح أيضاً مصدراً فعّالاً للخزي، والعزلة.
في قصيدة”سكّير"، تستخدم بيشوب أحداثاً من حياتها الخاصة لخلق بورتريه ساخر لكحولي، شديدة التوق لتفسير عطشهم غير العادي. ((كنت بدأت / أشرب & أشرب – لا أرتوي)) تعترف الراوية، إنه بيت يذكّر بفرانك في قصيدة”أغنية حلم”لجون باريمان: ((كان الجوع في بنيته، / نبيذ، سكائر، شراب، حاجة حاجة حاجة)).
الخزي كان واحداً من الدوافع المركزية في شرب بيشوب: أولاً، الخزي المُذوَّت [’’المضفي عليه صفة ذاتية‘‘] الذي حملته منذ طفولتها، وفيما بعد، الخزي الذي كان يتبع انغماسها المفرط المروّع. ثم، أيضاً، كانت هناك مسألة الهوية الجنسية. سحاقية في فترة كان فيها المثليون الجنسيون محظورين أو غير مقبولين، عثرت بيشوب على حريتها الأعظم في البرازيل، حيث عاشت مع عشيقتها، المعمارية لوتا دي ماسيدو سوريس. قضت هناك معظم سنواتها الهادئة والمثمرة، ولو كانت متخلّلَة بالسكْر، المتبوع على نحو محتوم بالمشاجرات والاعترافات، والانحدار المرعب بالصحة النفسية.
الخزي هو أيضاً عامل في حياة باتريشا هايسميث، التي وُلِدَت بإسم ماري باتريشا بلانغمان عام 1921، وإسم عائلتها هذا كان ذكرى غير مرغوبة للرجل الذي تطلقت والدتها منه قبل 9 أيام من ولادتها. هي نفسها لم يكن مرغوباً بها تماماً. ظلت أمها تشرب التربنتين لأربعة أشهر وهي حامل بها بأمل إجهاضها. ((من المضحك  أن تعشقي رائحة التربنتين، يا بات)) قالت هي فيما بعد. هذه المزحة المقيتة تذكّر بشيفر، الذي اعتاد أبواه أن يسخرا حول محاولة إجهاضه. مثل شيفر، كانت لهايسميث مشاعر معقدة إزاء أمها، ومثل شيفر كان لها احساس متغلغل بكونها مخادعة، فارغة، وبطريقة ما زائفة. بخلاف شيفر، مع ذلك، كانت شجاعة في المواجهة مع رغباتها الجنسية، رغم أنه كان لها احساس أحياناً سار، أحياناً موجع بالانحراف، بالسير على نحو معاكس للمجتمع.
بواسطة مثل توضيحي، تروي يونغ قصة حول الكاتبة التي اعتبرها ترومان كابوتي، ويليام بوروز وغور فيدال من بين العظماء في عصرها: عملاق الحداثة، برغم نتاجها الصغير جداً. بعد إصابتها بجلطة دماغية من أثر الكحول في منتصف العمر، ذهبت جين باولز لمراجعة طبيب أعصاب بريطاني، الذي اخبرها متفضلاً: ((أنت لا تكافحين، عزيزتي مسز باولز. إرجعي الى قدورك ومقلياتك وحاولي أن تكافحي)).
هذا الاستخفاف الشديد بالنساء، هذا القصور عن فهم مواهبهن وحيواتهن الروحية، كان نموذجياً. سيناريوهات متشابهة يمكن أن نقع عليها في حياة تقريباً أي إمرأة في القرن العشرين. خذوا جون ستافورد، التي تُذكر هذه الأيام بكونها زوجة روبرت لوويل لا بكونها حاملة جائزة بوليتزر للقصة أو صاحبة الرواية الضارية، الاستثنائية”أسد الجبل". صدر هذا العمل الأخير عام 1974، عندما كانت تحتضر في الباين وتني، مستشفى عقلي شمالي نيويورك. هناك، كان طبيبها النفسي  أقلّ اهتماماً بفحصها من الاصرار على إنها تتحسن في إعدادها، بملائمة سترتها أو بنطلونها الفضفاض مع بلوزتها أو تنورتها، مع لآلئ للعشاء، مثل، كما قالت ستافورد بتهكم، ((فتاة من سميث كوليج)).
ايللا غراي، ايللا لنغليت، جين رايس، مسز هامر: مهما كان الإسم الذي تسافر به، كانت رايس دائماً على شفا الغرق، دائماً شديدة الاهتياج لإيجاد رجل يحتضنها وينقلها الى عالم ترف، آمن كانت تتوق اليه. غير متعوّدة على الحب، اختارت بشكل سيئ أو ربما كانت مجردة عاثرة الحظ، رجالا هجروها أو كانوا عاجزين بطريقة ما عن توفير نوع من الضمان المالي والعاطفي التي كانت بحاجة اليه. اجهضت طفها، تزوجت، كان لها طفل رضيع توفي وإبنة، ماريفون (التي قضت معظم طفولتها في بلدان مختلفة عن أمها)، تزوجت للمرة الثاني ثم الثالثة، وكانت طوال هذه البلايا دائماً على شفير الإملاق، على الحافة القصوى.
أمسى الكحول سريعاً طريقة للتعامل مع هذه المشاكل وهذا الاضطراب، طريقة لمحو العوامل الأكثر ظلاماً، المالئة مؤقتاً ثقباً أسود لا يطاق من الحاجة، كما تعبّر عنه كاتبة سيرتها كارول آنجيه: ((ماضيها عذبها فكانت مضطرّة أن تكتب عنه، فمن ثم عذّبتها الكتابة: كان عليها أن تشرب كي تكتب، وكان عليها أن تشرب كي تعيش.))
لكن ما تكشَّف عن التشوش والفوضى هو سلسلة من الروايات النيّرة بإعجاز: أعاجيب غريبة، غامضة من الحداثة، حول النساء المبعدات، البلا جذور، الطافيات وسط الديمي- موند [’’عالم المشبوهات‘‘] للندن وباريس. هذه الكتب –”رباعي"،”بعد مغادرة مستر ماكنزي"،”رحلة في الظلام"،”صباح الخير يا منتصف الليل”– تعرض العالم كما يظهر من موقع المطرود. إنها تدور حول الكآبة والوحدة، أجل، لكنها أيضاً حول المال: مال وطبقة وتنفّج وما معنى أن لا تستطيع أن تدبر قوت يومك أو حذاءك يُبلى ولا تعود قادراً على الاحتفاظ بأوهام صغيرة لطيفة، بطرق تتجنب فيها الاخفاق، وتكون مقبولاً في المجتمع. رايس قاسية في تصويرها لعالم يخلو من آمان لامرأة وحيدة ومتقدمة في العمر، مستنزَفة من القبول الوحيد المعوَّل عليه الذي تملك.
في الرواية المزعزعة على نحو استثنائي”صباح الخير يا منتصف الليل”تعرض هي بدقة لماذا امرأة كهذه يمكن أن تتجه الى الشرب، محدِّدة خياراتها في العمل أو الحب. في نفس الوقت، ومثل معاصرها القريب فتزجيرالد، تستخدم الشرب كتقنية للحداثة. كُتِبَت الرواية بضمير المتكلّم المرن على نحو مدهش، المنساب منزلقاً عبْر الأمزجة المتقلبة لساشا. ((شبعت من هذه الشوارع التي تتعرّق وحلاً أصفر بارد، من الناس العدائيين، من البكاء كل ليلة حتى يغلبني النعاس فأنام. شبعت من التفكير، شبعت من التذكّر. الآن وسكي، رام، جن، شيري، فيرماوث، واين بالزجاجات ذوات اللصقات ’دام فيفيموس، فيفيموس...‘ شُرْبٌ، شرب، شرب... ما ان أصحو حتى أبدأ ثانية. عليَّ أن أجبره على النزول أحياناً. ستعتقد أنني أصبت بهذيان ارتعاشي أو بشيء ما)).
أثناء الحرب، اختفت رايس من المشهد العام، لتعيد الظهور عام 1956 بعد أن نشرت البي بي سي اعلاناً للبحث عن معلومات عن الكاتبة التي أُعتُقِدَ أنها ماتت. قضت سنوات الستينات محطمة في لاندبوت بانغالوز في ديفون، تعيش مع زوجها الثالث، ماكس هامر العصبي المزاج، الذي كان دخل السجن بتهمة الاحتيال وكان في ذلك الحين مقعداً أثر جلطة دماغية. في هذه الفترة المغمّة، كانت رايس معذّبة بالحدود القصوى للفقر والكآبة وأيضاً من قبل جيرانها، الذين اعتقدوا أنها ساحرة. أودعت على عجل في مستشفى عقلي بعد أن هاجمت واحد منهم بمقص. استمرّ الشرب لا يهمد، وأسوأ من قبل. مع ذلك، كانت تعمل بغير انقطاع على رواية جديدة،”بحر ساراغوزا الواسع"، وهي رواية بريكول [ الرواية التي تشتمل على أحداث سابقة لأحداث عمل معروف‘] لـ"جين اير"، دانية من طفولتها في الكاريبي، من مشاعرها إزاء كونها لامنتمية، مهجورة في البرد من قبل الانكليز الملغزين، الجليديين.
((لا أحد،)) تكتب دايانا اثيل في كتابها”أبْقِهَا كما هي"، ((من الذين قرأوا الروايات الأربع الأولى لجين رايس يمكنه أن يفترض أنها كانت جيدة جداً في الحياة؛ لكن لا أحد من الذين لم يلتقوها أبداً يمكنه أن يعرف كم كانت هي سيئة فيها)) أصبحت اثيل محررة كتابات رايس في هذا الوقت، مناصرة لها كما فعلت سونيا اورويل وفرانسيس ويندهام، اللتان كانتا حاميتين وحارستين لنهضتها، النجاح الذي جاء متأخراً جداً وبعد شدّة كبيرة لصنع اختلاف حقيقي للعالم الداخلي المخرَّب لرايس.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية