جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


هل تزعجنا قصائد البريكان؟


نوزاد حسن
    هذا السؤال غريب جداً لأنه ببساطة شديدة، سؤال غامض وغير دقيق هكذا يراه الكثيرون كما اظن. لكن هل عبر قارئ قصائد البريكان بصراحة عما يحسّ به وهو يقرأ نماذجه الشعرية القاسية القليلة الاستعارات القصيرة المسافرة في عوالم بعيدة.
وقد تكون أوّل علامة لشعور القارئ بأنه منزعج هو أن قارئ البريكان لا يحس بأنه يقرأ شعراً مألوفاً قرأه في المدرسة أو الجامعة أو سمعه هنا أو هناك. يختلف ايقاع قصائد البريكان عن كل النماذج الشعرية السابقة التي انتقدها هو في معرض الحوار الذي أجراه معه الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف.
  تشبه حالة الانزعاج التي يشعر بها قارئ البريكان هبوط ضغط الانسان عن الحد الطبيعي. ففي شعره توجد مشكلة لا يفهمها القارئ المسكين الذي تربّى على قصائد فخمة تناقش مشاكل اجتماعية وسياسية ووطنية. لكنه حين يستمر في القراءة، فسيحس بأنه وحيد ومنزعج ولا يفهم نوعية القصائد التي كتبها الشاعر. ربما لا تكون القصائد الأولى العامودية منها، وبعض النماذج الشعرية الواقعية مصدر ازعاج له، لكن قصيدة”المرصود”التي كتبها عام 1954 وما بعدها من قصائد بدأت تأخذ منحنى شعورياً صادماً. غاب تماماً ذلك التنظيم العقلي الذي يستخدمه الشعراء الآخرون. وانا اعني بالتنظيم العقلي محاولة الشاعر أن يقنع القارئ بأن هناك أخطاءً تتحدث عنها القصيدة، وعلى القارئ أن يصدق ما يقوله الشاعر. كان البريكان يعتقد أن هناك طرقاً أخرى لجعل القارئ يبصر الظلم والقبح غير الأسلوب العقلي الذي يفضله شعراء كثيرون. لذا فضّل أن يكتب قصائده وهو يواجه الحياة كما هي. ومن هنا لا بد من العودة الى فكرة سابقة اشرت اليها وانا اتحدث عن بورخس,وهي فكرة الوضوح. وقلت أن العقل لا يحب وضوح العالم لأن طبيعة هذا العقل تحب الغموض، وتتفاعل معه. لا يهتم العقل بمنظر حديقة في آذار، ولا ينفعل العقل لمنظر شارع بقدر ما ينفعل من أشياء اخرى، مثل اثبات”أنا”الشاعر والحكم على قضية ما بأنها خاطئة، وبأن الشاعر يلهم الجماهير، وبأنه صوت القبيلة. المشكلة هنا بالتحديد: الكتابة عن صورالحياة التي لا يفهمها عقل الشاعر المزيف. وقد استخدمت مفهوم الشعر التفسيري وأنا اتحدث عن شعر بورخس، وكنت أعني بهذا المفهوم أن الشعر يتطابق مع طبيعة الحياة كما هي، فكأنه يفسرها لكنه لا يفعل هذا الشيء أبداً.
  الوضوح إذاً يعني أن الحياة التي نعيشها لا تحتاج الى ايّ شرح زائد لأنها اوضح من أن تشرح. فما هي الحياة.؟ اقول باختصار إنها كل ما نراه يومياً، وما اصبح ماضياً وما سيأتي. والأهم من كل هذا ما نراه يومياً ونتعامل معه.
  إن قانون الوضوح يعني بكل بساطة أن الحياة غير قابلة لأن يمتلكها أحد لأنها لا تمتلك أبداً. وإذا واجه الانسان الموت بصورة فردية، واذا تعامل معه كأحد أهم عناصر الحياة، فهذا سيكون علامة تطور نفسي نستطيع أن نراه في حياة أيّ انسان.
  لكن لنفصّل الفكرة بشكل أبسط كي نفهم  شعر البريكان فهماً افضل، ولكي نعرف كيف نحدد انزعاج القارئ وهو يقرأ قصائده.
  لقد تجاوز بورخس هذه المشكلة، ايّ مشكلة الموت حين تحدثت عن الاستعارات الأساسية التي تحكمت في حياته، ومن ثم تحكمت بشعره.
  القوانين موجودة، والحياة مصممة ببراعة، وفيها مغريات كثيرة، لكن الانسان- ليس كل انسان- ينغمس في الشعور بوجود الموت انغماساً بلا حدود. هذا يعني أن الحياة ستتحول الى نسيج متداخل حين يكون الشاعر وحيدا في هذا النسيج الإنساني غير المحدود.
  لقد فعل البريكان شيئاً مهما ًجداً انقذ به حياته وشعره وهو: انه واجه الموت دون أي تفسير عقلي لهذه الظاهرة. لذلك لم يستطع أن ينشغل بما انشغل به غيره من الشعراء، وكان يرى انهم يفتقرون الى التجارب الداخلية. وما كان يعنيه بهذا الكلام، هو قدرة أولئك الشعراء على اخضاع الحياة للعقل، وتفسيرها تفسيراً عقلياً مهدئاً ثم يكتبون عن الحياة من خلال غطاء العقل السميك. لذا يتمزق الواقع الذي يعيشونه تمزقاً واضحاً. وتفقد الحياة أهم صفاتها وهي انها واضحة غير قابلة لأن تضاف الى ملكية أحد. وإنها تنطفئ شيئاً فشيئاً.
  الوضوح يعني ايقاف عمل العقل، واطفاء عملية الاستنتاج التي يقوم بها دون توقف. وبعد قراءة قصيدة واضحة تنبع من نسيج الحياة نفسه يشعر القارئ انه لم يفهم شيئاً محدداً لكنه أحسّ بشيء ما يثيره. ويجعله يفكر بنوعية الرسالة التي أراد البريكان إيصالها لنا.؟
  الحالة نفسها ستتكرر حين يقرأ الإنسان كتابات علي الوردي وعلى الأخص كتابه”مهزلة العقل البشري”الذي شنّ فيه هجومه على عقل الانسان الذي عده منبعاً للتعصب والكراهية. ومن المؤسف أن يظل الوردي مثقفاً لم يدرس ضمن منهج واقعي يتلائم مع حياتنا وتاريخنا. ولو أني وصفت كتابات الوردي بشظايا مرآة كبيرة تحطمت دون أن يحاول أحد جمعها وتقديمها من جديد، فلن ابالغ في كلامي لأن كل ما قيل عن الوردي كان عبارة عن تحطيم لشظايا مرآته اكثر مما هي محطمة. ولم تكتب دراسة تعيد للرجل مكانته وعمقه الفكري المفقود. وهذا يعني اننا لا نستطيع الخروج من سجن عقولنا المجهزة بأفكار متوارثة سطحية صارت قيوداً على شعورنا وحياتنا.
  لدينا ما كتبه البريكان، وما كتبه الوردي، نصوص شعرية، وكتابات في علم الاجتماع. وفي الحالتين سيكون القارئ حائراً امام قصائد تنسف العقل لأنها قصائد واضحة وتشبه الحياة. وكتابات تهاجم العقل وتستخف به. وهذا ما لا يستطيع قارئ حتى لو كان جيد الثقافة أن يفهمه بسبب أن العقل أهم أداة يملكها قارئ بغدادي. وبدونه سيكون مجنوناً. وعلى هذا الأساس سيحاجج أي مثقف علي الوردي أو البريكان انهما يريدان تخريب نظام الاشياء لأن العقل هو من يعطينا القدرة على الفهم، والتحليل والحكم.
  لكن مشكلة القارئ مع هذه النصوص لا تنتهي الا عند تغيير طريقة شعوره بالعالم والحياة تغييراً جذرياً. وهذا ليس شيئاً سهلاً. لذلك حاول البريكان أن يقوم بهذه المهمة الجمالية الرائعة. لقد أراد الشاعر الكبير أن يحطم القناعات الثابتة التي بناها العقل، فاقتنع بها الانسان اقتناعاً كبيراً. وآمن أن كثيراً من الافكار يمكن أن تبدو هزيلة إذا غيّرنا من طريقة احساسنا بالأشياء التي نراها كل يوم. وهذه كما اعتقد اكبر مغامرة خاضها شاعر في تاريخ الأدب العربي برمته، وقد استثني من ذلك تجربة أبي العلاء المعري، لكن ما فعله البريكان كان محاولة معاصرة وتجديدية تهدف الى اعادة الاعتبار الى الانسان الفرد الذي يخوض عملية تدمير القناعات الجاهزة المكررة الفارغة من المعنى.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية