جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


ت.س. إليوت المختلف


ترجمة: نجاح الجبيلي

في أغلب فترات القرن العشرين فإن بيانات ت س إليوت عن الأدب والثقافة تمتلك القوة كأنها أمر ملكي. كتب:"في القرن السابع عشر بدأ انفصال للحساسية لم نسترد العافية منه". من الأرجح أنه لم يحدث مثل هذا الانفصال بين الفكر والشعور، لكن المؤرخين الوقورين حللوه كأنه كان حقيقياً مثل الثورة الصناعية. كتب إليوت:”الشعر ليس تراخياً حاسماً في العاطفة. لكنه هروب من العاطفة؛ إنه ليس تعبيرا عن الشخصية بل هروب منها". عمل جيلان من النقاد على دعوته بإبعاد الشعراء الاتباعيين مثل شيللي الذي قيّمه إليوت بشكل غير كاف كونه مجهولاً.
يستمد نثر إليوت سلطته الوقورة والشديدة من كثافة وقوة شعره. قصيدتاه الطويلتان”الأرض اليباب"- 1922 و"رباعيات أربع"- 1943، مثل الكثير من القصائد الأقصر منها، أثارت رؤية مركبة للفوضى العامة والخاصة: الفشل العاطفي والشبقي للأفراد والقلق الاجتماعي المشوش الناتج عن تخلخل القيم لأوربا المعاصرة، الأفراد والمجتمعات المتعطشة للمياه المانحة للحياة كلاهما ينتظران لوصايا التحول، التي هي في”الأرض اليباب:”ما قاله الرعد". إذ  لا أحد من الكتاب المعاصرين له السلطة لتصوير كوارث العالمين الداخلي والخارجي بشكل متزامن وببؤرة حادة. 
حين مات إليوت فإن أكثر سلطته ماتت معه. اتفق الرأي الأكاديمي والصحفي على أنه تمنى لو أنّ الفوضى العامة يمكن أن تحل بوساطة فرض نوع من النظام الذي يفضله المستبدون؛ أي كونه بروتستانتيا أنكلوساكسونيا أبيض من عائلة قديمة من”نيوأنجلند”شعر بأنه أرفع منزلة من اليهود وبقية الغرباء بالنسبة للثقافة الراقية التي جسدها؛ وأنه حمل مواقف مبغضة نحو النساء والجنس. المقللون من شأنه كتبوا كتباً كاملة وهم يضعون الدليل ضده بينما المدافعون عنه أجابوا بالكتب التي أنكرت الدليل أو أوضحته. 
إن كتاب”إليوت الشاب”لروبرت كراوفورد، المجلد الأول من سيرة بجزئين، وكتاب”قصائد ت س إليوت"، المحررة والذي يحتوي على حواش ضخمة من قبل”كرستوفر ريكس”و"جيم مكيو”يجعلان من الممكن النظر بشكل أعمق في الحياة الداخلية لإليوت ووصف نظامه وتعقيداته بطرق جديدة والاعتراف بأن المقللين من شأنه أو المدافعين عنه كانوا يستجيبون إلى المواقف التي شجبها إليوت بنفسه وللأفكار التي كانت تعبر عنها قصائده بشكل متزامن وتوبخها.

السنوات الستة عشر الأولى من حياة إليوت من ولادته في سانت لويس عام 1888 حتى السنة التي دخل فيها أكاديمية ميلتون قرب بوسطن قبل الدخول إلى هارفرد غير موثقة بشكل كامل تقريباً. كل ما تبقى رسالتان وبضعة أعداد من مجلة للعائلة مكتوبة باليد بدأها حين كان في الحادية عشرة من عمره. إن هذه السيرة”إليوت الشاب”هي أكثر إقناعاً من سابقاتها وتملأ الفراغات، وهي توضح الكتب والأحداث من طفولة إليوت التي حولها فيما بعد إلى الشعر. إن إعصار سانت لويس الكارثي عام 1896 مثلاً منحه مجازاً قيامياً يبشر بما جاء في قصيدة”الأرض اليباب”“عصفة رطبة/ جالبة للمطر".(الموت بالماء).
العبارات الباقية في القصيدة لها جذور في قراءة إليوت في مدرسته الإعدادية:”كفن النهر”لجيمس رسل لويل يصبح”خيمة النهر”لإليوت. حصل إليوت على مكانته في المراهقة بسبب تعليمه الواسع من مختلف الاقتباسات في”الأرض اليباب". يلاحظ كراوفورد بأن العديد من هذه كانت يجري تذكرها من واحد من نصوصه المنهجية المطلوبة  في المدرسة، وهي الأنطولوجيا التي ألفتها فرانسيس بالغراف بعنوان”الكنز الذهبي". 
صوت في قصيدة”الأرض اليباب”يحيي أحد الأشخاص في شارع لندن كونه”ستيتسون”وكأنه يعرفه بقبعته. يعلن كرافورد بأن أم إليوت كانت تنتمي إلى نادي للسيدات تديره السيدة”ستيتسون". طبع إليوت قصيدة تحت اسم مجهول”جس كروتزتش وهو الأسم الذي يظهر في المسودة الأولى لقصيدة”الأرض اليباب"؛ أحد زملاء إليوت في المدرسة بسانت لويس كان يسمى”أوغست ر. كروتزش".
يتحرى كراوفورد تناقض إليوت نحو عائلته المميزة الأنكلو- أميركية التي أنتجت أيضاً الرئيس تشارلس إليوت من هارفرد الذي ظلّ يحثه على تسلم مركز أكاديمي هناك. كان إليوت فخوراً بعاداته وطبقته لكنه شعر بالغربة عن طاعة والديه الجادة في القرن التاسع عشر. كان يصيبه الحنين إلى أصوله الإنكليزية؛ لاحظ بعض القراء أن”انفصال الحسّ”تطابق مع استئصال أسلاف إليوت الطوعي من إنكلترا إلى أميركا. لكنه شعر أيضاً بنوستالجيا طويلة الأمد تبدأ مع القصص التي كتبها حول العمال الجوالين في مجلة عائلته، وفيما بعد افتتانه المروع جزئياً بالعالم العنيف للملاكمين الإيرلنديين الساكنين بوسطن وأصحاب الحانات في قصائده عن”سويني”وبيئة الشباب الأقوياء لمسرحيته غير الكاملة”سويني أغونيستس”
يعلن كرافورد بأن إليوت كان راقصاً رشيقاً وبحاراُ خبيراً، لكنه كان خجلاً حول أذنيه الناتئتين والفتق الفطري الذي تطلب منه أن يرتدي حزاماً. سأل نفسه في قصيدة”أربعاء الرماد"- 1930”لماذا يتطلب من النسر المعمر أن يمد جناحيه؟”(كان حينها في الأربعين.). أطفال صديق له أطلقوا عليه لقب”النسر”بسبب كبر أنفه". كان شِعره يميل إلى تصوير الجسد البشري كأجزاء منفصلة وليس ككل. من قصيدة”مقدمات”:”كل الأيادي"؛”نعل الأقدام الصفر"؛”الأصابع المربعة القصيرة"؛”العينان/ أكدتا على يقينات محددة".   
من قصيدة”أغنية حب ج. ألفريد بروفروك”"العينان اللتان ثبتتاك في عبارة مصاغة"؛”الذراعان  مسورتان وبيضاوان وعاريتان". من”الأرض اليباب":”اليدان المتفحصتان لا تواجهان دفاعاً"؛”قدماي في”مورغيت”وقلبي/ تحت قدمي". حتى صورته عن اللاوعي البدائي في”بروفروك"-”يجب أن أكون زوجاً من المخالب المسننة/ يعدو عبر قيعان البحار الصامتة"- هي استدعاء لأجزاء الجسد لا شيء بأكمله مثل شجرة الكستناء لـ(و. ب. ييتس) التي لن تنقسم إلى”الورقة والزهرة أو الجذع". وفي قصيدة”الأرض اليباب”كانت صورته عن الرغبة في الإشباع الشبقي هي كولاج آخر من أجزاء الجسم:”قلبك سوف يستجيب / غيلي، حين يُدعى، ينهزم طائعاً للأيدي المسيطرة".
يخفي إليوت الشاب قلقه الجسدي مع الحماسة الفاحشة لأشعاره الهزلية (أو الهزلية المقبلة) حول”الملك بولو”وملكته التي أرسلها أولاً إلى أصدقائه الرجوليين في الكلية وفيما بعد إلى خبراء  معالجة الموضوعات الداعرة في الأدب مثل عزرا باوند. يكتب كرافورد بشكل موقر عن شعر إليوت والنثر النقدي؛ لكنه يضيف تعليقات نقدية بعيدة متى ما اكتشف”تلميحاً إلى كره النساء أو خوف المثليين”كأنه يعيد التأكيد للقراء الميالين إلى النقد بأنه يشارك حسهم بالإلحاح الأخلاقي بتوبيخ الموتى.   
في هارفرد تسكع إليوت في أثناء سنته الأولى ووضع في امتحان أكاديمي صارم وأصبح جاداً حول فصوله الدراسية حين بدأ دراسة الفلسفة واللغة القديمتين والحديثتين. بعد فترة وجيزة قبل أن يتخرج كتب قصيدة من مقطعين شعريين”صمت”لم تنشر، حول تجربة”من أجلها انتظرنا”تلك التي تكتسح وعيه بكل شيء. يقول المقطع الشعري الثاني:
هذه ساعة قصوى
حين يجري تبرير الحياة.
بحار التجربة
التي كانت واسعة وعميقة،
فورية ومنحدرة جداً
وفجأة تسكن.
ربما تقول من ستكون أنت
في مثل هذا السلام أنا مرّوع
لا يوجد شيء آخر مجاور.
يوحي كرافورد بأن هذا كان قد حفزه استشفاء إليوت الحالي من الحمى القرمزية ويصفها كمجرد قصيدة”تسجل الانزعاج العاطفي”حول شيء مخيف. لكن القصيدة تصف لحظة من الرهبة الدينية، رؤية مروعة عن السلام الذي يتجاوز الفهم. استدعاه إليوت في لحظات التركيز الرؤيوي في قصيدتي”الأرض اليباب”و"رباعيات أربع":
عينايّ ضعفتا فلم أكن
حياً أو ميتاً، ولم أعرف شيئاً،
محدقاً في قلب النور، الصمت.
ووردة اللوتس، بهدوء، بهدوء،
السطح يلمع من قلب النور.
يرسم و هـ أودن الاستدلالات من الشعر وأخبر أصدقاءه بأن إليوت لديه رؤى صوفية لم يتكلم عنها أبداً. (و. ب. ييتس لم يمتلك واحدة أضاف أودن لكن تكلم عنها الوقت كله). بين سنتي 1911-1914 حين كان إليوت طالباً يدرس الفلسفة في هارفرد ويقرأ بوذا والكتب الهندوسية ركز بصورة متزايدة على الأديان الأكثر رؤيوية وطلب من والديه من طائفة الموحدين إبداء التزام أكثر بالحقيقة التي كانت غيبية ومطلقة.
  يسجل كرافورد بتعاطف شديد حب إليوت الفاشل لمعاصرته”إيملي هال”من بوسطن”ذكية، حساسة، تربية صارمة ومناسبة على نحو واق. كان إليوت محطماً حين أبدى أحاسيسه بشكل واضح، لكنها لم تمنحه أي إمكانية بالأمل- على الرغم في الحقيقة بأنها كانت واقعة في غرامه بشكل سري، وبقيت على ذلك طوال حياتها. يبدو إليوت موجهاً لها أيضاً بصورة سرية في أبيات من قصيدة”الأرض اليباب”التي استدعت استسلامه الداخلي لها:”صديقتي، حركتِ قلبي بالدم/ الجرأة المخيفة لاستسلام اللحظة...”الملاحظات في كتاب”قصائد تي أس إليوت”الجديد تسجل تصحيح إليوت للترجمة الفرنسية من”صديقي...”إلى”صديقتي....”مع خطين على تأنيث حرف”e”
في جامعة هارفرد. وفي عام 1915 وفي حالة من اليأس الإيروتيكي، ومن الظاهر من كونه ما يزال أعزب، فإنه تزوج بشكل متهور من”فيفيان هايوود”العصبية العابثة وانحدر نحو الزواج التعس المربك”الأخرق جنسياً”(كما يعلن كراوفورد) لكلاهما، هزته بصورة مطردة الأزمة الطبية والسايكولوجية. يبدو إليوت يعاني من العجز الجنسي المتكرر؛ كانت لدى فيفيان علاقة ببرتراند رسل. تجمعت الأزمات على إليوت إلى أن أنهار عقلياً في عام 1921”داخلاً الدوامة”في عبارة”الأرض اليباب"- يتبعه الحس النبيه المنجز جزئياً للتجديد والشفاء. سأل قرب انتهاء قصيدة”الأرض اليباب”“هل أرتب أراضيّ في الأقل؟”قضى إليوت العقود القليلة القادمة – في قصيدته”رباعيات أربع”و كتابه”فكرة مجتمع مسيحي"-1939 و"ملاحظات نحو تعريف الثقافة"- 1948 محاولاً تصور ماذا يمكن لهذا النظام أن يكون.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية