جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انباء


بين السحر والعاطفة


لقد تكررت زيارتي لمعرضه ثلاث مرات، وفِي كل مرة كنت أُسابقُ خطواتي للدخول الى عالمه المملوء بالسحر والعجائب والحكايات الغامضة، يضاف الى ذلك تقنيته العالية وألوانه وزوايا الرسم المثيرة التي يختارها لرسم لوحاته،
وكذلك أزياء نسائه التي انتقاها بدراية وعناية نادرة. انه الفنان البريطاني جون ووترهاوس، والمعرض الذي اتحدث عنه هو معرضه الذي استضافه متحف خروننغن في شمال هولندا قبل بضع سنوات، والذي يبعد عن مرسمي مسافة نصف ساعة بالسيارة. ورغم عظمة لوحاته التي تعدت المئة وقتها، إلّا أن لوحة واحدة علقت بذهني وأصبحت عنواناً لكل المعرض، انها لوحة (سيدةُ شالوت) التي اعتبرها اعظم وأجمل لوحات ووترهاوس. مضى الوقت بسرعة، وذهب المعرض بعيداً، لكن هذه اللوحة بقيت تشغل خيالي، الى أن وجدت نفسي قبل أيام أقف أمامها من جديد في متحف التيت غاليري بمدينة لندن! ابتسمتُ ورفعتُ رأسي قليلاً بإتجاهها، وقلتُ في قرارة نفسي: ما أجمل أن اراكِ من جديد ياسيدتي الغامضة! ثم أخذتُ مكاني على الأريكة المقابلة لها وجلست أتأمل التفاصيل ونسيت مؤقتاً كل ما يحيطني من لوحات أخرى.
رسم ووترهاوس هذه اللوحة بتأثير من قصيدة الشاعر (الفريد تينيسون)، التي تحمل نفس الأسم، وتتحدث عن امرأة تعيش وحيدة في برج على جزيرة شالوت، وتقضي كل وقتها في حياكة السجاد والتطريز، وكان محظوراً عليها النظر من خلال النافذة أو التواصل مع العالم الخارجي، كي لا تصيبها اللعنة وتموت. في هذه العزلة الشبيهة بالسجن لا يسمح لها بالنظر الى اي شيء في الخارج إلّا من خلال مرآتها، وهكذا بقيت في عزلتها وعالمها المغلق حتى مرَّ الفارس لانسلوت بالقرب من البرج وهو يردد أغنية وصلت كلماتها اليها، فأضاعت قلبها وتعلقت به بعد أن رأت انعكاس صورته في المرآة. فتركت نول الغزل وهرعت مسرعة نحو النافذة لتطل عليه، فتصدعت مرآتها ثم تحطمت، فعرفت في الحال، أن اللعنة سوف تحل عليها، وإن موتها قادم لا محالة. وهكذا تركت البرج وهي تستجيب لنداء غريب يسحبها نحو مدينة كاميلوت، لتجلس في مركبٍ بغية الخلاص من مصيرها ونهايتها، وهي لا تعرف ان الموت ينتظرها وسط البحر، لتصل الى كاميلوت ميتة. وفي هذه اللوحة صوَّرَها ووترهاوس قبل انطلاقها بالمركب بلحظات، ليقدم لنا واحدة من أجمل الأعمال في تاريخ الفن، وهي نموذج مدهش يعكس أيضاً ملامح الفترة الفكتورية التي هيمنت فيها موضوعات الحب الطاهر المحكوم بتضحيات كبيرة، سواء في الاعمال الأدبية أو الرسم وحتى الموضوعات الدرامية. كذلك يعبر موضوع هذه اللوحة تعبيراً رائعاً عن ملامح مدرسة ماقبل الروفائيلية.
حين نتأمل تفاصيل اللوحة نشعر بالمأساة ونتحسس الفاجعة التي نراها تتحرك علـى قماشة الرسم. فرأس المرأة المرفوع ووجهها الشاحب ونظرتها الشاردة هي إشارات للموت الذي يقترب منها. وكذلك الشموع الثلاث (غير موجودة في القصيدة، وقد أضافها الرسام لأعطاء بعد درامي للعمل) حيث بقيت شمعة واحدة فقط مشتعلة، كإشارة لِتَبَقّي وقت قصير من عمرها. ثم هناك التمثال الصغير بجانب الشموع، والذي يمثل شخصاً مصلوباً يواجه السماء وفيه ايضاً إشارة لموت قادم. كذلك نلاحظ أوراق الأشجار الطافية على سطح الماء، والتي ترمز في العصر الفكتوري الى نهاية الحياة والانقياد للمصير المحتوم ( كما في لوحة غرق أوفيليا التي رسمها العبقري ميليه). وبالنسبة الى الرسم المطرز على القماش الملقى على حافة المركب، فهو يمثل الفارس لانسلوت على حصانه كما شاهدته هذه المرأة في مرآتها. والسلسلة التي تتدلى من يدها اليمنى، والمربوطة على اليابسة، هي الشيء الاخير الذي يربطها بالجزيرة، وبعد أن تُرخي يدها وتترك هذه السلسلة تلامس الماء، ينطلق بها المركب نحو الموت. هذه اللوحة هي درس كبير ومثال مدهش للفن الذي ينقلنا الى عوالم من الدهشة والسحر والغموض، لنعيش مع هذه المرأة عزلتها، ونرى نهايتها وهي تنطلق نحو مصير لا يمكن ايقافه او التحرر منه. إضافة الى كل ذلك فالعمل هو قطعة فريدة وكنز من كنوز الرسم على مَرِّ العصور، من حيث التقنية والتكوين والمناخ وتوزيع المفردات والرموز. وقد رسم ووترهاوس فيما بعد لوحتين لنفس الموضوع لكن في لحظات وزوايا أخرى من الحكاية. واحدة منها تمثل المرأة وهي امام نول الحياكة وتعكس مرآتها مشهد بعيد لعاشقين، واللوحة الاخرى تمثل المرأة لحظة هرعها الى النافذة لتلقي نظرة على الفارس لانسلوت.
دَرَسَ ووترهاوس الرسم في الأكاديمية الملكية بلندن. بعدها بسنوات أختير أستاذاً في الأكاديمية ذاتها، بعد ان قَدَّمَ لوحته العظيمة ( يولاليا المقدسة). وفي سنة ١٨٨٦ زار معرض الفنان جون ميليه فتأثر بمناخات ماقبل الروفائيلية التي مزجها مع تأثيرات المدرسة الطبيعية الفرنسية وخاصة أعمال الفنان يوليس باستيان ليباج، لينتج اعمالاً وضعته في مصاف الأساتذة الكبار. انشغل ووترهاوس بالموضوعات الأسطورية والخرافية، وقد حقق في وقته شهرة واسعة ومكانة مهمة، ونالت اعماله شعبية كبيرة، وبالأخص نسائه العاريات وحوريات البحر الساحرات. وفِي سنواته الاخيرة استوحى في لوحاته العديد من القصص العاطفية القديمة، وكذلك رسم لوحات كثيرة مستلهمة من اعمال شكسبير.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية