جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


حارس البوابة مذكرات صبي في دير راهبات الكرمليت


بغداد/ تاتو
أهم الباحثين في  النظرية الأدبية، وأكثر المعاصرين في بريطانيا، واستاذ الأدب الانكليزي في  جامعة لانسيستر، يروي ذكرياته حارساً لبوابة الدير وخادماً للمذبح وهو صبي  في العاشرة من عمره.
انه تيري إيغلتن في كتاب بعنوان (حارس البوابة)  والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة أسامة منزلجي. مبيناً أن ذلك  الدير كان عبارة عن بناء منخفض آيل للسقوط، سقفه فيه من الحديد المموج أكثر مما في برج على الطراز الغوطي. وهو مقام بين اسوار عالية مدججة بكسارة الزجاج الرادعة لمختلسي النظر ومطاردي الراهبات والملحدين الساخطين. وهذه الاسوار انشئت ايضاً لحجز المقيمات داخله، لأنه دير راهبات الكرمليت الحبيسات اللائي ما أن تصفق البوابة خلفهن لا يرين احداً غير زميلاتهن من الراهبات وبضعة كهنة وصبية المذبح حتى آخر حياتهن. ويقول: كان يتوجب عليّ ان احضر حين تضع احدى المبدئات في نحو التاسعة عشرة من عمرها الخمار وتختفي داخل المكان الى الأبد، بعد أن تكون قد ارتدت ثيات عروس كرمز لزواجها من المسيح، وقد قص شعرها قصيراً تحت الخمار الأبيض المخرم.. ثم تقودها زميلاتها من الراهبات الى مكان تعود منه وهي ترتدي خماراً اسود وثوباً من قماش خشن بني اللون خاص بطائفة الكرمليت. كان عملي في مثل تلك المناسبات أن أواكب والديّ الشابة الى الردهة لمقابلة ابنتهما للمرة الأخيرة، فيركعان بحياء على الجانب المدنس من المصبعة بدافع التقوى من ناحية ولأنه لا يوجد ما يجلسان عليه من ناحية أخرى، في حين تركع ابنتهما المتزوجة حديثاً وهي تبتسم على الجانب المقدس وقد رفعت خمارها الى الخلف. منوهاً أن الكاثوليكية في المقام الأول تبدو مسألة ركوع.. موقع الدير على مشارف ما نشستر جعله يبدو أشد غرابة كما لو أن المرء يصادف قلعة حقيقية محاطة بخندق وسط ممفيس، وفيه ادراج تنزلق من دون احداث أيّ صوت الى الداخل حين تسحب من خلف احد الجدران، وأقراص دوارة في غرفة المقدسات تدور بصورة مخفية من دون أيّ وساطة انسانية ظاهرة، وعيون العذارى السجينات تراقبك من خلال ستار لا ترى إلا من وجهة واحدة. ومن خلال ذلك يذكر أن أباه يقوم احياناً بأعمال غربية في الدير مما يدلل على انه يمارس مهمة دينية أو ادارية لم يوضح إيغلتن شيئاً عنه سوى انه في احدى المرات اندفع الى داخل الحرم اثناء أداء القداس فانقلبت احدى الشمعات واندلعت النار في مفرش المذبح، وعلى مدى بضع لحظات درامية كان بشكل كامل على مرأى من الأخوات وهن وراء ستارهن. ولم يكن يعتبرن الكهنة رجالاً وبعض خدم المذح المتقدمين ايضاً لم يكونوا يعتبرون انفسهم من الرجال على الأقل بالمعنى غير الأصيل للكلمة.. وكانت حياة الصبايا تبدو اقسى من حياة خادمة منزل من العصر الفيكتوري، فقد كن صغيرات حين وقعن للتضحية بالكثير، والأمر لا يشبه هجرهن اصدقاؤهن من نجوم الروك أو مهن رائعة، معظمن كن سيعرفن القليل من الراحة في المنزل كغالبية الكاثوليك الانكليز، ولعل أروقة المكان كانت تعج بالشبق والنكد، وتضج ببقايا حفلات العربدة السحاقية وتفسد بعفن الطموحات الشائكة، ومن الصعب أن تنظم عملية هروب جماعية من سجن الدير، فالمراهقات الورعات لم يضعن الخمار لأنهن يبغضن العالم ويتجنبن الجسد وانما كن اصغر سناً بالنسبة الى مثل تلك الاشياء في المقام الأول، والعالم الذي تخلين عنه كن في الغالب يتعلقن به، فهو مكان الأبوين والأقارب وليس الجشع والاستغلال، ولا يمكن سوى دافع غامض قادهن الى هذه الحياة الخالية من الفرح والقاسية كحياة عامل في منجم للذهب، وجامدة كحياة محصل ديون. وهن يستيقظن مرات عديدة اثناء الليل، ويأكلن كالطيور ولا يحتفظن بأية ممتلكات شخصية، ويحتجن الى ما يكفي من القدرة على التحمل لقضاء ما تبقى من حياتهن محجوزات مع حفنة من مثيلاتهن من المعتوهات ضمن الجدران الكئيبة نفسها. غالبيتهن يقفن ربما في منتصف المسافة بين الشهيد الذي يتخلى بكل حرية عن حياة غريزة، والمنتحر الذي يتخلص من وجود اصبح معدوم القيمة. والانتحار ايضاً مسألة شخصية بينما الشهادة هي نوع من تحويل الموت الى قضية اجتماعية.. وبعد ذلك ببضع سنوات لعل غالبيتهن تخطين الأسوار، وصرن عاملات في الشؤون الاجتماعية او مديرات أعمال. ولما كن مؤمنات بمناهضة الروح النخبوية التي تنادي بالمساواة بين البشر انتهى بهن الأمر الى العطالة كبروفيسورات الستينيات من الراديكاليين الذين كانوا لابد لهم من الجلوس في المقاعد الأخيرة داخل صفوفهم الدراسية وثكناتهم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية