جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


رحلة قوة الأنثى تبدأ عند لحظة قص شعرها الطويل


زينب المشاط
“منذ حلقت شعري ولم أعد اتخفى  خوفاً من أن يتعرف إليّ أحد، قبل ايام كنت في المتجر لشراء بعض الاشياء وحين  صادفت زميلة لي في عملي السابق نظرت إلى عيني بعمق إلا انها لم تتعرف إليّ،
يبدو أن شعري ليس هو الوحيد الذي تغير بل هناك ما هو أكثر من ذلك.”إيڤي”بطلة فيلم V for Vendetta والتي كانت تجسد دورها ناتالي بورتمان لفتت انتباهي بجملتها تلك التي وجهتها لــ”ڤي”ذلك الرجل الذي يختفي خلف قناعه المبتسم ظاهراً، والمتفجر غيضاً في عمقه، كنت اتابع الفيلم اثناء جلوسي في مركز التجميل بانتظار دوري للحصول على قصة شعر تناسبني، حيث كانت محطة التلفاز قد توقفت عند قناة الـ mbc2...
“آه حلق شعرها بأكمله ليقتل فيها المرأة الخائفة، هذا الرجل قاسِ.”جاءت الصرخة من أحد الكراسي المقابلة لي، والتي كان يقف عندها مصفف الشعر الشاب الذي احترت في تصنيف جنسه؟!، يبدو أني لم اكن بمفردي من يتابع الفيلم، السيدة التي تجلس بجواري والتي تبدو اربعينية العمر اجابته وقد اشعلت سيكارتها بنوعٍ من التكلف لتبدو أكثر رُقّياً مما هي عليه في الواقع، وقالت”حين تختار المرأة قصة قصيرة لشعرها هذا يعني انها اعلنت ثورتها وتمردها على كل ما يحيطها، فكيف بهذه المسكينة التي لم تختر ذلك، بل أن هنالك رجلاً قد تسبب بحلق شعرها بأكمله، من المؤكد أن هنالك شيئاً يسكن عمقها سيتغير، فهنالك من قال (أن رحلة قوة الانثى تبدأ عند لحظة قص شعرها الطويل) فكيف سيكون الأمر عند حلاقته تماماً".
مصفف الشعر أجاب السيدة قائلاً”نعم هو قام بحلق شعرها وتعذيبها من أجل القضاء على خوفها تماماً، فهي فتاة لا تمتلك الشجاعة للوقوف بوجه السلطات الجائرة التي تسببت بقتل ابويها في يومٍ ما، هذا ملخص لحكاية الفيلم يا سيدتي فأنتِ لم تتابعينه منذ البداية".
“هممممم، يُمكن لمشهد حلق الشعر أن يكون حكاية لوحدها يا عزيزي، فشعر المرأة له علاقة وثيقة بشخصيتها ويبدو أن”جيمس ماك تيج”مخرج هذا العمل، كان ذكياً بما يكفي في استخدام الترميزات في هذا الفيلم، فكما استخدم القناع  كترميزة ليخبرنا من خلالها أن هذا الشخص الباحث عن الحرية يسكن في كل فرد منا وإن كان باللاوعي، استخدم أيضاً فقرة حلق رأس البطلة رغم إنه كان بإمكانه ان يكتفي بتعذيبها فقط لتغيير شخصيتها، ولكن التفاتة حلق الشعر لفتاة هي ترميزة مهمة لتولد من جديد كإمرأة اكثر نضجاً وتمرداً، رُغم ان البعض يراه مسألة مُكملة وعابرة إلا أنه في الواقع اعمق من هذا بكثير.”نفخت السيدة دخاناً كثيفاً في الهواء بغواية ورُقيّ ممتزجين معاً وقالت”حتى تصفيفة الشعر  قادرة على عكس شخصية تلك الأنثى أو هذه، لهذا نرى أن سليلات العوائل الملكية غالباً ما يصففن شعرهن ويرفعنه إلى الخلف، ولم نرى يوماً ملكة تترك شعرها سائباً كالغجر.”السيدة الجالسة بجانبي استرسلت بحديثها بصوتٍ مرتفع لتُسمع الجالسات في مركز التجميل بأنها سيدة ذات معرفة ودراية بالكثير، ويبدو أنها نجحت باستفزاز إحدى الجالسات على كراسي تصفيف الشعر والتي استدارت لها نصف استدارة لتخبرها قائلة”لكن المرأة ذات الشعر الطويل السائب مغرية وجميلة والدليل أن اغلب الرجال يروقهم ذلك".
“الرجال غالباً ما يهتمون بغرائزهم ورغباتهم، لهذا نجدهم يتزوجون الأميرة، ويميلون سراً  إلى الغجرية المعتوهة.”كان ردّ السيدة اشبه بقنبلة قذفتها إلى جبهة الشابة الجالسة على كرسي تصفيف الشعر عند المرآة، ثم اضافت السيدة”الرجال مأخوذون بمظاهر الغجريات فقط لإشباع الغرائز فشكل المرأة  ذات الشعر الطويل السائب، والتي تضع الكثير من مواد التجميل، وترتدي الحلي المبالغ بها، وثياب النومٍ المبتذلة والغريبة الشبيهة بثياب نوم العاهرات تُثيرهم جنسياً وتساعد اعضائهم على الانتصاب، ولكنهم لا يريدون هذه الاشياء سوى خلف الجدار في غرفة موصودة، أما امام الناس وفي مواجهة المجتمع فهم يبحثون عن المرأة الوقور، ذات الزينة المعقولة والشعر المرفوع إلى الخلف، او المصفف بشكل عقلاني ومتوازن، وحين يرون إمرأة في الشارع تشبه الغجر بمظهرها ينهالون انتقاداً لها".
ساد الصمت فجأة، بعد حديث السيدة التي تجلس بجواري، ولكن يبدو أن الشاب الذي كان يتلوى على أنغام الموسيقى الصاخبة التي تملأ المكان، كان يستمع للحرب الباردة بين الفتاة التي تجلس عند كرسي تصفيف الشعر والسيدة التي تجلس بجواري،  ورغم انشغاله بين الموسيقى وتصفيفة الشعر التي بين يديه إلا انه على ما يبدو كان يوازن بينهما وبين متابعته لأحداث الفيلم وقراءته الترجمة وبين تلك الحرب، ليقول”إهدأي ياسيدتي واخبريني اكثر عن معلوماتك حول المرأة التي تقص شعرها، ألا تعتقدين أن الأمر لا علاقة له بالجوهر  بل بالمظهر غالباً فبعض السيدات يكن اكثر جمالاً بقصة شعر قصير، واخريات يكن اكثر جمالاً بالشعر الطويل، كما أن بعض الرجال يميلون للشعر الطويل كما أن اخرين يميلون إلى قصات قصيرة، وهذا بالضبط ما قاله نزار قبالني في قصيدته
صغيرتي : إن عاتبوكِ يوماً
كيف قصصت شعرك الحريرا
قولي لهم: أنا قصصت شعري
لان من أحبه يحبه قصيرا.”

همهمت السيدة الاربعينية وقالت”بالطبع الامر يتعلق اولاً بجمال المظهر، ولكن حين ترى إمرأة ذات شعر طويل وجميل،  تفاجئنا بقص شعرها جاعلةً إياه قصيراً إعلم انها تعلن ثورتها على أمرٍ ما، غالباً ما يتعلق برجلٍ قد خذلها يوماً، حيث ستولد بعد ذلك امرأة جديدة اكثر قوة، ونضج، وتمرد، وألق ونجاح.”أطفأت السيدة  سيكارتها في المنفضة الاكرستال الموضوعة امامها، وأكملت قائلة”سأعطيك مثالاً بسيطاً، حين يتساقط شعر الرجل المصاب بالسرطان بفعل العلاج الكيمياوي ستجده يبدأ بعدّه العكسي، ويستسلم للموت بشكل مثير للشفقة حتى انه يتهاوى ولم يعد يمتلك المزيد من القوى بسبب استسلامه وليس بسبب العلاج والمرض فقط، بينما نجد أن أكثر من 60% من النساء يتمسكن بالحياة ويزددن قوةً حين يُصبن بهذا المرض وتتساقط شعورهن، أنهن احياناً يظهرن دون شعرٍ مستعار ولا يستحين من كون اصابهن الصلع بل على العكس نجد أن نساء اخريات غير مصابات بهذا المرض يؤازرن المصابات من خلال حلق شعر الرأس لأنه يوحي بالقوة ببساطة، فالمرأة التي تتخلى عمّا يجمل وجهها ومظهرها هي امرأة متناهية القوة لأن اكثر ما تخشاه المرأة هو فقدان جانب من جمالها، وانوثتها، واكثر ما تسعى له طوال حياتها هو تعزيز هذا الجانب، وما إن تخلت عنه فهذا يعني أن لا يوجد ما تخشاه وانها قوية فهي تقتل سبل انوثتها وغوايتها".
“سيدتي دورك... سيدتي دورك”قاطع شرودي الممتزج بصوت السيدة الاربعينية وحديثها، صوت الشاب مصفف الشعر معلناً أن دوري قد جاء، فجلست امام المرآة على كرسي تصفيف الشعر وقلت له”أريد قصة الكاريه السويدي القصيرة جداً.”صرخ الشاب إلى السيدة الاربعينية”لدينا هنا قلب قد خذله رجل ما على ما يبدو..".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية