جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


نهاية حقبة.. نهاية أسطورة عن تشكُّل بعض الوعي الجماليّ في العالم العربيّ


شاكر لعيبي
ما عدا النخبة الضيّقة، فإن عامة الناس في العالم العربيّ لم تُبَلْوِر وعياً تشكيلياً "حديثاً" جنينياً، إلا منذ سنوات الثلاثينيات. وقد شكل السجّاد الحائطيّ المرسوم بعازفين وحدائق وطيور وراقصات أول الصدمات التشخيصية.
وكنت تجد منذ تلك السنوات مثل هذا السجاد معلقاً في بيوت جميع الفئات الاجتماعية.
في هذا السياق، ظهرت، في العالم العربيّ "لوحة" لفتاة مرسومة بطريقة اعتبرت فائقة (الجمال)، وراجت كأمثولة جمالية وإنسانية ورمزية، وكانت تزيِّن جدران البيوت أيضاً. نحن هنا أمام واحد من أوائل البورتريهات التي سعى الجميع إلى تَخيُّل أصول واقعية له. ففي العراق سُميت (بنت المعيدي) واخْتُلِقت حولها الأساطير، فهي عراقية وقد تزوّجها ضابط بريطانيّ راسماً اللوحة تخليداً لها. بل ذهب متعلمون محليون عراقيون، حتى وقت قريب، إلى أنها قد تكون من كلاسيكيات عصر النهضة أو ما قبلها، أو لعلّها محاكاة عراقية أو عربية للوحة من ذلك العصر نظراً لطبيعة الألوان والتكوين والإضاءة والملامح، حسبما ذكروا، وظلت معروفة طيلة سنوات الخمسينيات والستينيات في الأوساط المدينية والريفية على حدّ سواء.


أوقع البورتريه هذا أكبر الأثر في مشاعر أجيال متتالية من الشعب الكرديّ أيضاً، فولّتْ (اللوحة) أسطورة قومية مرتبطة باسم كيجي كافروش، حتى أن كل منزل في كردستان العراق لا يكاد يخلو منها في لحظةٍ ما. وكانت تُسمى (الكردية) بصفتها مَضْرَب الأمثال عن الجمال العالي، وغنّى باسمها المطربون الكرد، عام 1950 ثم عام 1970. واخترعت حكاية اختطافها عام 1918 من طرف البريطانيين، وقُورنت بالموناليزا...إلخ.
وعُرفت اللوحة عينها باسم "صمانجي قيزي" لدى التركمان العراقيين، وفي تركيا باسم "بنت الحدباء"، ودائماً ثمة القصص المشابهة. وهي في سوريا "فطّوم" المغربية التي تزوّجها السلطان العثمانيّ نفسه، وفي الأردن كانت الصورة تُعلّق في أغلب المضافات وكثير من الدواوين، وعُرفت أيضا باسم فاطمة المغربية، وتقْرَن، في أجواء التحرّر الجزائريّ من الاستعمار الفرنسيّ، بجميلة بوحيرد بل هي أختها، إعجاباً بجمالها.
هذا العمل يبرهن، في المقام الأول، على طبيعة النموذج الجماليّ الأنثويّ الذي كان مؤثراً (أو مُشكِّلاً للوعي الجماليّ) في الشرق أبان سنوات الثلاثينيات وما تلاها.
كل الحكايات التي قيلت حول انبثاق هذا العمل تقع في باب الحكايات الخرافية، التأسيسية سياسياً في حالة من الحالات المذكورة، تأسيسية أحياناً لظاهرة جمالية مستحدثة. الحكاية الموصولة بكيجي كافروش ليست تأسيساً للتاريخ الكرديّ دون شك، لكن تأسيساً لنموذج جماليّ محليّ (حديث) أو (مستحدَث) لعله انطلق في العراق لسبب ما من الثقافة الكردية، وكان يجد هوى في جميع الثقافات المتعايشة.
عمل كيجي كافروش Kchi Kafrosh (بنت المعيدي)، كان مجهول المؤلف، وكانت مجهوليته مُحبّذة في المخيّلة الجماعية، إمعاناً بقذفه فيما يشبه الأسطورة، وهو لا يرقى إلى المصاف الذي قُورن به، بإفراط كبير، أي (الموناليزا)، بحال من الأحوال. على العكس، فهو يمكن أن يندرج في الفن الرديء (الكيتش kitsch) لأكثر من سبب حتى لو أنه تحايل على نزوعه (الكيتشي). ويندرج من جهة أخرى في فن شعبيّ يَمْرق ويتجاوز قواعد الفن الشعبيّ التقليدية ويتلمّس طريقه لأنْ يكون "حديثاً"، بصيغةٍ ما. للتأكد من هذه البداهة يتوجب رؤية نسخ أخرى مطبوعة من هذا العمل، ننشر واحدة قديمة منها.


لِمَ لمْ يُفكِّر جمهور الفن الأول، المصدوم ببورتريه بنت المعيدي الذي وقع تعميمه رمزاً للجمال الأنثويّ، أن العملَ من أصول تركية مُباشِرة، ذلك أن الفتاة ترتدي ملابس تركية كانت سائدة الظهور في فنّي الرسم والتصوير الفوتوغرافيّ طيلة القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. هذه ليست ثياباً عربية ولا حتى كردية مع أن الرسّام حاول تغييرها لتلائم مزاج متلقّيه. ولماذا لم يقع التفكير بأن "اللوحة" منقولة، مثلاً، عن لوحةٍ استشراقيةٍ بتحوير جوهريّ، لكي تلائم المزاج الشرقيّ المحض وتصير طابعاً له. في تقاليد الرسم الفارسيّ العريق للنساء، ثمة أيضاً أعمال كثيرة تماثل هذا العمل، وقع "تتريكها" في القرن التاسع عشر وبداية العشرين، بسبب هيمنة الذائقة والدُرْجة التركية في لحظة ما، لذا يُسمّي النسّاجون الإيرانيون، خاصة في تبريز، هذه النماذج (دختر عثماني) أي فتاة عثمانية، لكن في الرسم الفارسيّ ثمة نماذج لفتيات أخريات يتابعن نموذجاً محلياً لجَمالٍ يُلْهِب الجمهور الفارسيّ ذو المزاج المعروف في الرسم المنمنماتيّ والسجاديّ.
من ذلك نلخص إلى نتيجة واحدة: أثّرَ هذا النموذج الجماليّ الأنثوي على ذائقة أجيال كاملة من العرب والكرد والترك في منطقتنا. وشكّل قطيعة مع أنماط التمثيل البصري التي كان يعرفها، وهذه الأنماط كانت غالباً تشخيصية مؤسلبة، تكاد تكون رمزية أحياناً: لا تُقدّم الجمال الواقعيّ، الموضوعيّ، وإنما كانت ترميزاً للجمال. لوحة بنت المعيدي تقف بين هذا وذاك، لصالح لمسة أكثر واقعية حتى من تشخيصية الرسم السجّادي الشائع حينها. وهنا مشكلة جوهرية تتعلق بقانون الجمال الممكن (canon de beauté = canon of beauty) في ثقافة الشرق الحديث، من أين خرج ويخرج، وما هي معاييره؟ إشكالية عميقة ما زالت مفاعيلها تشتغل حتى اللحظة.
عوداً للعمل موضوع الحديث، ولكي ننتهي من اللوحة - الأسطورة، نذكر أن أصل العمل موجود في صور فوتوغرافية لفتاة شابة، بأكثر من وضعية، من أعمال استوديو الأخوة عبد الله، مُلْتَقَطة عام 1880. تلك الفتاة هي في الحقيقة بنت المعيدي وكيجي كافروش وفاطمة المغربية وصمانجي قيزي وفطومة الشامية. فتاة تركية من أسطنبول غالباً، كانت تعمل موديلاً، ومجهولة الهوية تماماً.





الإخوة عبد الله هم ثلاثة أتراك من أصول أرمينية: فيسين عبد اللُهيان (1820 – 1902)، هوفسب عبد اللُهيان (1830 -1908) وكيفروك عبد اللُهيان (1839 – 1918). كانوا من المصوّرين ذوي الشهرة الدولية أواخر الدولة العثمانية. عام 1863، أعلن السلطان عبد العزيز الإخوة عبد الله مصورين رسميين للدولة العليّة، وهي عبارة استخدموها حتى نهاية نشاطهم عندما أغلق محلهم عام 1899. عام 1886 افتتحوا لهم فرعاً في القاهرة بناءً على طلبٍ من خديوي مصر.

لو قورن جمال فتاة الموديل، بالجمال المرسوم المنقول عن الموديل، فما الذي نستحصل عليه؟ ثمة عامية وتزويقية، ومزاج ريفيّ في المرسوم. لا نعثر عليها في الفوتوغرافيّ. حَوّر الرسّام الوضعيةَ قليلة، ولم يستطع نقل نظرة فتاة الموديل الفوتغرافيّ التي تنظر إلى مكان مجهول كأنها هائمة الذهن بعض الشيء، في حين أن الرسّام جعل نظرتها تتجه نحو اليمين بصراحة، مغيِّباً هذا الغموض الطاغي في النسخة الأصلية.
من هو الرسّام؟ لا نعرف. ولعله من أولئك الرسّامين العصاميين الذين كان يعجّ بهم الشرق في ذلك الوقت، والذين يقفون في منطقة رمادية بين الاحتراف والهواية، بين التمكُّن والضعف، بين الرسم الأكاديميّ والفن الشعبيّ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية