جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


أفول ظلال الحياة


ستار الحسيني
عبثاً أقاوم نفسي وعبثاً أقاوم جرحي وعبثاً أبدد همّي، فرصاصات الظلام التي طاولتني وسجتني على سرير الموت، ما زالت ترقد في جسمي وتؤلمني في ليلي الطويل... ومع هذا الذي ذكرت، ما زالت الصحافة تنبض فيّ بمثابة الدم والعصب والأنفاس.
وما كنت أتوقع أنني سأكون شهيداً حياً لمهنة التهم سعيرها أكثر من مئة زميل لي، في أتون حرب اشتعلت وهدأت وما زالت تستعر جمراتها تحت الرماد، ففي ظل كالح من عتمة أمنية مريعة، وتحديداً في الأسابيع التي سبقت محاولة اغتيالي في العام 2006 تلقيت نداءً هاتفياً من نمرة مجهولة يهدد حياتي، هذا التهديد أخضعني لمراجعة دقيقة لسلوكي المهني الذي اطلعت من خلاله على الكثير في المؤتمرات والاجتماعات التي حضرتها ومرافقتي لكبار المسؤولين العراقيين، إضافة إلى اطلاعي على أسرار سياسية واقتصادية، وجعلني أفكر في أن حيادية قلمي وادواتي كانت سبباً في هذا النداء، ولهذا تريثت في كتابة ما أراه وما أعرفه، لأن خطورة هذا التهديد، وإن لم أكترث له في لحظته، شدني بعزم أكبر الى مهنة المتاعب.
جثة معلومة
مضت الأيام وأنا أشعر بأن شيئاً ما سيحدث وذات يوم من صباحات بغداد الدموية، كنت في مهمة صحافية فلاحقتني سيارتان تقلان مسلحين مجهولين. كنت قد تنبهت اليهم، وحاولت جاهداً إيهامهم بخط سيري، لكنهم تابعوني، حينئذ قررت أن أغير وجهتي إلى بيتي، منقاداً إلى أمر ربما سيحدث - أو لاحساس بأن نهايتي اقتربت، فلأذهب إلى بيتي وألق حتفي، من دون أن أكون جثة مجهولة كمئات الجثث التي تدفن يومياً في بغداد آنذاك - كل ما ذكرته في هذه السطور مر عليّ بسرعة البرق، ليومئ أحدهم في اتجاهي: اقتلوه ! وما هي إلا لحظات حتى امتلأ جسدي برصاصات بنادقهم ونالت سيارتي وبيتي الذي توقفت عنده طلقات لا يزال بعضها أثراً في ذلك المكان، إضافة إلى أن شظايا لا تزال تحرق لحم جسمي وأعصابي. حينها انطوت الدنيا عليّ، ولم أتذكر أي شيء إلا أنني سمعت كلمات لم أستطع أنْ أجيب عنها بسبب غياب وعيي، وثمّة صرخات تنبعث، في ما يُشبه الحلم، من حولي؛ صرخات ورثتي الصغار: مات أبي...مات أبي. وبعض الجيرة المخلصين يتنادون: أنقذوه لعلّ فيه روحاً تنبض. هذه الكلمات الأخيرة التي أذكرها في هذا السطر الأخير، رواها مقربون لي، وسأنقل ما رواه لي أحد الذين أنقذوني: حملناك وأنت مخضّب بالدم وجراحك فاغرة ورصاص ساخن يستقر فيك ونثار إطلاقات تشظت في جسدك. حملناك إلى مخازن وثلاجات حفظ الموتى، يقينا منا أنك فارقت الحياة! والمصادفة الأعجب أن مخازن حفظ الموتى ومقطعي الرؤوس في بغداد، آنذاك، كانت تستقبل أساطيل من جثث مجهولة الهوية ساعة بعد أخرى، ولم يكن هناك مجال لجثتك الهامدة في مخازن الموت تلك، حسب ما قاله لي منقذي. وفي تلك اللحظات مر أحد الاطباء كانوا في مبنى الطب العدلي في المستشفى، ليشير، بعد فحصي، إلى أنني لا أزال على قيد الحياة وبالإمكان إنقاذي، فنقلت إلى أقرب ردهة في المستشفى، وأدخلت إلى غرفة العناية المركزة، وأجريت لي حينها تداخلات جراحية بسيطة، وبعد سويعات دبّ فيَّ الوعي لأجد نفسي في مستشفى لا أستطيع السؤال عن اسمه ومكانه، بسبب تعب أجهزتي الصوتية (وربما العقلية)، ولم أصدق أن حتفي قد فشل في إنجاز مهمته وأن مشروع اغتيالي لم يبلغ هدفه النهائي.
ومع هذا فقد سمعت أو ربما خيل لي في تلك اللحظة أن القتلة سينجزون مهمتهم حتى ولو كنت في أيّ مكان. ومرت أيام وأنا طريح فراشي وتعاقبت الشهور وأنا لا أستطيع حراك أي شيء غير عقلي وعيني، فيداي ورجلاي مهشمة برصاص غدر، ما جعلني أحلم بأن أحرك قدميّ ولو لمسافة متر واحد. واستمر تدفق الزمن فوقي، وأنا مقعد حتى لمحتني العناية الالهية، وبعثت فيّ شيئاً من الصحة؛ استطعت من خلالها التحدث بوعي والسير على قدمي متكئاً على عكاز ما كنت أحلم أنني سأسير عليه، وأنا لم أبلغ الخمسين من عمري!

مهنة المتاعب
كل ما جرى قدر مكتوب لي ولمهنة تلذذت فيها منذ ثلاثين عاماً، ولا أزال أحلم أنني سأعود اليها رغم استهدافي ونجاتي من القتل العمد، فهيهات ينكسر قلمي وهيهات تضيع صفحات بيض تنتظر أن أكتبها لما شاهدته ولمسته وسمعته، وما سأراه، فذاكرتي تختزن أحداثـاً لا حصر لها، وربما تكون خطيرة وأنا شاهد على مراحل عصيبة في تاريخ العراق الحديث. ولعلَّ حظي سيسعفني لأدونها بعد أن أشعر بأن سقف الأمن بدأ فعلاً مشواره الحقيقي. شكراً لمن تحملني على قراءة هذه السطور.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية