جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


عن ميراثي الزائف: غرفة معتمة وتنور طين وأكاذيب أخرى


حمزة عليوي 
غرفة شبه معتمة بمصباح شاحب حُشرت حشراً في اقصى البيت.. غرفة بلا نوافذ، وبباب حديد.. ذات صباح استيقظت لأجد نفسي نائماً فيها. لا اتذكر الآن متى استيقظت، اول الفجر أم آخر ساعات الصباح.
ما اتذكره جيداً أن مصباحها الشاحب لا يكاد ضوؤه يفتح سبيلاً للداخل اليها، ويصيب الخارج منها بعمى ودوار لا فكاك منه لحين اعتياد العين مشهد الصالة المضاءة بنور الشمس. هنا عشت اغلب حياتي.. الأصح أن اكتب بتشدد، هنا عشت تسعاً وثلاثين سنة. اخي الاكبر قال لي يوماً: اني قد انتزعتها منه انتزاعاً، لكن لا اتذكر متى حدث هذا الأمر! اعرف على وجه اليقين اني قد قرأت فيها "سباق المسافات الطويلة"، رواية السعودي، عبد الرحمن منيف، ربما كانت اول رواية اقرأها في تلك الغرفة. كنت اجلس وقتها على "ميز" حديد واقرأ، بدلاً من تمددي على الفراش. كان "الميز" من مخلفات القصر الرئاسي في بابل مما كان يلقيه الحرس بعيداً عن القصر وملحقاته، وعنهم بالأخص. اتذكر ذلك "الميز" جيداً، كان قديماً، مخلع الأبواب، ولا يبدو أن مسؤولاً كبيراً، ولا اقول أن صدام مثلاً، قد جلس خلفه يوماً. اغلب الظن أن الحراس الصغار كانوا قد اخرجوه، بمرور الزمن، من غرفهم المنزوية في استعلامات القصر الرئاسي الكبير، ليكون تحت المطر وقد جلبناه للبيت مع ما كنا نبحث عنه، هناك، من طابوق يمكن استخدامه في البناء مجدداً. كانت الشاحنات تنقل ما يفيض عن الحاجة، وتلقي به في المنخفضات بين تلال التراب في اثار بابل. فيما بعد سأعرف أن الفائض عن حاجة البنائين في القصر المنيف، هناك على الجبل المطل على شط الحلة، على اشكال والوان عديدة. في الصباح الباكر، مثلاً، سيطلب منا احدهم، نحن العاملين في القصر الرئاسي، أن ننقل "المرمر" من امام الورشة. كان طلبه تكليفاً عظيماً، وصرنا ننقل "المرمر" بعناية، حجراً فحجراً. بعد حين، سنسمعه يصيح بنا غاضباً: ارموا هذا "المرمر" بعيداً من هنا.. وحمل حجراً نظيفاً منه، عامراً ببياضه، ورماه بعيداً حتى تكسّر الى اجزاء. تأملت الحجر الابيض المصقول، بالضبط اجزاءه المهشمة، حتى سمعته يصيح بنا: يلله..!
********
الغرفة المعتمة شاهد على كل شيء: احلامي الزائفة، اوهامي التي لم تنته حتى الآن، وشهوات الجسد، جسدي بالطبع، لحظة الجنس التي لم تأت. كل شيء ظل مؤجلاً، بالضبط مثل رغبتي في طلاء الجدران التي سوّدها دخان الفانوس النفطي ايام الشتاء القارص في سنة الكويت الشهيرة. كل سنة افترض اني سأعيد طلاء الجدران الكالحة، حتى جاء يوم بوش الابن، بعد  احوال واهوال؛ ليأمر رئيسنا أن يغادر العراق. في تلك الجدران السوداء "لماذا اتوهم؛ فإنها اصبحت سوداء بعد أن تأكد أن رئيسنا ظل في مكانه جالساً على كرسيه في قصره المنيف!" تلك الجدران كانت شاهدة على انفعالاتي، أوهامي الوطنية الفارغة. مثلاً اتذكر اني قد مسكت تلك الجدران الكالحة بأمل أن تستعيد بعض بياضها، لكنها صارت سوداء كابية. في ايام القصف المرعب عام 1991، تلك الأيام الباردة لم يكن الجدار الفاصل بيننا وبين جارنا الثرثار، قد توسع. كنت اسمع حوارات مع زوجته واولاده، وهو كذلك كان يسمع انفعالاتي، وربما كان على علم حتى بأوهامي؛ ألم يقل لمسؤوله الحزبي، اني كنت اتصل، وقتها وفي غيره حتماً، بالقمر. ولا ادري ربما سمع صوت محمود درويش وهو يتحدث عن قمر غبي لم يركب له الاطفال خيلاً. كان درويش يتحدث عن بيروت المخربة، بالضبط مثل بغداد لاحقاً. واصر على كلمة لاحقاً؛ فجدران غرفتي وشقوقها لم تصبح سوداء ولم تتوسع الشقوق الا فيما بعد، بالضبط بعد أن بدا الحصار. ولأكن واضحاً، ففي حرب بوش الاب لم اكن افكر بكيفية تمضية وقتي، وقتها لم ازل ولداً صغيراً، وقد اتذكر، الآن، اني ربما كنت اتمنى انتصار العراق على اعدائه، وهم لم يكونوا سوى اعداء صدام! صحيح أن اقراني قد دخلوا الكلية، هذا الامر لم يجعلني افكر، مثلاً، كيف عليّ أن اتحمل تكلفة الحرب، بالضبط كيف عليّ أن ابدد خوفي واعيد توجيه اوهامي. في حرب بوش الابن كنت قد قررت أن احصل على ما يكفيني من السكائر، والاهم اني قد قررت انها الفرصة السانحة لأقرأ العم: دوستويفسكي. هكذا قررت أن استعير من صديق مجموعة ديوستويفسكي. فكنت اسمع، وانا اقرأ الجريمة والعقاب، صرخات "عيدة"، وهي تقول لي، ربما، أو لنفسها، بعد كل انفجار، بحركات عصبية منفعلة من يديها وهي نائمة: لم يبق شيء، لقد دمروا كل شيء؛ ! وستغيظني كثيراً صرخات امي الملتاعة، ليلة احتلال بغداد، وهي تصرخ من غرفتها، بعد كل صوت انفجار، ستقول لنا، انا واخي الكبير: لم يعد هناك حجر فوق حجر! لكنها ستوقظني باكراً، مع أن عيني لم تذق طعم النوم سوى فجر، ستهزني، وهي تقول بغضب وخوف: بوش.. بوش.. الدبابات على الشارع. وكان اول مشهد أن رأيت جاري يلوح للدبابات الزاحفة صوب القصر الشامخ على التل.
***********
صانعة التنانير: عيدة وأخريات لا اعرفهن
لا اتذكر متى بدأت بطقوس حرق اوراقي في تنوير الطين.. اذكر جيداً اني قد استشهدت، امام صديق، بحكاية رجب صاحب شرق المتوسط، في وقتها ابتسم الصديق ولم يتكلم واكتفى بمشهد الاوراق المحترقة. لكن هل هذا كل ما يتعلق بأحد تنانير عيدة؟ لا اظن، كانت امي تعيد بناء التنور، كلما تداعى اطرافه وتهدمت دواخله. تبنيه في المكان ذاته: اقصى الزاوية اليمنى من حديقة البيت، بالضبط في نقطة التقاء جداري سياج البيت. وفي كل مرة تعيد ترتيب سقيفته. من الصباح الباكر تبدأ عملها، تختار الاعمدة، قطع الحديد التي بإمكانها أن تتحمل نار التنور، ثم تختار بعناية فائقة لوحات الحديد التي تحمي وتغطي تنورها. في طفولتي، بالضبط عندما كنت طالباً بالابتدائية، كان التنوير يُبنى خارج السياج الطيني للبيت. مشهدها مازال عالقاً بذاكرتي، وهي تضرب قطعة العجين بيديها، قبل أن تضعها في جوف التنور، هذا المشهد مازال شاخصاً امامي كأنه يحدث الآن. ولم اسأل، فيما بعد، لماذا جرى ادخال التنور الى البيت، ولماذا وضع في اقصى الزاوية اليمنى. كل شقيقاتي تعلمن الخبر. كانت امي تحرص، كل الحرص، أن تعلمهن صناعة الخبز، ولامجال أن تتملص احداهن، كل الشقيقات تعلّمن الخبز دون وسيلة مساعدة، الأخت الصغرى وحدها استعانت بـ"المخدة" وهي تخبر عجينها، ومع الزمن صار امي نفسها، في شيخوختها، تستخدم المخدة في خبز عجينها، وكانت تستعين بي لأوقد لها النار. مطلع التسعينيات تخلت امي عن تنورها الطيني، واكتفت بصناعته، واشترت اخر مصنوعاً من المعدن. شخصياً افرحني هذا الأمر؛ على الاقل لم اعد ملزماً بجلب الحطب من بساتين بابل، صار الغاز هو رأس المال كما يقول صديقنا ماركس. وضاعت مع الغاز جلسات الصباح الباكر، كومة الجمر، الشاي المتخدر على مهل، وبضعة أمور أخرى، البيضة المدفونة حتى رأسها في الجمر المخبوء مثلاً، قطع اللحم المشوية على نار آخر الجمرات، والحليب الساخن في الاناء الاسود.. كل هذا صار جزءاً من تاريخ مضى. حتى حليب البقرة الشقراء الساخن في الصباحات قارصة البرد صار ذكرى لن تعود. منتصف الثمانينيات باعت امي آخر بقراتها. اتذكر وقتها اني كنت اتمنى أن تنجح الصفقة وتبيع امي بقرتها الشقراء، رجوتها في سري أن لا تتوقف عند الدينار أو الاثنين، وترضى بما عرضه صاحب الغترة البيضاء ذي الابتسامة الصفراء. وقفت بعيداً انتظر قرار امي، قرار عيدة أن تحررنني من الاستيقاظ صباحاً، من انتظار مرير لبقرة بلهاء حتى تشبع، من اوهامي أن رفاق المدرسة كانوا لا يفضلوني صديقاً بسبب تلك البقرة الشقراء ذات القرون الصغيرة. مع ذلك، فقد استيقظت صباحاً لأجد نفسي متحرراً من مرافقة البقرة الشقراء. قالت امي وقتها ببساطة: لقد بعتها.. نعم لم يعد هناك بقرة شقراء، مثلما لم يعد هناك تنور طيني خارج البيت، كل شيء ذهب مع تلك البقرة الشقراء، التنور وحده، في اقصى الزاوية اليمنى، ظل في مكانه. فيما ظلت امي تستيقظ فجراً لتصنع التنانير الجديدة، تعجن الطين، بالضبط كما كانت تعجن الطحين.. فيما بعد سمعتها تقول، انا  اهدم التنور الطيني في اقصى حديقة البيت المهملة: لماذا لم تحرق اوراقك فيه قبل أن تهدمه.. بالفعل لماذا لم احرق ذكرياتي في تنور عيدة الطيني؟! لم فكر بالإجابة؛ انما يهمني كثيراً أن اتمكن يوماً من نسيان مشهد عيدة، وهي تجمع الطين الحري لتصنع منه تنوراً جديداً.
**************
عن امنية صغيرة: بايسكل بلون أحمر لماع
لم يترك لنا ابي سوى سعاله ودمعاته الاخيرة، وهناك في اقصى مُرَاحُ البيت الطيني ركن البايسكل. كان هذا كل ما تركه لحظة وفاته: بضع دمعات وسعلات اخيرة لفظ معها روحه.. مازلت اتذكر نظرته الاخيرة، كان قد توقف نظره عندي، غطت عينيه عينه دمعة كبيرة ثم شهق شقته الأخيرة. صاحت اختي الكبيرة بوجهي، ومع صيحتها شدت سروالي قائلة: مات ابوك! فيما بعد جلسنا في الغرفة الطينية نتقاسم تركة الأب: اخي الاكبر رفض أن يكون نصيبه أياً من الدمعات، قال، وقد امسك بمقود البايسكل: انا الكبير، وهذا من حقي! أخذ البايسكل وقاده صوب الزاوية المعتمة من الغرفة الطينية، واقفل عجلاته بسلسلة حديد. فيما لم ينفع دليلي، أن ابي، مثلاً، قد توقفت عيناه عندي، انه قد لفظ انفاسه الأخيرة، وهو ينظر الي، كان حجة اخي اقوى من كلامي، حتى شهادة اختي الكبيرة لم تنفع معه، بينما فضّلت امنا الصمت.. في الصباح اخرج اخي البايسكل، نظفه ثم عدّل بعض الاعوجاج في مقوده، واطلق عجلاته للريح. هذا المنظر، اخي يمرق سريعاً فوق البايسكل، كان قد دمرني، فلم يسمح لي أن اركب البايسكل مطلقاً.. وكان عليّ أن اجد حلاً لمحنتي، ولم يكن عندي من سبيل سوى أن اخلد الى بكائي.. وهو ما اخرج امنا عن صمتها، قالت امي: ثمة بايسكل آخر فوق الغرفة، انزله واصلح اضراره والعب به. لكن البايسكل الآخر كان ركاماً، وكل ما فيه بحاجة الى التبديل: اطاراته، مقوده، سرجه، شيء واحد يمكن أن تقول عنه انه يصلح للعمل: هيكله! مع ذلك، فقد سعيت في اصلاحه، المقود وجدت آخر مرمياً مع هيكل قديم، السرج وضعت مكانه كمية كبيرة من القماش التالف، وبقية الاطارات، اخي اقترح ان استخدم مكانها "الصوندة" السوداء، وهكذا صار عندي بايسكل..! لكن البايسكل كان عبارة عن مشهد سريالي مدمر، جلب لي قدراً مرعباً من السخرية، كل من رآني تلك الظهيرة فقد توازنه من الضحك، وكان ذلك آخر عهدي بالبايسكل بسرجه المكون من الوان الطبيعة: الاخضر، الاحمر، الاصفر، الازرق، النيلي... الخ، فيما كان لون اطاراته السوداء يعطي مشهدي، انا والبايسكل، انطباعاً مشبعاً بالأسى.. ماتت امنيتي بامتلاك البايسكل، الضحكات المسعورة دمرت رغبتي وحلمي الصغير... بعد حين، وقفت اتأمل البايسكل الجديد، الاحمر اللماع المتصدر واجهة المحل في السوق. قالت سارة بابتسامة صافية: هل تريده؟ وصمتُّ فيما تكفلت هي بإنجاز الأمر.. فمن يصدق أن امنية صغيرة يمكنها أن تنام خمسة وثلاثين عاماً، لتستيقظ الآن، من يصدق أن خمساً وثلاثين سنة لم تكن كافية لنسيان رغبة صغيرة، رغبتي في أن امتلك بايسكل جديداً، لونه احمر لمّاع!!
******************
اوغاد وحمقى لا يفهمون... "لست متأكداً إن كنت أنا من قالها أم شبحي!"
هؤلاء الاوغاد لا يفهمون مغزى اصراري، ان اصطحب ظلي معي الى حفلة تخرج ابنتي الملغاة. تجلس الابنة الصغيرة قرب الباب، وتنتظر متى افرغ من جدلي العقيم مع ظلي اللابد خلف خزانة الملابس. هي كذلك لا تفهم لماذا علي ظلي أن يذهب معي الى الحفلة. حتى امها تضحك بمكر وتقول لها: سيبدد اعمارنا، وهو يحاول أن يقنع هذا الظل الارعن. الاوغاد كلهم، فضلاً عن ابنتي وزوجتي، هؤلاء جميعهم لا يفهمون انه من المحال أن يذهب شخص مثلي الى حفلة أو سوق او اطلال سينما، او حتى الى بقايا هذا الوطن، هذا امر محال أن اسير وحدي دون أن اتأبط شبحي... انهم لا يفهمون معنى ان اترك شبحي يقلب بسخرية اوهامي.. اتخيل ابتسامته الصفراء، ضحكاته التافهة، اوصافه الساخرة من تاريخي. حتى جاري كان قد اشتكى لدى ابنتي. طلب منها أن يجدوا حلاً لحالتي. هذا الوغد يدعي أن صياحي يمنعه من النوم. مرة طلبت من جاري الوغد، أن يحدد لي اوقات نومه، على الاقل لأجد حلاً وامنع شبحي من الصراخ؛ فهذا الجاري، مثل ابنتي وزوجتي، لا يفهم انه من الصعب عليّ أن ارى شبحي يمسك بيد ابنتي ويذهب معها الى الحفلة الملغاة، فيما عليّ أن ابقى وحدي اقلّب الجدران والايام والاوهام..
*********** 
ومن قبل كتب شبحي، بالضبط فوق خربشات ابنتي على حائط البيت المستأجر:
كل يوم استيقظ مساءً، وافكر بصباح لا ادركه، واسأل نفسي ماذا عليّ أن افعل في صباح بعيد لا ادركه أبداً..!
*******************



المشاركة السابقة : المشاركة التالية