جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


اليزيدية: وريثة عقائد بابل القديمة


حسن ناصر
اتذكّر جيداً أيامنا الأولى في كلية الآداب جامعة بغداد بداية العقد الثامن من القرن الماضي. ولعلّ أهم ما أتذكره هو لقائي بصديقي خدر هفن اليزيدي القادم من شيخان. كنت قد سمعت عن اليزيدية بحدود ما يشاع عنها وما تحاط به من خرافات ومغالطات. أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسي عن حقيقة هذه الطائفة الغامضة. سرّانية التعاليم والمعتقدات وخاصة بالنسبة الى الطوائف الصغيرة
المعزولة بيئياً بالجبال أو الأهوار في العراق أمر شائع، ولا ريب في أنه كان لازماً لا مناص عنه في فترات اضطهاد ديني عاتية عصفت وتعصف بالمنطقة. السرية التي تحيط اليزيدية مثيرة وغرائبية. أنا نشأت قريباً من الصابئة المندائيين والمسيحيين قريباً من الكنيسة في محلة التوراة بالعمارة وأعرف طقوسهم. كنا أهل مدينة واحدة. أما اليزيدية فلم تكن لي معرفة بواحد من اتباعها. صار خدر الذي يدرس اللغة الروسية صديقاً وأخاً لي وكنت أتمنى ان أعرف منه شيئاً حقيقياً عن طائفته وأن أجد إجابات لأسئلتي. لكنه لم يفض لي إلا بنزر يسير لا يغني عن جوع. تردّد خدر في الإجابة على أسئلة كثيرة بينما كان فيَّ جوع حقيقي الى معرفة ذلك الدين وكيفية تبريره لعبادة الشيطان أو تقديس يزيد بن معاوية!

أتيحت لي قراءة كتاب بسيط عن "اليزيدية" فيما بعد ولم يكن في الكتاب سوى تكرار لمعلومات متوفرة لا تضيف الكثير ولا تشي بشيء عن تلك الباطنية السوداء التي يتهم بها أبناء الطائفة. لم يتح لي للأسف الشديد أن أقرأ كتاب المؤرخ العراقي سامي سعيد الأحمد لكني قرأت عنه في مصدر باللغة الإنكليزية سآتي على ذكره. ولا بد أن أشير هنا الى أن اسئلة الدين لدي لم تكن نابعة من جوع الى ايمان بل من جوع الى المعرفة وتعلق بفن السرد الذي يصف العالم ومغامرة الانسان في فهم العالم وتفسيره. لعلني كنت ابحث عن الهياكل الهائلة التي شيدتها مخيلات البشر لتهندس معتقداتها. حدث أن قادني السرد مرة أخرى الى الأسئلة ذاتها عن اليزيدية والتي تردد صديقي اليزيدي في أمر الإجابة عليها. في بداية العقد الأول من قرننا العجيب هذا بدأت بحثاً جدياً على الانترنيت عما يُعرف بالـ "نكرونوميكون Necronomicon" وهو كتاب سحر أسود يقال أيضاً إنه ما نجا من كتاب اليزيدية "مساف رش" أي " مصحف رش ـ المصحف الأسود". ولحسن الحظ عثرت على فصول من كتاب باللغة الانكليزية صادر في السبعينيات عن العلاقة بين اخوان الصفا والإسماعيلية واليزيدية والصوفية.  على تلك الفصول وعلى ملاحظات أخرى سجلتها عبر أعوام استند في كل مأساتي على ذكره.

يقول هنري كورمان في تعريفة للعلاقة بين المعلم الروحاني الكبير جورج ايفانوفيتش گوردجيف واليزيدية (گوردجيف واليزيدية) إن من الممكن تقصّي آثار قصة هذه الطائفة حتى عصور قديمة تعود الى أربعة آلاف سنة قبل أن تسمى باسمها المعروف (اليزيدية) والى أن تختفي تلك الآثار في ضباب الزمن، لكن من الصعب ربط تلك التناقضات المطروحة من بضع روايات ناجية لحل لغز معتقدات هذه الطائفة. وفي معرض شرحه لما يعنيه بتلك الصعوبات يكتب كورمان التالي:
"يخبرنا الأنثروبولوجي سامي سعيد الأحمد في دراسته الهائلة (اليزيدية) الصادرة عام ١٩٧٥ أنه حصل على مخطوطات أعطيت له عبر سنوات كتبت بخط صديق له من الطائفة. كان القصد من كل مخطوطة من تلك المخطوطات شرح معتقدات الطائفة اليزيدية وعلى شكل حكايات أسطورية تؤخذ مأخذ الحقائق وكل حقيقة منها كانت تناقض البقية في الظاهر. لكن الأحمد وبعد جهد مضني وجد أن تلك المخطوطات تحتوي على حقائق واقعية وعلى رسائل مهمة وأصيلة عن معتقدات الطائفة ولكنها كتبت بنوع من التورية. وحين أفضى الأحمد بذلك لصاحبه رد الصاحب قائلاً : المخطوطات التي قدمتها لك كتاب يتحدث عن حقيقة واحدة من ألف حقيقة للطائفة اليزيدية. اليزيدية أم الأديان الشرقية كلّها"

أما علاقة المعلم الروحاني الكبير گوردجيف باليزيدية فهي إشارات دونها في كتابه " اللقاء بشخصيات فذّة " الذي أخرجه پيتر بروك للسينما " Meeting with Remarkable Men " وفي كتابه الآخر "حكايات بعلزبوب لحفيده". يقول گوردجيف في  " اللقاء بشخصيات فذّة " إن أباه كان رجلاً يُعرف بالعاشق (Ashokh ) أو الأشوخ وهو الاسم الذي يُطلق على المنشدين والشعراء في منطقة المثلث الممتد من جبل آرارات الى القفقاس وأرمينيا.  و"العاشق نوع نادر من الرجال يحفظون في ذاكرتهم قصائد وروايات طويلة وملاحم والحان واناشيد لا يقدر على حفظها انسان عادي. والعاشق هو وريث تعاليم شفاهية تضرب أطنابها في عمق التاريخ وتعود الى عصور سومر (أرض شمّار). يصف گوردجيف ليلة قضاها مع أبيه في ترتيل وحفظ نشيد قديم، وأدت فيما بعد الى تحولاته الروحية الخطيرة. يكتب: الصدمة الأولى لعقلي ومشاعري والتي أدت بي الى هذا الوعي حدثت إبّان الحرب العالمية الأولى، يوم قرأت في مجلة ما مقالا يتحدث عن العثور على رُقُم في آثار بابل يقدّر علماء الآثار عمرها بأكثر من أربعة آلاف سنة. نشرت الصحيفة طبعات للرقم وحلا لألغازها وترجمة لها.  صعقت وأنا أقرأ أنها النشيد الحادي والعشرين من ملحمة گلگامش؛ واكتشفت أنها ذات النشيد الذي قضيت الليل أردّده وأتعلمه من أبي.

استثمرت الروائية كاثرين نيڤيل تلك الإشارات الگوردجيفية في روايتها التاريخية دائرة السحر لتستكشف تاريخ المنطقة وتراثها الروحي. لكن المدهش في هذا السرد التاريخي هو ربط اليزيدية بالديانات الملائكية (ِAngle Cults) في بابل واعتبارها وريثة العقائد العراقية القديمة. تتحدث كاثرين في الرواية عن أبيها الذي تعلم مع گوردجيف على يد أبيه العاشق تاريخ وأنساب المنطقة على مدى عصور طويلة وأناشيد تعود الى زمن الملك السومري العظيم گلگامش وحكماء الإنكي في أريدو. لأن العاشق (الآشوخ) طريقة وتقليد ولد هناك قبل الكتابة. العاشق غالباً ما يكون أمياً كما يقول گوردجيف وكان أبوه أميّاً لم يتلق أي نوع من التعليم مع أنه كان عاشقاً كبيراً ذائع الصيت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ويتصدى أدريان گلبرت في كتابه (المجوس: رحلة البحث عن الطريقة السرانية) للحديث عن أسرار اليزيدية وعلاقتها بتعاليم گوردجيف واصفاً رحلة بطله جاي جي بينيت في البحث عن مصادر تعاليم أستاذه گوردجيف. يقول: في طريقه من سوريا الى العراق قضى بينيت وقتاً عند أطلال بابل المكان الذي تدور فيه أحداث حكايات بعلزبوب لحفيده. ولكن اكتشافه الأعظم كان الوادي المنسي وداي شيخ عَدي وهو الحرم المقدس لدى طائفة من البشر "تسمّى اليزيدية". وادي شيخ عدي يشتق اسمه من اسم الصوفي شيخ عدي بن مسافر والذي "يعتقد أبناء الطائفة بأنه عاش آلاف الأعوام ومنذ زمن إبراهيم". وبعد دراسة المنطقة بمساعدة مترجم كردي يكتب بينيت: اليزيديون هم أحفاد الكلدان القدامى وأصولهم تظهر هجرتهم من الجنوب. ربما كانوا البقايا الضائعة من مجوس بابل القديمة الذين اختفوا بعد زمن الاسكندر المقدوني. ربما كانوا طائفة انشقت عن الصابئة المندائية في الأصل وهاجرت شمالا. أو ربما كانوا طائفة منشقة من صابئة حرّان! 
تبدأ رواية گلبرت من بحث گوردجيف في الأصقاع المحيطة بآرارات عن طائفة من الأخوان الروحانيين. يلتقي بمسافرين آخرين ممن يطلق عليهم طلاب الحقيقة ولكنه يختار صديقا ارمنيا اسمه بوگاسيان ليسافرا معاً عبر قرى أرمينيا. يعثران على رقائق جلدية هي كتب متبادلة بين راهبين أحدهما اسمه أرم وهي مكتوبة بأرمنية قديمة.  في واحد من تلك الكتب يشير أرم الى وجود دير للطائفة السريّة أخوان السارمان يقع بالقرب من نيڤيسي (نصيبين) ونينوى الاسم القديم للموصل. وهنا تبدأ الرحلة الجديدة بحثاً عن السر الذي شغل گوردجيف  طويلاً والمتعلق بأخوان السارمان . لكن الرواية تظل تطوف حول مرقد شيخ عدي ولالش حيث تقام الطقوس ولا تمس جوهر المعتقدات أو تجيب عن الأسئلة المحيّرة.
لعلّ اليزيدية وكما تقول ترنيمة قديمة:
نحن الضائعين
منذ زمن سبق الزمان
من أرض أبعد من النجوم
من عصر مشى فيه آنو على الأرض
بصحبة ملائكة نورانيّة
نجونا من الحرب الأولى
بين قوى الآلهة
نجونا من عصر حكم أبسو الأرض فيه.

عقد الثمانينيات عقد ضاج صارخ هادي شفاف، عنيف من جهة ورقيق من جهة أخرى خاصة بالنسبة الى أجيالنا في العراق. كانت بغداد تكافح من أجل أن تبقى بغداد رغم طوفان البساطيل. تختلط الأوراد في التكيات بتقارير الأمن والحزب الأوحد. كنا أنا وخدر هڤن نهرب الى الشعر والأدب. عرفته لعامين دراسيين أو أقل. وحين بدأ يثق بي ويكشف لي بعض طقوسهم انطوت الصفحة. عدنا كلنا الى الدوام في الجامعة ولكنه لم يعد. أسرني قبل ذلك بأنه ما عاد يطيق العيش في بغداد وانه سيلتحق بالبيشمركة أو يهرب الى الخارج. اختفى خدر ولم أره أو أعرف عنه شيئاً منذ ذلك الحين بينما بقيت الاسئلة عن معتقداته معلقة وفتيات طائفته مسبيات. 
لنا عودة أخرى على هذا الموضوع ونعتذر عن السهو والخطأ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية