جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الجنس في الأسطورة السومرية


شكر حاجم الصالحي
كلما قرأتُ جديداً له تأكدت من قناعتي الراسخة، بأنه صاحب مشروع بحثي مشاكس، له من التراكم المعرفي والعمق الثقافي ما يجعله متفرداً في اشتغالاته، كاشفاً عن المسكوت عنه في النصوص المقروءة، فهولا يقرأها وفق منهج اكاديمي منضبط محكوم باشتراطاته،
كما تألق في هذا المنهج العالم الاثاري الدكتور نائل حنون، ولا يقرأها برؤية محايدة تستند الى تأريخية النصوص منذ تشكلاتها الأولى حتى استقرارها كما يسعى الدكتور خزعل الماجدي في معظم دراساته عن ديانات واساطير الشرق، ولكل من الأثنين مبرراتهما واجابتهما على مختلف الأسئلة المطروحة حولها، لكني أرى أن الباحث ناجح المعموري أيقن منذ الخطوة البكر أن عليه أن يغرد خارج سرب المألوف والنمطي والمهادن، فاجترح لنفسه منهجاً مغايراً في قراءته لهذه النصوص المتوارثة مسقطاً عنها قدسيتها، مانحاً مشروعه حرية مطلقة في تناولها و تقويلها ما يراه منسجماً مع رؤيته الناقدة وافاقها المعرفية الواسعة، ولهذا ولغيره من الأسباب حاز ناجح المعموري على ريادته في هذا المشغل المحتشد بالأفكار والتوصلات الصادمة التي جعلت منه ومن قراءته هذه علامة فارقة في متن المشهد الثقافي العراقي والعربي، بما حققه من انجازات كبيرة واصدارات قيمة زادت على الثلاثين كتاباً في دراسة اساطير الشرق ودياناته التي تستوجب قراءتها بعين فاحصة مبرأة من الشك والارتياب، باعتبارها منجزات معرفية ذات قدرة فائقة على إثارة الجدل والاختلاف بما يحقق رؤية جديدة لتلك النصوص وبما يعزز الحراك المنتج للارتقاء بالعقل البشري بما يعيد قراءة هذه النصوص وفق صياغات واستنتاجات تضيف الى حضارات الشرق ما يؤكد انسانيتها ويجسد نهوضها وفرادتها..
ومن هنا أجدد ما دعوت إليه في أراء سابقة بضرورة التنادي لعقد الجلسات النقاشية والحوارات النقدية لتعزيز ممكنات الجدل المعرفي ومناقشة جهد المعموري المتفرد بما يُغني ويكرس هذا المسعى الفكري بما له وما عليه، وبذلك نكون قد حققنا حضوراً منتجاً في هذا الحقل الذي يخوض فيه ناجح المعموري وقلة قليلة وصولاً الى ما يعزز قناعتنا برقي العقل العراقي المبدع باعتباره وريث هذه الحضارة التي انتجت كل هذا الثراء وجعلتنا نفتخر بما هو في ايدينا من مفاتيح الابتكار والنهوض والارتقاء من جديد... وليست هذه السطور سوى مقدمة متواضعة لقراءة ـ الجنس في الاسطورة السومرية / اغتصاب انانا / عشتار ــ منجز الباحث ناجح المعموري الجديد الذي اصدرته دار المدى في أيار / 2017، لتقديم صورة عن ما ورد فيه من أراء وتوصلات جديدة تفرض علينا ــ كقرّاء ومهتمين ــ ان نناقشها بما يؤكد حيوية الإبداع العراقي وجدارة الاحتفاء بقاماتنا الكبيرة...
قبل الخوض في متن الكتاب هذا الكتاب هذا لابد من إلقاء نظرة على موضوعاته التي احتواها في الفهرس، ومن خلال هذه العنوانات سنتعرف على مقدار الجهد (المعموري) المبذول في تقديم المعرفة التي نحن بمسيس الحاجة إليها لكي نعيد صياغة طروحاتنا بما يؤهلنا للتعرف على جوانب من مشرقة من ابداعات الانسان العراقي في تلك الأزمنة السحيقة.
يتألف الكتاب من خمسة فصول ومقدمتين موجزتين، في الفصل الاول: اسطورة انانا / وشوكا ليتودا، وفي الفصل الثاني: الإ له انكي، الالهة انانا، النخلة في العصور القديمة وفي الكتب المقدسة، شجرة الصفصاف، الغراب وفي الفصل الثالث: انانا / عشتار والمزارع، الاتصال الجنسي الاستهلاكي، وفي الفصل الرابع: الاسطورة واسئلة القراءة، عشتار ووظيفة الجنس و رموزه، اسطورة ادابا وفي الفصل الخامس: عتبات القراءة الأخيرة...
والكتاب احتوى على رسومات لفنانين عراقيين كبار لتوضيح افكار النصوص...
في مقدمة الباحث ناجح المعموري (الأولى) يقول:
مازالت الاساطير العراقية القديمة تثير اهتمام الدارسين والمتابعين للأدب القديم وتاريخ الحضارات في الشرق المتوسطي، وخصوصاً الاساطير السومرية، لأنها تمثل عتبة مهمة تضيء المستوى الروحي والثقافي الذي أبدع في جنوب العراق، وظل مستمراً ومتمركزاً في تاريخ الحضارة العراقية الطويل، وصاعداً نحو الديانات المجاورة...
ويضيف المعموري :
ولعب الجنس كنظام دلالي، دوره الحيوي في هذه العقائد والشعائر، لأن البنية الذهنية الاسطورية، لم تتعامل معه باعتباره استهلاكاً للرغبة والنشاط، بل كونه فاعلاً في تطوير الحياة والحفاظ عليها، وتحقيق التوازن في الطبيعة والكون، وحركة الاوقات وانتظام الفصول، واضفى الفكر العراقي القديم صفة القداسة على طقوس الجنس التي صارت فعلاً إلهياً، يحتفل به، وانتجت المرحلة السومرية كثيراً من الاساطير والقصائد والاناشيد في هذا المجال الحيوي، بحيث صارت هذه النصوص رأسمالاً ثقافياً، ساهم بقوة في الاستدلال على طبيعة الحياة وعقائدها..
يشير ليفي شتراوس الى ان البنية الاسطورية لاتندثر ابداً، وانما تظل يقظة بقوة عناصرها وخصائصها التي تستعيد عافيتها في لحظة من اللحظات وفي حضارة من الحضارات، ومحكوم هذا الاستيقاظ بوجود مجموعة من العوامل الذاتية المساهمة بتكوين الحاضنة الجديدة المستولدة لبذرة حاملة بنية النص الاول، ومكتسبة عناصر اخرى مضافة.. وهذا ما سيتضح من خلال قراءتنا الفاحصة لنصوص الأساطير التي أوردها ناجح المعموري في متن كتابه هذا (الجنس في الاسطورة السومرية...) وسنأخذ اسطورة الاله انكي مثالاً يضيء منهج القول والقراءة (المعمورية):
  لكن إنكي بعد ان تذوقت اوتّو ثماره
  عانقها وشدها الى صدره
  تلّمس فخذيها وربّت عليها
  قبّلها وضغط عليها بجسده
  سكب في حضنها منيّه
  في حضنها تلقت المنيّ، منيّ انكي
صاحت المرأة الجميلة عند ذلك
آه فخذاي، آه جسدي، آه قلبي
ويعني إنكي في السومرية، قعر الماء وسيد الأرض وخصص له البابليون مكاناً مرموقاً، وأعتبر من الالهة الكبيرة، ويعتبر إنكي سيد التكنيك كله، والعالم كله، والحكمة كلها، ويرمز له بالسمكة، وله العديد من الزوجات وهن: دام، كال، نونا، وتدور حول انكي مجموعة كبيرة من الاساطير التي تشير الى حكمته ومعرفته وهيمنته في مقره الرئيس مدينة اريدو... ولكي لا أفسد على القارئ متعة البحث والقراءة اكتفي بهذه السطور التي اعتبرها مدخلاً للاطلاع على هذا المنجز القيم الذي منحنا اياه المفكر الباحث ناجح المعموري وجعلنا نكتشف عن قرب قيمة المعطى الحضاري لبلاد النهرين وانسانها الأول.................



المشاركة السابقة : المشاركة التالية