جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


اللمّسة.. وجهُ العشقِ المتعلَّق بالرغبة


زينب المشاط
“نعومة الأنثى، ليست بملمسها فحسب، إنها امتزاج الغموض والغواية، كرائحة عطرٍ يتسلل عبر قطعة حرير، إنه ضجيج هدوئها، وبلاغة صمتها، وحكمةُ جنونها، ووهم براءتها.”تمتم زياد بهذه الكلمات وهو يسترخي تحت أنامل المُدلّكة الصينية، ويوجّه لها هذا الحديث.
“كان محقاً هيرفي جونكور، حين كرّر رحلاته  إلى اليابان بحجة بحثه عن الحرير، ورغم أنه كان متزوجاً من الجميلة هيلين، إلا أن هنالك دودة قزٍ يابانية قد افتتنته بنعومتها،
فحين ترك جونكور فرنسا بحثاً عن الحرير في اليابان، صادفته تلك المرأة التي كانت تتسلل من بين الشراشف، وتُداعبهُ وهماً وتفتنهُ سكوناً، كانت تشبه الليل بوحشته الممتزجة دفئاً، هذا الذي يجعلنا نندس تحت أغطيتنا مستسلمين لعذوبة ملمس النعاس، ورغم عشق هيرفي جونكور لزوجته هيلين، إلا أنه لم يُقاوم خيال الإمرأة الصينية، أو حقيقتها،  أه لست ادري إن كانت سراباً أم واقعاً.”يبدو أن أصابع  المُدلكة الصينية كانت كفيلةً بإسكار زياد، فأخذ يُحاكيها عن رواية”حرير”لأليساندرو باريكو، وقال”أتعلمين يا حلوة، أن اصابعك هذه تُشبه خيوط الحرير في تلك الرواية، ولكن أرجو أن لا يزعجك ما سأقول، لست على يقين أنك دودة قزّ كتلك التي في حكاية باريكو".
استدار زياد واستلقى على ظهره، بعد أن كان مستلقياً على بطنه لأخذ جلسة المساج، وقد لفّ الجزء الأسفل من جسده بمنشفة، نظر إلى المُدلكة الصينية التي كانت تبتسم لأحاديثه، فقد كانت تفهم اللغة الانكليزية التي يجيد زياد استخدامها بطلاقة، أخذ زياد يدها بين كفيه واستمر بحديثه، فهو من النوع الذي يُحب أن يستمتع بكل شيء وبكل تفصيلة يقوم بها بـ”ماله”كما يقول، فمبدأه حيث تولد متعته سيقوم باقتنائها بنقوده، ويبدو أنه وجد متعته بين تلك اليدين.
"أتعلمين يا حلوة، (وفي الواقع لست على دراية كاملة من إنك حلوة، فأنتِ تُشبهين الكثيرات من نساء الصين وأنا نادراً ما أُميّز بينكن.) المهم، أن اللمسة أعمق بكثير من العشق، بل هي كفيلة باستمراره أو القضاء عليه، كُنت متزوجاً من إمرأة،  لطالما احببتها، ولكن لم تكُن للمستها هذا التيار الذي يُثيرني، ويجعل جسدي ينتفض، أعني تلك اللمسة التي تزيد من ضربات قلبكِ، وتجعلكِ ترتجفين دون أن تعرفي السبب، تحمل رهبةً لذيذة لا يمكن تفسيرها بالكلمات، ويبدو إن زوجتي أيضاً لا تشعر بهذا حين ألمسها بدوري، أصبحت حياتنا الزوجية جبلاً من جليد وقد انفصلنا".
وأخيراً نطقت المُدلكة بكلمة وقالت لزياد”أوه! تنفصلان بسبب لمسةَ؟”ضحك زياد مقهقهاً وقال لها”بل أكثر من هذا يا عزيزتي، علاقات العشق والزواج تحمل تفاصيلَ قد يراها الآخرون تافهة وبسيطة إلا أن اصحاب الشأن يرونها غايةً في العمق، فأنتِ على سبيل المثال، لم أركِ من قبل، ولا اعرف حتى من تكوني أو ما اسمك، ولكن لمستك تلك كانت كفيلة بانتشائي، وهنالك بعضٌ من النساء لا حاجة للمسهن حتى. لكي تتعالى إلى النشوة يكفي إنك تراهن أمامك، أو تستمع لحديثهنّ، إنهنّ وهمٌ من الإغراء يمتزج بعبث الطفولة، وعُهرٌ خَجِل وبريء، هذا فقط ما يمكن وصفهن به".
نظرت الفتاة لزياد وقد ارتسمت على وجهها كل ملامح الاستغراب والتعجّب، وقد يكون عدم الفهم ايضاً، إلا أن زياداً لم يكفّ عن الحديث فهو وبحسب مبدأه عن متعة الحياة، يمارس حريته بماله، النقود تجعله يتحدث بما يشاء وتجعل تلك المسكينة تستمع، ويبدو أن مزاجه جعله يتقمص دور الثمل دون كحول، وقال”أتعلمين أن اليساندرو باريكو كان محقاً بالتفاتته تلك عن حرير، إنه لم يكتب عن خيوط الحرير بل كان يكتب عن هذا العشق الذي يولد من رحم الرغبة وليس من رحم قلوب ومشاعر مغلقة البكارة، هنالك عشقٌ خُلق للشهوة، هو ذاك الذي تخلقه اللمسة، وأخرٌ إفلاطوني، وهذا يكتفي بالنظر عن بعد ليموت لوعة وشوقاً ولهفة".
“قد تكون محقاً يا سيدي، لقد قرأت ذات مرة عن الرسام والنحات الايطالي  مايكل أنجيلو الذي نحت العديد من اجسادً الألهة، وتماثيل عارية، وقد بدت تلك التماثيل تنطق إغراءً وغواية، ذلك أن لمسته تلك كانت تبثُ الروح في هذا الحجر الذي ينحته، لأنها لمسة تحمل الكثير من الرغبة نحو تلك الاجساد التي يصنعها بأنامله، لهذا نجد أن نحتهُ للعريّ كان يحمل جاذبية الرغبة الصامتة.”كان زياد يستمع لتلك المُدلكة وهي تتحدث وقد نسي فمه مفتوحاً، بين اعجابٍ بما قالته واستغراب، إنها تمتلك رؤية غريبة للأمور، انها فتاة مُتأملة.
آه نعم يا حلوة، أن اللمسة التي تحمل حرارة الرغبة كفيلة بإنطاق الحجر، وأنجيلو استطاع أن يخلق أصناماً ناطقة من فرط احساس انامله، وليس أنجيلو وحده فعل هذا، لو تلحظين أن الحرفيين الذي يحركون أصابعهم بنفحة من ارواحهم يبدعون بما يقومون به، كالخياطين، والنجارين، والخزافين والرسامين وجميع المهووسين بسرّ اللمسة وعجائبها.
يجب أن تكون اللمسة محمومة برغبة عاشق  لتفعل أفعالها،”أتعلمين، حين كنت طالباً جامعياً عشقت فتاة، كُنت حين ألمسها أشعر بثورة تقتحم جسدي، لينتصب كُل جزءٍ بي، ولظرفٍ ما انفصلنا لمدة من الزمن، إلا أن اللمسة تلك التي كنت اشعرها اختفت تماماً بعد عودتنا لبعضنا، اصبحت لمستها باردة، لا تحمل سوى مشاعر النكرات والمجهولين، وهنا وجدت استحالة الاستمرار.”قال زياد هذه الكلمات وقد اتكأ جسده على يده اليمنى، ليتمتم”أه إن اللمسة هي  الوجه الآخر من العشق ذاك المتعلق بالرغبة".
“على الرجل أن يختبر لمسة الأُنثى قبل أن يتزوجها، بالطبع بعد أن يجد تلك التي تخلق مشاعر العشق في داخله، همممم ليتك من أصولي، لتزوجتك يا فتاة، فلمستك كانت كفيلة بخلق التفاهم والاتفاق بيننا".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية