جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


يد قاسم وحدائق أفكاره


علي عبد الأمير عجام
1
في خريف العام 1961، كانت يد أخي قاسم الدافئة ترفع كفي برقة وهي تقودني الى”مدرسة التهذيب الابتدائية”الواقعة في مدخل المسيب الشمالي وعلى الطريق المؤدية الى بغداد.
خطواتي المتعثرة في باب المدرسة، وحديث أخي مع أحد المعلمين مشيراً نحوي، هما الملمحان المبكران لأيام ستقودني الى الصف الأول القابع في آخر البناية التي كانت تضج بأصوات التلاميذ في الصفوف الاخرى وهم يرددون كلاماً موقّعاً هو نصوص القراءة.
سنة أولى في مدرسة سأحتاج سنوات كي أعرف معنى اسمها:”التهذيب"، ثم خمس سنوات لاحقاً في”مدرسة المثنى الابتدائية”ببنائها الهندسي الجميل، وصفوف الطابق الأرضي منها المطلة على حديقة، كنت أراها جنة حقيقية لاسيما إنني مبكراً كنت أربط بين البيت الجميل واحتوائه على حديقة، والمعروفة أيضاً بساحة الرياضة وملعب كرة السلة الذي سيشهد أكثر مباريات سخونة بين مدارس قضاء المسيب.
وحين نقلت مع عدد من التلاميذ الى”مدرسة المثنى"، كنت على درجة من السعادة فذلك يعني إنني سأخترق”شارع لويس باكوس"، وهو أكبر شوارع المسيب وأحدثها ويخترق عدداً من البساتين، كما أن الطريق الى المدرسة الجديدة كان يعني خروجاً يومياً من أجواء”محلة أم الصخول”الخانقة حيث البيوت العتيقة والأزقة الضيقة، ومروراً ببناية السينما حين كنت أمر بدهشة تتجدد كلما تم تجديد اعلانات الأفلام، لكنها دهشة كانت ممزوجة بمخاوف تنطلق من تحذيرات أهلي من السينما وأخلاق روادها، لكنني وحين كنت في الصف الخامس امتلكت الجرأة في خرق المحظور، ودخلت القاعة العجيبة التي كانت تعرض فيلم”سبارتكوس"، وكانت دهشتي بلغت بي حد إنني لم اشعر بيد والدي وهي ترفعني من مقعدي بغضب، حين أوصل قاطع التذاكر خبراً لعائلتي فهرع أبي الى السينما ليخرجني منها، ولم تنفع ضربات (عقاله) القوي في أن تنتشلني من حالة السحر التي كنت غرقت فيها، ونمت ليلتها وانا أعيش نوعين من المشاعر: لذة اكتشاف ضوء السينما وحكاياتها ابطالها السحرة، والألم الذي كانت ضربات عقال أبي تركته على ظهري وعنقي، فيما كانت والدتي تحتضنني ودموعها تنسكب على عنقي الملتهب بضربات أبي.
في العام 1961 ذاته، حين كنت في سنتي الدراسية الأولى، جاءت الشرطة و”داست”بيتنا، واقتاد رجال بمسدسات، الى سيارة الشرطة البك آب الخضراء، أخي الذي كان يقضي وقتاً قرب مكتبته في غرفة بالطابق العلوي.
لم يكن الحدث سهلاً عليّ لجهة ما اشقاني منظر أمي وهي تشهق بالدعاء لحرية قاسم عند كل صلاة، ثم تجهش ببكاء مرّ فأمضي اليها سريعاً، وأجلس على طرف سجادتها مستنشقاً رائحة”ماء الورد”في أزارها الذي كنت اقارنه بين ما تعلمته في”القراءة  الخلدونية”حيث”أزار امي ازرق”. ولكن أزار خديجة محمد حسن، كان أبيض، وكنت أتمنى لو تطابق اللون بين ما تعلمته في الدرس الأول، ومشهد أمي وهي تصلي.
الحدث علمني مبكراً أيضاً، معنى الجدية ومعنى المعرفة ومعنى التحدي، فأثيرت حال طوارئ في البيت، لا من أجل اطلاق قاسم من سجنه، بل من اجل ايصال كتب السنة النهائية (البكالوريا) اليه في السجن، فالامتحانات على الابواب، وقاسم قرر تحدي سجنه في الاستعداد للامتحان المصيري الذي يرسم المستقبل (الدراسة الجامعية). أمي استلمت الرسالة ووقفت الى جانب قاسم بقوة في خياره، وجابت من أجل ايصال الكتب الى داخل السجن، طرقاً مغلقة تارة، وسهلة تارة أخرى، ما بين المدرسة ودائرة التربية، والقاضي الذي كان يسكن في واحد من بيوت حكومية عدّة مطلة على شاطئ الفرات.
ولأن النفوس لم تكن مغمورة تماماً بالفساد والنذالة في تلك الأيام، فقد وافق القاضي على حق قاسم بأداء الامتحان النهائي، وأصدر حكماً ألزم الشرطة بتنفيذه، وعلى ضوء ذلك حملت الكتب مع أمي وذهبنا الى السجن، فقابلنا قاسم بفرح لم أجد مثله وقد شعّ في عينيه، وفي باحة السجن احتضن امي، ثم رفعني وانا أبكي مع الكتب التي كنت اضغط عليها، كي لا تسقط وكأنني كنت أحمل سر خروجه الى الحرية.
في السجن نجح قاسم في البكالوريا، صحيح انه لم يحقق نتيجة كاملة وهو الذي اعتاد ذلك في الأيام الطبيعية، لكنه لم يكره”معدله المتوسط”الذي أوصله الى كلية الزراعة، وفي جدية لافتة اعتبر وجوده في ذلك المحيط العلمي تحدياً جديداً فأكمله بتفوق.
2
تخرج قاسم من كلية الزراعة – فرع التربة، ليجد في العام 1966 وظيفة في”معهد بحوث الموارد الطبيعية"، وحينها بدأ مشواري الخاص في معرفة بغداد ومن ثم الوقوع التام في أسر محبتها عبر ممرات وادعة، أخذتني إليها اليد الحانية ذاتها، يد أخي قاسم، حين غادرت عائلتنا الصغيرة مدينة المسيب نهائياً إلى العاصمة.

كأننا قاسم وأنا حقاً، حيث كان يعبر بي”الجندي المجهول”وصولاً إلى”متنزه الوحدة“

كل جمعة كان احتفالاً بهيجاً، إذ كان قاسم يصحبني إلى أمكنة أثيرة: أول النهار في مقهى (سهوت اليوم عن اسمه) يقع موقعه ضمن فندق عشتار-شيراتون حالياً، هو يقرأ في كتاب أدبي أو علمي وبالإنكليزية أحياناً، فيما يترك لي حرية التنقل بين صفحات مجلات”المصور و"آخر ساعة”و"روز اليوسف”المصرية، ويستغرب متسائلاً تفضيلي مجلة”الحياة في أميركا"، لأجيبه: صورها جميلة جداً ومناظرها مدهشة، ومن تلك المقهى تبدأ ما أسميتها لاحقاً الطريق إلى حدائق الجنة، فثمة أسيجة الورد الناعمة حول نصب الجندي المجهول، إلى تلك الفسحة من رياض ملونة في”متنزه الوحدة”الذي بات لاحقاً مكاناً لقيادة القوة الجوية العراقية والموازي حالياً للمسرح الوطني.

كأن الجالسين على تلك المصطبة في هذه الروضة الجميلة”متنزه الوحدة"، هما قاسم وأنا.

تلك الرياض الملونة، كانت تفتح في روحي آفاقاً دونما حد، فقاسم كان يرافقني إلى الأشجار، شجرة شجرة، وإلى الورود وردة وردة، ويوضّح لي أسماءها وأنواعها، وميزات كل منها، فتتسع في نفسي ممرات من المعرفة بالطبيعة وأسرار كائناتها النباتية الجميلة. ثم يتركني لمتعة الركض على تلك المسارات العريضة كأن المتعة الروحية كان ترفع جسدي وتصنع له أجنحة، ترفعه عالياً. كنت أتمنى لو يطول الوقت إلى ما بعد الظهيرة كي لا أحرم نفسي متعة المشي بين صفوف من الأزهار والنباتات وملامة طراوة الأرض المعشبة.
ومن متعة”متنزه الوحدة”إلى متعة الحضور إلى دار للسينما بعروض لأفلام مميزة، يعقبها حديث ناعم يوجهه إلي بطريقة مبسطة عن دلالات المشاهد ومضمون الحكاية التي تعرضها الشاشات في طريق العودة إلى البيت.
يد قاسم التي أخذتني أول مرة إلى المدرسة، هي ذاتها يده التي قادتني إلى رياض معرفة وحدائق فكر حقيقية كانت تضمنها مدينة غاوية أسمها بغداد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية