جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


السردُ البسيط في روايّة "خالي العزيز نابليون"


محمد رشيد السعيدي
    يفترض بالرواية أن لا تتخلى عن الإمتاع، وأن تهدف الى الإدهاش، وذلك من خلال ألعاب، غالباً ما تكون فنية، وقد تكون موضوعاتية. ورواية (خالي العزيز نابليون) الصادرة عن دار المدى عام 2017، من تأليف ايرج بزشك زاده، وترجمة أحمد حيدري، تقوم على لعبة فنية هي البساطة في التقديم السردي.
وقد تكون طريقة البناء، التي اعتمدتها هذه الرواية الايرانية، كبيرة الحجم، سبباً مهماً في نجاحها، مثلما كانت المحلية المفرطة سبباً في نجاح وانتشار رواية أمريكا الجنوبية.
    ليس في هذه الرواية أيّ تعقيد، أو اجهاد، فني، فهي خالية من الاسترجاع، الفن الأجمل في البناء السردي، ومن ألعاب الوثيقة، أو المفاجآت الفنية الأخرى.. كما انها – وهو شيء مثير للدهشة – تفتقر الى الوصف، وهو واحد من أهم عوامل تكوين الرواية.. الافتقار الى الوصف هنا لا يقلل من القيمة الفنية للرواية، بل على العكس، هو عامل يؤكد القدرة الفنية للمؤلف، على كتابة رواية طويلة، خالية من الوصف، وهو الحشو المعتاد في الروايات الطويلة.
    إذن ما سر نجاح هذه الرواية؟
    إنه واحد من الألعاب الفنية المهمة في السرد، وإن لم يكن لعبة تماماً، فهو مكِّون أساس، لا يمكن اطلاق صفة السرد على نص لا يتوفر عليه.. وهو الحدث. اللعبة هنا تكمن في العدد غير المحدود من الأحداث؛ الذي جعل الرواية تستغني عن الفنون الأخرى، ولا تحتاج الى التهويمات، والتحليلات الاجتماعية والنفسية، والتعليقات السياسية، التي قد تكون مثار ازعاج لبعض القراء، أو هي من اسقاطات مؤلف يعاني من عقد نفسية.
    اللعبة الأهم في رواية (خالي العزيز نابليون) تقوم على حبكة المؤامرة، حيث يتسبب الصراع بين البطل الرئيس نابليون، وصهره والد الراوي، بتآمر كل منهما على الآخر، وثمّة مؤامرات أخرى محايثة، بسبب الصراع الأصلي، أو بسبب غيره.. لكن المدهش في حبكة المؤامرة هذه، أو الذي تسبب في اطلاق هكذا تسمية عليها، هو التوالد الكثيف للمؤامرات من رحم بعضها، مؤامرة تلد أخرى، أو انشطار المؤامرة الواحدة أميبياً، أو هندسياً.
    واللعبة الأخرى المهمة أيضاً هي الراوي الطفل، الذي يبلغ من العمر (13) عاماً عند بداية الحكي، ولا يتجاوز الـ (15) عاماً عند انتهاء الرواية.. فنلاحظ أن البساطة – هنا – توأم للراوي، اذ لا يتناسب الأسلوب المترع بالمعلومات، والمكثف بلاغياً، مع سارد طفل.. وربما كان الطفل السارد، واللغة الواضحة السلسة، غير المثقلة بالحشو البلاغي، والرطانة الأسلوبية المقاماتية، هو أيضاً من أسباب نجاح هذه الرواية. وليس الأسلوب البسيط فقط، فوجهة النظر الحكائية تمتعت بالكثير من الحيادية، ومنح كل شخصية المجال للتعبير عن رأيها، أو عن خواصها النفسية الأخرى.
    كما تميّزت الرواية بالسخرية، التي يبدو انها أصبحت أسلوبا روائياً شائعاً في مفتتح الألفية الثالثة، ومن أمثلة السخرية تسمية الخال الضابط المتقاعد بـ (نابليون)، فهو ليس اسمه الحقيقي، ولكن هذا الاسم جاءه بسبب عشقه لنابليون، وتمثله لخططه العسكرية، في حكيه، أو في غزواته القتالية المشكوك فيها. وذلك ما يشد القارئ، ويجعله على تواصل معها، متجنباً كل عوامل الابتعاد عن الرواية، كالوقت والانشغالات الأخرى، حيث سيحدد القارئ وقتاً يومياً لقراءة هذه الرواية، وقت ليس قليلاً.
    الاسترجاع في (خالي العزيز نابليون) كان من خلال حكي الشخصية (الكاريكاتيرية) الرئيسة في الرواية، أو بطلها، اذا لم يكن الراوي المشارك بطلاً، شيء غريب، إن الراوي المشارك، الطفل أو المراهق، وهو يحكي قصة حبه، حتى لتبدو الرواية من القراءة الأولى انها قصة حب هذا الفتى، لكنها لن تكون كذلك، ستضيع قصة الحب في خضم المؤامرات، ومن خلال الاسترجاعات التي تجلت في حكايات نابليون عن بطولاته حين كان ضابطاً في الجيش.
    كما قدمت الرواية نماذج شخصيات، مبنية بدقة واتقان، وبتوازن في التقديم السردي، ربما تكون نماذج الشخصيات تلك جديدة على القارئ العربي، ذلك لأن الأدب الايراني/ الفارسي غير معروف من قبل القارئ العربي، إلا في تراثياته، وبعض من حديثه؛ بسبب قلة الترجمة.
      وقد ركزت الرواية – في لعبة لغوية – على تكرار بعض المفردات، مثل وصف الخال – كل مرة - بالعزيز، وتكرار (مش قاسم) لازمة”لمَ الكذب؟ حتى القبر ها أها"، وتكرار (أسد الله ميرزا) للازمة”ون منت، ون منت”دائماً، واستخدامه، أو استحداثه لتعبير”سان فرانسيسكو”دلالة على العملية الجنسية.
    رواية (خالي العزيز نابليون) ذات بناء فني رصين، على الرغم من تقليديته وبساطته، تعزز ذلك ألعاب فنية جميلة جداً، مدهشة، وممتعة، مما لا تتيح المجال لقارئها بتركها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية