جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أبجدية بابل على العالم


صادق الطريحي
    وهذه رهبانية قديمة، قدم الكتابة التي نؤمن بها، يعرفها الناس؛ بفضل ألواحها ومجلاتها وكتبها، وقد انتسب لها من أهل هذا الوادي المقدس ومن غيره جمع كثير، منهم: كتاّب وكاتبات، وقرّاءٌ وقارئات، ونحاة مدنيون، ورواة من الحاضرة، ومؤرخون،
ومهندسون ومهندسات، وشعراء وشواعر، ومغنون ومغنيات، وأطباء وطبيبات، وكسبة، وأصحاب مهن، وقساوسة، ومشايخ، وعقلاء، وحاخامات، والكنزبرا، ورهبان وراهبات، وفقهاء وفقيهات، وآخرون وأخريات تعلمهم الأبجدية، لا نعلمهم نحن، ولكن من المؤسف جداً أن لم تعلن عن انتسابها حتى اليوم شخصية من تابعيها الأفاضل!
    وليست هذه الرهبانية سرّية أو محظورة؛ كي لا يعلنوا انتسابهم لها، فلم يجرؤ رؤساء المذاهب المتعاقبين، وأصحاب الديانات الحكومية وغير الحكومية، وقادة الثورات الوطنية أو القومية أو الإسلامية على رميها بتهمة الكفر، أو الزّندقة، أو الشّعوبية، أو السّحر، أو العمالة، أو البدعة، أو التبشير، أو التجديف، أو الرفض، أو النصب، أو التفرنج، أو الاستشراق، أو التّصوف، أو العلمانية، أو غير ذلك من المسميات التي تبيح السّجن والقتل.
  وبالمقابل فليست هي علنية أيضاً، وليست لها مقراتٌ ثابتة ٌ؛ بل يمكننا القول إنها تظهر في أوقات معينة، ولمدة زمنية محدودة، فإن وجدوا المكان المناسب، اجتمع شمل أعضائها، صباح يوم الجمعة من كل أسبوع، كي يناقشوا ويتبادلوا المعلومات التي حصلوا عليها، ثم تنشر بعض كتبهم ومجلاتهم، إذ أصدروا أكثر من مجلة تعنى باللغة، وتطور دلالتها، وطرائق حمياتها من الموت المتربص بها؛ بسبب متكلميها، وآخر مجلة صدرت لهم هي (مجلة نابو) وربما كانت (مجلة لقمان) امتداداً لها.
  وغالباً ما يقيمون بعض الاحتفالات الأدبية، مثل توقيع الكتب، ولكن ليس مجاناً، فمن العيب عندهم أن يأخذ القارئ الكتاب بلا ثمن.
  ولعل أشهر توقيع للكتب في العراق الحديث، كان عند افتتاح (مكتبة الأوقاف العامة) سنة 1926 في بغداد الكبرى، في شارع الرشيد، بحضور المغفور له الملك فيصل الأول، ملك العراق المعظم، وتظهر صورة الاحتفال أصحاب ((العمائم والسداير والعقل والكشايد والطرابيش والغتر المتنوعة التي يرتديها رواد المكتبة والحضور الذي دعي إلى حفلة الافتتاح، فإن أسلوب تنطيق مفردات الواجهة يبدو، هنا، أكثر صفاء وبهاءً)) كما جاء في العرض المعماري الذي نشره المهندس خالد السلطاني، في المدى المحروسة، وهو الذي يدعو شارع الرشيد بالشارع الجليل.
    وفي هذا الحفل اشترى الملك فيصل الأول كتاب (أبجدية بابل على العالم) وأعداد مجلة (لغة العرب) كاملة، ووعد الرهبانية أنه سيطلب من وزارة المعارف شراء إصداراتها لتوزيعها على المكتبات المدرسية والعامة، ولكن شراء الكتب تعثر بعد وفاته رحمه الله، ثم توقف بعد انقلاب العام 1958.
    تؤمن الرهبانية بوحدة اللغة، وتعدد الأصوات المؤلفة لها، كما وتؤمن بتغير الدلالات، واستعمال الألفاظ، وتدرك قدرة اللغة على إنتاج كم هائل من الصيغ النحوية الجديدة، وتعتقد أن الإنسان هو صانع اللغة الأول، بفضل ميكانزمات افتراضية، وإنه يصنع من النصوص والخطابات ما يناسب زمنه، وغرضه، وطقوسه، وطريقة معيشته، ثم منح اللغة من الصفات والخصائص ما يشبه بيئته؛ ولا شك في اختلاف بيئات العالم الطبيعية، وتباين أثرها في المزاج الأدبي، والنفسي، فضلاً عن لون البشرة، وزمن النمو الجنسي؛ لذلك كتبوا بالخط الكوفي على باب الرهبانية :
(الاختلاف أساس التّوازن)
  وليس بعيداً عن بيتنا في محلة المهدية، في بابل المباركة، وفي زاوية من تقاطع يؤدي إلى خمسة أزقة، حيث يؤدي الأول إلى خان الخواجة، أول مستشفى في الحلة، ويأخذنا الثاني إلى السّوق المسقف الكبير بعد أن نزور مرقد الفقيه ابن القطان الأنصاري، أما الزقاق الثالث فيؤدي بنا إلى مسجد الشاعر مهدي الفلوجي، ويمرّ الزقاق الرابع ببيت الشاعر ابن جيا، أما الزقاق الأخير فيرجع بنا إلى مسجد الطريحي، أول كتّاب في الحلة، ففي هذا التقاطع ثمّة دار واسعة ترتفع بثلاث عتبات إسمنتية عن أرضية الزقاق، بنيت بحجارة صقيلة من الجف قيم، تتوسطها باب خشبية عالية من السّاج الذي فقد لمعانه، وبمطرقة برونزية مرتفعة بالنسبة لنا، بوصفنا أطفالاً، كنا نتهجى هذه الجملة قبل أن ندخل الدار في صباحات الجمعة الجميلة، حيث سيقابلنا (شذروان) أزرق يتوسط باحة الحوش، تحيط به أبواب الغرف الموصدة دائماً، وقد رسمت على الجدران صور السيد المسيح، وأمه العذراء مريم، وصور أخرى محيت تماماً...
ـ لماذا هذه الأبواب مغلقة دائماً، عمو خضر، ألا يذهب أولادهم إلى المدرسة مثلنا!
  فيجيبنا الحاج خضر عبد الأحد مبتسماً، وهو جالس أبداً على الحصير مقابل الشذروان، والكتاب في يده لا يفارقه :
ـ أنا بانتظارهم يا أصدقاء، عندما يأتون ستذهبون معاً إلى المدرسة!!
    وحين كبرت عرفت أن هذه الدار كانت بيتاً للأبجدية في عهد ما، ثمّ آلت إلى ماهي عليه اليوم، ولكن الدرويش خضر عبد الأحد ما زال يجلس على حصيره مقابل ما بقي من الدار، والكتاب في يده لا يفارقه.
    وتشترط الرهبانية على مريديها الأفاضل أن يحسنوا الرياضيات والهندسة والموسيقى بجانب اللغة؛ لإيمانهم أن (العالم عدد ونغم) كما يقول الرياضي فيثاغورس الذي زار بابل، واطلع على مبادئ الرهبانية بلا شك، وربما كان أحد تابعيها، من أجل ذلك تعرّف الرهبانية الشّعر، بأنه تواشج موسيقي بين اللغة والإنسان؛ لمنحنا لذة معرفة الوجود، والإحساس بمشكلاته عن طريق الإيحاء، وأن القصيدة بناء هندسي جديد للعالم، كما وتؤمن الرهبانية أن الموسيقى تورث المحبة في القلب، وأن الهندسة قادرة على تقديم إجابات متعددة لمسائل العالم اللانهائية.
  وتقدر الرهبانية فن العمارة، وللمعمار عندهم المنزلة الأولى؛ لأن العمارة تعني ثباتهم مقابل الريح والرمل والصحراء، وأن المعمار القدير هو من يمنح الناس الأمان، ويدع لهم متعة اختيار التصميم الذي يناسبهم. وللعمارة عندهم معنيان متلازمان: الإنشاء، والإيمان بالسّلام، ورغم أن الكثير من تكويناتهم المعمارية قد سلبها الآخرون، ونسبوها لهم، إلا أن الرهبانية مازالت على إيمانها بمعاني العمارة.
  وأما هذه المقالة فهي دعوة للمشاركة في ذكرى الظهور الأول للرهبانية عن طريق (الكتاب الخصيب) وهو الكتاب الذي مازال يحمل أكبر رقم في عدد النسخ المطبوعة، حيث سيقام الاحتفال صباح الجمعة، في البيت العتيق للأبجدية، في محلة المهدية، قرب نهر الفرات، في بابل المباركة، في الوادي المقدس، ميسوبوتاميا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية