جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


الراسخون بالفضيلة.. لاستعادة إيمان مزعوم/ والفقراء حطب الحروب


سناء الطالقاني
بعد ان عشت عقوداً  في المنفى مجبرة، زرت بغداد في عام ٢٠٠٩.  كان قلبي تحت خيمتها يجالسها محبة ويتوق لتلمس ملامحها، لكني ادركت ان معالم المدينة قد تصدعت كان وجهها ذابلا وخطوطها منكسرة، كل ما فيها من فوضى يبعث في نفسي الاسى وجعلني أتنفس أبخرة أزمان مضت، فقدت شيئا في
                        داخلي لا يمكنني استعادته.
أجوب ابعادها اكثر  فأكثر نحو اطرافها ولون بيوتها، الفاقعة في اللون او المزمجرة أقارنها قبل أعوام حينما كانت تأخذني بذراعيها بشوق...والان أجاهد ان لا اصدق ما تراه عيني وانا المتشوقة لها بحرقة عجيبة واحمل كل قوافل الفرح لها وهي تمانع ولعي بالصد.
انزويت..  وودت لو كانت أسلاك الهاتف المعبر الوحيد لي ولها.
خُٰلعت عنها أثواب الفرح عنوة، واصطبغت بالسواد،  وهذه الصور التي لصقت  على جدرانها، وتكشف سيرها!  لغرض الانتخابات،  ترى القاتل في جوفها،  لاصحاب الشأن المدججين بالموعظة، بثورا على وجه الصبية (المدينة) ومن وحي كآبتها المستديمة  كانت تكابر بألم، لكن قدري ان املك ذاكرة لا تمحى وقدرها ان تهدأ من روعي وكأن لسان حالها يقول:
"أدخلوني عنوة  في حسابات وصفقات المنتحلين لصفة الساسة وصرت مغتربة في داخل الجسد/ الوطن. وفي ذاكرتي صور للرثاء بين جوانحي".
تصدمني بقوة والمضادات الحيوية لا تقي من نهش الفيروسات المحيطة بالبيئة خارجيا وداخليا. اشعر وكأنها آيلة للسقوط، متداعية يروح ويجيء فيها بشر جياع ويقطنون بيوتا تفوح منها المرارة والجوع.
حدثوني عن المقابر المجهولة منها والمعروفة، وفي الأعياد والمناسبات، يتوجهون اليها، يكثرون من الدعاء وطلب المغفرة! لا لشيء بل لانها عادة تأصلت بفعل خفوت الأمل وتشوش اليقين.
كانت الجداريات الكونكريتية الممتدة على الطرق الرئيسية، ميتة وباردة الملامح،  تجعلني انظر الى السماء، رحمة بالأحياء!  هذا العزل الكونكريتي بين الأحياء السكنية، ذكرني بالعزل العنصري الذي اقامته قوات الاحتلال الاسرائيلي إبان انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٢. هو خراب طبرغرافي للمدينة، مارد ترساني يمعن لأدخال شروخا للملامح وكأنه يعلل تعليلا مطلقا انها مدينة الخوف.
توحي لي انها غير آمنة، قديما قالوا ان المدن  بأهلها، بطريقة ملابسهم وأسلوب حياتهم المبهجة، لم أر ذلك، بسبب الضغوط عليها تفاقمت ازمتها وتشظت مشكلتها الخدماتية والبيئية، واختفت مباهجها الا بمقدار ضئيل لكن الاجمل فقد لاحظت التماعات حضارية لدى بعض عوائلها في مسايرة العصر عبر المقاهي والأسواق وحفلات الأعراس برغم كل الأوضاع الأمنية المتدهورة. رغم انها نواتات غير ظاهرة على السطح تماما لندرتها وقلتها.
احسست باغتراب أشد  حينما نظر إليَّ  ضابط نقطة التفتيش منزعجا بملامح الشك:
لأَنِّي لم أكن محجبة.. ولان ضحكتي مع ابنتي في داخل السيارة، كانت مدوية لم أراع الاعراف الجديدة / غض النظر بامتعاض واومأ بالسير، احسست بغداد كمرآة لا تخلع عنها غبار الازمنة.
صار التقديس عرفا وتجاوز حدوده المعقولة، للمكان والأزمنة والمرجعيات وأناسها وتناسخت في الذاكرة فلا تجرؤ على السؤال حتى تكون موضع اتهام لمجرد مخالفتك الامر.
وهذا الذي يتمترس بكل العتاد الطائفي، يتفنن في تسويق بضاعته،  في الماضي لم يكن له وجود الا بقدر ضئيل، واليوم و بفعل تهميشه للآخرين  صار اليوم يروج لها ويبذر بذوره العفنه في تربة لم تجف عليها دماء احفاده! هذه المسميات السني الناصبي الإرهابي والشيعي الرافضي، ما عاد افتراضيا بل واقعا..
في السابق، كان الله في قلب المؤمنين  ويدعوهم لفعل الخير، بات الان بساطا للارتزاق ووصفة الاصطفافات للكتل الاسلامية بل وصل الامر ان تُنتج طبقة لمريديهم تتوزع وتنتشر بشراهة  في الوظائف العامة ووطدت تدريجيا سلطة العشائر ليكونوا أدوات طيعة تنفيذا لمصالحها، الألقاب تطفحت وباتت العشيرة محمية،وتدريجيا عملوا على احلال الاعراف والتقاليد  المقبورة للتمدد عبر لوائح تنظم علاقات البشر محل القوانين والانظمة. أبدعوا في الخطاب المنمق واسكنوا في عقول الناس الخرافة وبقايا الوصايا، في سيل جارف لمظاهر المدنية، هذا الهذيان الغير متصالح مع نفسه ويلغي الاخر،  حقق سيادة وأوقع البلاد في متاهات خطيرة.   
لم نكن يائسين أبداً
لكن الخيل المدجج بالمعالم المتهالكة 
صهيل حروب!
يمتطيه جاري العاطل عن العمل
ويحمل سيفا من خشب
والجائعون يطلبون دوما.. دوما
المغفرة لذنوب  لم يرتكبونها 
ومساءهم بارد
ولا  يقي جلودهم
سوى النسيان.
كانت رحلتي أشبه بالبحث عن وطن مفقود،شطرني بين التذكر والنسيان، وحتى لا أصل لدرجة الانفجار، احتفظ بهدوئي قليلا لاقول /ربما معجزة ستحل ولا ادري متى؟  ليعود هذا الوطن  معافا ف
ولا بد لمنطق  الحياة وعنادها، اعادة نسقها الطبيعي بعد ان عاش وضعا مأزوما طال أمده. ولكن بإرادة حرة. بفعل إرادة شعب حر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية