جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


اترك مكتبتي لمن يجرؤ على حرقها!!


حمزة عليوي
وبمقدار هذا الحب ثمة كره مسعور ورغبة متأصلة تستبد بعقل أية سلطة في العراق ضد الكتاب وصناعه. وفي سياق آخر، ربما تستحق "الحكومة العراقية"، أية حكومة، قبل خمسة آلاف سنة، أو بعدها ويزيد، جائزة عالمية تثمن جهودها المتفردة بمحاربة "عدو المجتمع" الأول: الكتاب..
والحق أنها جائزة مستحقة تنسجم مع فرادة المهمة ودوامها لآلاف السنين، وليتفضل علينا من يُحسن الظن بحكومة عراقية واحدة، لم تكن مهمة حرق الكتب من اولى مهامها الوطنية الكبيرة، وليذكر اسمها، لنبحث في سجلها الناصع البياض ونرى؛ فكل حكومات بلادي، المنتخبة أو المنقلبة على سابقتها، تعدّ البيان رقم واحد، وتضع له حاشية، تقول: احرقوا كتب وادبيات وصحف ومنشورات الحكومات السابقة. وهو ذاته شأن كل حضارات البلاد، ومن لديه شك ليسأل كتب العجوز "طه باقر" وغيره من قرّاء الطين العراقي. ولا تحسبوا أن ما اكتبه الآن هو شتم لحكومة بلادي الحالية، فهذا مما لم افكر به مطلقاً، لا خشية منها، وهي التي لا تسطيع أن تحمي البلاد واهلها، وانما لأن انفي تعرف رائحة واحدة عشت معها منذ نعومة اظفاري، هي رائحة الكتب المحروقة. وفي ارشيفي صور شتى، وبألوان مختلفة، لكتب احرقت بأمر حكومي نافذ تنفيذاً لحواشي بيانات حكوماتنا المجيدة. والحق أن ما أشارت اليه الدكتورة لقاء موسى، في منشور لها، عما لا اتردد مطلقاً بتسميته بالجريمة النكراء التي اقترفها مسؤولو دار الشؤون الثقافية آنذاك، وقد اخذوا على عاتقهم تنفيذ الأمر الحكومي القاضي بحرق كل ما يتصل بالبعث وادبياته، إن الأمر ذاته كنت قد واجهته عام 2003، وكنت وقتها المشرف على مكتبة كلية القانون بجامعة كربلاء، ووصلنا كتاب من الوزارة يطلب به حرق كل ما يتصل بتراث البعث، وفي وقتها دخلت بجدل طويل مع العميد، ورفضت تنفيذ القرار، حتى لأن العميد وكتب لهم: انهم قد احرقوا الصحف، وكنت قد حاججته بأن هذه الصحف والكتب انما هي وثائق ولا يمكن اتلاف الوثائق، وإن من اصدر هذا الأمر يجهل طبائع الأمور، ولا يفهم أن أجيالاً أخرى ستأتي بعدنا وتطالب بقراءة تاريخ ما حدث، وفي النهاية أنه تراث العراق، وإن صدر عن حزب البعث أو غيره، وإن هذا الأمر سيكون مقدمة لحرق أدبيات كل الحكومات العراقية التي ستختلف مع احزاب السلطة الآن "وأشدد الآن؛ فلم يختلف الامر منذ عام 2003 حتى الآن"..! والآن لنتصور أن الحكومة، الحكومة ذاتها، هي التي تطلب حرق الكتب والصحف.. وهو، مع الأسف، مما اعتادت الحكومات العراقية المتعاقبة على أن لا تختلف عليه مطلقاً: حرق الكتب الذي لا أراه مختلفاً عما كان يحصل، من قبل، في كل تاريخ بلاد ما بين النهرين، فكم حرقت الدول والحضارات المتعاقبة "والأصح، ربما، أن نقول المتصارعة"، من تراث، وكم دمّر من آلهة..!! وفي سياق السلوك الحكومي الخاص بحرق الكتب، فإني مازلت اتذكر مشهد حرق الكتب، وهو ما كنت أراه وأنا طفل صغير، خارج حدود مدينة بابل الاثرية حيث نشأت وكبرت واعيش الآن: كانت سيارة تأتي الى تلال بابل، ويختار ركابها "بالطبع هم موظفون يتبعون جهة بعينها: وأغلب الظن انهم يعملون في مؤسسة امنية" مكاناً منخفضاً ويخرجون الكتب والصحف والمجلات ويحرقونها، ولا يتركونها حتى يتأكدوا أن الكتب قد اصبحت رماداً أو في الأقل أنه من غير الممكن ان يستفيد منها أحد بعدها. كان هذا المشهد يتكرر عدة مرات خلال السنة. مرة تمكنت، وأنا ذلك الصبي الصغير، أن اقرأ عنواناً لكتاب ضخم، مازلت اتذكر ذلك الخط المائل الذي كتب به العنوان، وفيما بعد سأعرف أن ما احرق هو كتاب "نهج البلاغة" بتحقيق ابن أبي الحديد المعتزلي. ولم اندهش مطلقاً عندما فرّطت الحكومة بوثائق حزب البعث، وهي وثائق الناس وحكاياتهم بالمناسبة، عندما نقلته الطائرات الامريكية ليستقر في خزانة معهد هانوفر، مثلما اني قد فهمت تهريب التراث اليهودي كأمر طبيعي جداً؛ فهو السلوك الوحيد الذي تفهمه الحكومات العراقية المتعاقبة، وهو ما كانت تفعله الحضارات العراقية المتعاقبة كلها، ان تتلف تراث الحضارات السابقة عليها. ولم يكن بيدي من أمر سوى أن اهزّ رأسي أسفاً، وأنا اسمع الكاتب "فؤاد التكرلي"، في آخر لقاء تلفازي معه قبل وفاته، وكان يتحدث عن مكتبته الضخمة، قال: كانت المكتبة مشكلة كبرى عندي؛ فأين أضع مكتبة تزيد عن "15" الف كتاب؟ وكان قد أودعها، أولاً، في بيت صديقه ومجايله: مهدي عيسى الصقر، ثم كلّف من كلّف ببيعها..! وفي ذلك الحديث قال التكرلي: أين أضع مكتبة ضخمة في بلد ليست فيه مكتبة!؟
نعم، لم يكن أمامي سوى أن أهزّ رأسي، واتذكر كيف أني بددت اكثر من ساعة اتجول في منطقة "شميساني" بعمان، وأنا اسأل، مع صديق اردني، عن مقر المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ساعة كاملة لم اترك أحداً ممن يعمل هناك: اصحاب المحلات، روّاد المكان، عن دار الفارس، فرع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان، ولم أصل الى نتيجة، وبعد أن هدني التعب خرج أحدهم مما يشبه النفق، وسألته، فأشار الى النفق، وقال: هنا يا رجل! فما يعني هذا الأمر؟! الحق أني لم افهم منه سوى أن الناس هناك لا يعنيهم الكتاب مطلقاً، بخلافنا، نحن الذين ندّعي دائماً حب الكتاب، وهو أمر لا أصحّ منه، وربما لأجله نعبّر عن حبنا للكتاب بأن نحرقه، كما لو أن هناك قوة قاهرة تجبر الناس على حرق الكتب، مع حبهم له فإنهم يحرقونه باستمرار، وهذه القوة ليست سوى الحكومات العراقية المتعاقبة.. نعم هي هذه الحكومة، أو تلك، أو التي سبقت غيرها، وكلهن سواء.
في العراق المكتبة مشكلة، بل مشكلة المشاكل: مشكلة لصاحبها، مشكلة للحكومة، مشكلة لمن يرثها، مشكلة كبرى تنتهي دائماً بالحرق.. اقول مشكلة لأنها تعني دائماً أن هناك وعياً يكبر وينمو، والحق أن لا أحد يريدك أن تفهم وتقول وتقرر.. نعم، لا أحد يريدك أن تعرف.. حتى صديقنا العزيز اسخليوس، كان قد ترك اوديب، صديقه، يصرخ بوجه شبحه: المشكلة في المعرفة.. المشكلة في المعرفة!!
وعندنا تنتهي هذه المشكلة بحرق الكتب.. وبيقين أنه لم يوجد مثقف عراقي لم يحرق كتباً من مكتبته، إن لم يُجبر على حرقها كلها، حتى عجوزاً كأمي دارت عينيها نحو كتبي القليلة وقتها عندما أخذني الأمن عام 1994 مع صديق، قالت لشقيقتي: لنحرق هذه الكتب، ولأمر ما لم تستجب الشقيقة لطلبها؛ فلم يدخل رجال الأمن للبيت، اخذوني وغادروا، وصارت المشكلة كيف أعود، وليس حرق كتب الكلية القليلة. نعم، ليقل لي أحدكم أنه لم يحرق كتاباً من قبل، فقط ليرفع اصبعه..!
والآن كم أنا حزين لأني سأترك لبنت رقيقة وأمّها: مكتبة كبيرة، وأنا اعرف نفسي جيداً، أعرف مقدار جبني وتخاذلي، ولن اقوى على حرق مكتبتي قبل لحظتي الأخيرة... سأترك مهمة حرقها لهم... أو لحكومة قادمة، أو هذه القابضة على رقبة البلاد، أن تحرق مكتبتي.. هذا شأنها وهي التي تتحمل إثمه، كما لو أن هناك حكومة عراقية واحدة لا تملك سجلاً ضخماً من الموبقات والآثام، هذا أبسطها، هذا أبسطها، ولكم أن تعدوها واحدة فأخرى، هذا شأنكم.. هذا شأنكم!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية