جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أوبـرا الأيّام الستّة


متابعة: صادق الطريحي
ما زال العرض مستمراً مذ عُرضت للمرة الأولى في بابل العاصمة، في إحدى ليالي الجمعة على المسرح اليوناني الذي شيّده الإسكندر المقدوني قرب السّور الداخلي، شرقي القصور الملكية؛ حتى هذا العرض في ميناء الفرات الكبير، في دار الأوبرا السّومرية الذي يشاطئ النهر، وقد صممته المعمارية زها حديد ليحاكي آجر بابل الأحمر،
ومعبد إيساكلا (البيت الرفيع).
  واختارت زها حديد هذا الميناء في مدينة أكاد (بيت الأجداد) لإنشاء دار الأوبرا فيه لأسباب عدّة: أولها، الأمان والنّظافة، بفضل ثلة ٍمن الجنود البابليين المرابطين في الميناء حتى اليوم، ثم قربه من مدينة بغداد، إذ لا يبعد عن جامعتها في الجادرية سوى 112 sidu  (شد) في القياسات البابلية، كما يستطيع السيّاح الوصول بسهولة إلى دار الأوبرا من ميناء بصرياثا صعودًا ضد التيار بوساطة القوارب الحديثة، ثم العودة مع التيار عن طريق السفن الخشبية القادمة من أعالي الفرات، حيث ستفكك وتباع أخشابها.
    خصص العرض الأول للجنود اليونانيين، وقد حضره الإسكندر مع قواد جيشه، ويقال إنه طلب من الفرقة الأوبرالية السّومرية أن يشترك الجيش معهم ككومبارس، أما الكورس فقد اختير بعناية فائقة من الطالبات والطلاب الأجانب الذين يدرسون اللغة والرياضيات في مدرسة سبار (أبو حبة).
    أسست الفرقة الأوبرالية السّومرية من قبل مجموعة من الشّبان والشّابات، الطّيبين والطّيبات، المنشدين والمنشدات، الرّاقصين والرّاقصات، العازفين والعازفات في معابد بابل وسومر عندما وجدوا أن المناسبات الدينية ما عادت تستوعب خيالهم الموسيقي الواسع، وأن المجتمع بطبقاته كافة مستعد أن يدفع بعض الشيقلات الذهبية مقابل حضور إحدى الحفلات في ليالي الجمعة المباركة.
  ولعل أول ما تتميز به هذه الاوبرا هو موضوعها الذي لم يتغير كثيراً، وألحانها التي وضعت لها، ولم يتغير فيها سوى توزيعها الموسيقي والآلات التي تؤدى بها هذه الألحان، فمن القيثارة السومرية والعود الأكديgudi  والمزمار اليوناني المزدوج، إلى الصنوج والدفوف والأبواق والعود الفارسي، حتى الهارب والعود العربي، ثم الجوزة والسنطور والنقارة، ثم الكمان والبيانو والجلو وغيرها من الآلات الغربية الحديثة.
  أما شخصيات الأوبرا فليست هي كما في الملاحم، إذ تغيرت من الآلهة، أو أشباه الآلهة إلى الإنسان، ليس في صراعه مع الآلهة، كسرقة النار مثلاً، أو الجدال حول الخلود؛ بل هو صراع الإنسان مع الإنسان، أما الآلهة فلا تظهر في هذه الأوبرا، وليس لها أيّ دور، ولكن الجوقة تتوجه بالدعاء لها مرة، أو بالعتاب لها مرات ومرات، ومع ذلك فلا نسمع ردّها، وهنا تظهر عبقرية الموسيقار بتأليف مقطوعات موسيقية مختلفة بديلاً لردود الآلهة!! وكأن الموسيقى هي الآلهة نفسها، ولعل عازفاً موسيقياً من بابل العظمى، يستطيع أن يوضح هذه الموسيقى أفضل مني.
    تفتتح الموسيقى الشعبية العراقية المصاحبة للأعراس المشهد الأول على حقل شعير سومري، غرّة نيسانو، في حفلة زواج فلاح شاب من فتاة بمثل عمره من المدينة، ويؤدي طقوس الزواج وكتابة العقد كاهن حليق الرأس بردائه الكتانيّ الأبيض، وإذ يوزع شراب البيرة الشّعبي بسخاء على المدعوين، ويؤدي الراقصون رقصة الهجع، نستمع خلال الحفلة إلى حوارات حول إنشاء شركات مساهمة لتصنيع التمور، وإنتاج الأدوية، وتصدير الأرز، وإنشاء جامعة في دورة دجلة، أما الكورس فينشد بمصاحبة العود والكمان مقطعات من حجازيات الشريف الرضي (رضي الله عنه)، ومن شعر العباس بن الأحنف (قدّس الله سرّه)، بينهما فاصل من قصائد الكاهنة البتول آنخدوانا، بمصاحبة القيثارة السومرية.
  أما المشهد الثاني فهو الحقل نفسه، نرى الفلاح مع زوجته الجميلة وهما يبذران الحقل، يغنيان ويرقصان، ويتبادلان الغزل، وبعض القبل السريعة، وعندما يسأل الفلاح زوجته عن سبب غياب والدها عن حفلة الزواج تخبره ببراءة، إن بعض قواد الجيش يلتقون في بيتهم عصر كل أسبوع، ونستمع خلال المشهد إلى مجموعة من الأغاني العراقية لسليمة مراد وعفيفة اسكندر ومحمد القبانجي، ولكنه ينتهي بموسيقى سمفونية تنذر بعاصفة، لا ينتبه لها الزوجان. 
  تفتتح الموسيقى العسكرية المشهدين الثالث والرابع في الحقل نفسه، مارشات عسكرية، وصليل سيوف، واحتكاك دروع وسرفات واطلاقات نارية، وبدلاً من حفلة الزواج نجد الكهنة والجنود بملابس عسكرية مختلفة الأزمان يجوبون الحقل، يحطمون الأثاث، ويقطعون الأشجار، أما الكورس فما زال يغني، لكن صوته مبحوح ومتقطع ولا يكاد يسمع، يضايقه الجنود فيتسرب بعض أفراده، فيما يلبس الآخرون الملابس العسكرية ويندمجون مع الجيش.
  وفي المشهد الرابع يظهر الفلاح السّومري وهو يبحث عن زوجته، وهنا نسمع غناء الزوجة من بعيد، يقترب الصوت قليلاً، قليلاً ثم يلتقيا، فتصير الأغنية ثنائية (دويتو)، وينتقلا إلى البيت؛ لكن الجيش يعتقل الفلاح السّومري بتعسّف. أما الزوجة فيأخذها والدها بقوة، ولا حوار مفهوم في هذا الفصل.
  يفتتح خماسي بغداد الموسيقي المشهدين الخامس والسادس على قاعة سجن مع زنزانات انفرادية، ونشاهد في السجن بعض الكهنة، وقواد الجيش والجنود، وأصحاب الشركات والمعامل، والأهالي، متصالحين مرة ومتخاصمين مرات، وهم في حوارات هادئة وصاخبة، وشجارات في الأيدي؛ لكنهم يسكتون ويكفّون عن المشاجرة إذ يُقرأ المقام العراقي، أما الجوقة فتنشد مقصورة الجواهري العظيم بمصاحبة الفرقة السمفونية.
  يحدث شجار في السّجن بين الفلاح السّومري ووالد زوجته، ويتهم أحدهما الآخر أنه السّبب وراء الأحداث، وينتهي المشهد بسقوط الرجلين وجدران السّجن معاً، ونجد أنفسنا في حقل الفلاح السّومري مرة أخرى، وبمصاحبة البيانو يركض الجميع باتجاه الحقل مسرعين، حيث يبدأ المشهد الأخير.
  تطببُ المرأة زوجها، وتساعده في النهوض بمصاحبة الغناء الريفي، فيجد أن حقله تحول إلى ثكنات عسكرية، واسطبلات، وقاعات فارغة، يشغله الكهنة والفلاحون الذين كانوا يعملون في حقله وقد تحولوا إلى جنود، ويبدأ سجال بينهم حول ملكية الحقل، ويظهر الفلاح رقماً طينية تسجل ملكيته، وفيما هو يساجلهم تغني زوجته بمصاحبة الفنان صفي الدين الأرموي:
يا حبيبي، أيّها الطفل ُالأمين
هذه الأرض ُلنا..
فيها طعام ُالفقراء،
ورقيم ٌ من كلام الأنبياء...
فاغتنمها، وابذر الحَب ّالجديد
واسقنا من مائك الطّيب..
كي تبقى الحياة.
تنتهي الأوبرا بهذه الأغنية في اللغات العربية والأكدية والآشورية. ولكن العرض ما زال مستمراً كما تتذكرون.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية