جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


الشيء والمكان


أسعد الأسدي
نجهز لحضور الشيء فنعد له مكانا يخصه. ليس يمكن للشيء من دونه أن ينال فرصته في الحضور. يكون للشيء أثر في المكان، كما يكون للمكان أثر في الشيء. وليس في حضور ما يلزم تجاور أو التصاق، ولكنه تدخل في الحضور.
تلك سياسة الأمكنة إذ تؤوي الاشياء وتمنحها انتماءً. تلقي بظلالها على ملامح الأشياء، كما تفعل الاشياء حين تحل في الأمكنة، وتلقي بظلالها عليها. تتوق الأمكنة إلى الأشياء، كما تتوق الأشياء للأمكنة. لا تطيق الأمكنة الفراغ وهي تجوع وتتعطش إلى الإشغال.
(1)
حين تحل الأشياء في الأمكنة، يحل فيها الهدوء والإكتمال، اذ ان سعادة الأمكنة أشياؤها، وفوز الأشياء أمكنتها. تتوضح الأشياء وتتمايز، وتمتلك ملامحها، وهي تشغل أمكنة تخصها. حضور الشيء في حيازة مكان يخصه، ليس لأنه المكان الذي يشغله، ولكن الذي يشَغله، اذ يمنح الشيء المكان إحساسا، يمكنه من سطوة فيه. حجم الشيء وشكله وتفرده قوى سطو في المكان، تبني من حول الشيء فقاعة فعله. وهو غير ضمور الإحساس به، والتغافل عن حضوره حين يكون أحد أشياء كثيرة، تصطف وتتجاور متزاحمة، من دون أن تحظى بمكان يخصها. ان في المزيد من تخلق الشيء، المزيد من حضوره، ومن تمكنه من المكان وسطوته فيه. ليس إشغالا للمكان ولكن إنتاجا له. ونحن ننتج المكان ونتدخل في مكانيته بقدر ما نشغله، كما نتدخل في شيئية الأشياء تلك التي تفعّل ممكناتها. تحضر العمارة في المكان، وتشتغل على وفق نظام تقترحه، رغبة أو شعور أو هدف، وهي تولج القصد في فوضاه. 
(2)
حضور الشيء في المكان يفيض عن المصادفة. يتلوها، وهو ينبئ عن امتثال المكان لحضوره، وحيازته شرعية الحضور. قدرة المكان على ايواء الشيء، مثل نية الشيء اشغال المكان. ليس رغبة طرف واحد. حيث العالم ليس غرفة خزن كبيرة، بل هو فضاء عيش الاشياء. للشيء حصته، وللمكان حصته ايضا. والعيش تعايش، وليس اشغال فراغ محايد. اذ لا يقدم المكان للشيء السعة، ولكن يقدم الاتساع، وتلك نيته ان يتسع للشيء استحضارا له، هو المكان الذي يضيق بالفراغ فيستدعي الشيء، حيث يمنح المكان للشيء، ويمنح الشيء للمكان، ليس نهبا، ولكن يعوز المكان الشيء، كما الشيء يعوزه المكان. توضع الاشياء في الموضع الذي تقترحه ليس ضرورة، ولكن تبعا لتعود، او تاريخ حضور، او توافقات مع اشياء قريبة، او فراغ موضع، يوافق اقتراحها ان تلجأ اليه. وقد تذهب اختياراتنا معاندة تلك الاقتراحات، ومشاكسة وضوح سبيل الشيء نحو موضعه، تجدنا نزيح الشيء صوب موضع جديد، مجانبة للتعود، بقصد الانشغال بالشيء، وجذب الانتباه اليه، او تفرده بنا، حد ان ننحاز اليه، متشاغلين عن الاشياء، والمواضع التي تعتقد اهليتها ان تحوز عليه، او نوايا اخرى تدعوا لموضعته في غير موضعه، والغريب ان يتمكن الشيء من قوى جديدة في المكان، تحرك ممكنات بريئة ومبتكرة، تصنع توزعات مختلفة للشيء، يرتادها وينتج ظلالها، في حضورات بقية الاشياء. تلك هي لعبة الفن، عندما يختار ما لم يبلغه الاختيار. ندرك ذلك حين نتأمل لوحة لبيكاسو، ونلحظ سياسته اللاذعة في معاندة الاشياء، ولي عنقها نحو تشكل جديد وتموضع مختلف.
(3)
لست أكره الأشياء، غير انها كثيرة بشكل قد يبعث على الملل. كانت القاعة واسعة وفارغة عندما ابتدأت، غير ان الاشياء لم تدعها تنعم بفراغها وسكينتها، دخلتها الكراسي العديدة، واصطفت الى جوار بعضها، وهي تنتظم في تجاور وتتابع لحوحين، لا يخفيان تعديها على اغلب مساحة القاعة واشغال الكثير من فضائها. الطاولات وقد توزعت بعض الامكنة، ترافقها كراس منفردة هنا وهناك. ستائر بدكنة لافتة تطفئ الكثير من ضوء النوافذ. مربعات مفاتيح الانارة تعلن ندبها على نعومة الجدران، في غير موضع. مربعات الضوء حليبية اللون تشغل سقف القاعة. اشياء كثيرة، يصعب الترحيب بها على ذات القدر من الحفاوة، تأتي بأشكالها والوانها وعلاقاتها، شاغلة كل ما يتاح لها من امكنة القاعة وجدرانها، فتصبح مكتظة ومشغولة حد الارتباك. حيرة الامكنة وهي لا تترك لحالها، تطاردها الاشياء وتعنفها اذ تحلّ فيها. يندر ان يخلو مكان من شيء. يحضر المكان، وتبدا الاشياء طمعها في اغتصابه. ومع ان الشيء يشغل مكانا، غير انه يمد في تأثيره في مساحة اوسع. يشغل بذلك المزيد من المكان. لا تترك الاشياء الامكنة مشغولة بسعاتها، اذ هي تعتقد ان الامكنة مواضع اشغالها، مع ان الكثير من الامكنة، تبدي رغبتها الواضحة ان تكون لوحدها. يشغلها فراغ اقل وطأة من حضور الاشياء.
(4)
الاشياء وهي تشغل الأمكنة هل تمحوها؟ هل يغيّب الشيء المكان وهو يحل فيه؟ يزيح الشيء المكان ويحل فيه، وعندما يغادره يحل المكان من جديد، فيخلو المكان من الشيء، ولا يخلو من المكان. وفي فراغ المكان من الشيء، فراغ من الشيء، وليس فراغا من المكان. هل ينفذ المكان في الشيء ويغيب، ساعة يحل الشيء فيه، حتى اذا تجاورت الاشياء وتلاصقت، غابت بوجود الاشياء الامكنة؟ او ان الامكنة فراغات، لحين تشغلها الاشياء، وسوى الفراغات هنالك امكنة الاشياء. ليس في الامر فناء، ولكن امكنة مشغولة بأشياء، واخرى فارغة منها. لحين تأتي اشياء جديدة كي تشغلها. وهل يغيّب المكان الشيء حين الشيء يغادره؟ الشيء وهو يغادر المكان يترك فيه اثاره، اقلها اثار غيابه، تسكن ذاكرة المكان. ويحتفظ الشيء في ذاكرته من المكان بأثر. يحل الشيء في المكان، ينغرز فيه. ويحل المكان في الشيء، ينفذ فيه.  بين الاشياء والامكنة لعبة متواصلة، من الحلول والتنافذ. تبادل الذكريات وحمل الاثار. تصنع الاشياء وتشغل الامكنة، متنقلة من مكان الى اخر، بين حلول في مكان او حلول في سواه. يغيب الشيء عن المكان، فيغيب عنه المكان. وحين يحل في المكان، يحل فيه المكان من جديد. الشيء نتاج المكان او بعضه. والمكان نتاج الشيء او بعضه. يحل الشيء في المكان، فيحيله مكانه. وحين يغادره، يجعله المكان الذي غادره. هل تمحو المغادرة الحلول، ويمحو الشيء وهو يغادر المكان مكان حلوله؟ حلول يتبع مغادرة، من دون ان يمحوها. ومغادرة تتبع حلولا، من دون ان تمحوه. يسكن الحلول في المغادرة، وتسكن المغادرة في الحلول. يسكن الشيء في المكان، ويطوف المكان في الشيء. لا فكاك لاحدهما من الاخر. يظهر احدهما، فيكون في ظهوره تغييب الاخر، مثل غيابه. ويتغيب احدهما، فيكون في تغيبه، استحضار الاخر، مثل  حضوره.  يحضر الشيء في المكان او يغيب عنه. رحلة الاشياء في الامكنة حضور وغياب، وبقايا من اثار وحمولات. يغادر الشيء المكان، يحمله معه، ويترك محله مكانا فارغا منه. يمتلك الشيء اكثر من مكان. يحل في واحد فيشغله، ويترك آخر يفتقد اليه. يمتلك الشيء الامكنة التي يشغلها، وتلك التي يهجرها. واذ تتناوب الاشياء على اشغال المكان، يستحيل مكانا متعددا، بتعدد ما حل فيه. تولد الاشياء في الامكنة، فتكون امكنتها. وقبلها يشغل الامكنة الفراغ. اشغال هو غير حضور الاشياء. وحين تخلو الامكنة من الاشياء، تفتقدها. وفي افتقادها للأشياء شكل اخر من حضورها. للأشياء في الامكنة الفارغة، قوى فعل وتأثير، كما للأشياء وهي تحل في الامكنة. ثمة حوار بين قوى الامكنة وقوى الاشياء،  يتسبب ان تشغل بعض الامكنة، ويفرغ من الاشغال بعضها الاخر، فتكون الامكنة ليست فارغة، على الرغم من فراغها، بل هي مشغولة بطيف حضور الاشياء في الامكنة المجاورة. تمد الاشياء بقوى فعلها في ما حولها، على وفق مقومات تخصها، ومكان اشغالها، والفراغ الذي يكتنفها، اذ تشعر الاشياء بفراغ ما حولها، او زحمة ما يحيط بها. تتدخل الاشياء في نسيج الامكنة، ويصبح العالم امكنة مشغولة بأشياء، واخرى بقوى حضورها، وثالثة فارغة منها، او من قوى حضورها. في انتظار ان يشغلها جسد شيء ما او تأثيره. الامكنة الفارغة من حول الاشياء، برهان الاشارة على وجود الامكنة المشغولة، حجمها وسعتها. تحيط بها مثل ظلالها، تدور من حولها مزهوة بها، في احتفاء، وتصبح الاشياء بؤر الامكنة، وجزرا في بحرها الممتد. تتقارب وتتباعد، تتلاصق او تتجاور، ويطوف من حولها المكان، مشغول بها وبطيفها، في انتظار شاغل شيئي جديد. الامكنة الفارغة من حول الشيء، برهان حضوره ومكانه. ترغب  بعض الامكنة ان تعتزل الاشياء، وترغب بعض الاشياء ان تعتزل الامكنة. وعلى وفق سلوكها، ينشأ مجتمع الاشياء والامكنة، احاسيس ومشاعر، وافكار وحوارات، تشغل العالم.
(5)
تغيب الجدران وتبتعد، يحل واسعا فراغ في المبنى. يتصل الفضاء عابرا مواضع الجدران، تبث الاشياء في الفضاء تمايزا وتنوعا، وجغرافيا من امكنة متحولة، من دون ان تقترح حدودا بين سعات الفضاء واستعمالاته. يصبح الفراغ مشغولا بإيقاع فضاءات وتوظيفات مختلفة، على وفق تعدد الموجودات التي ينوعها الفعل الانساني. غياب الجدران وتوحد الفضاء واتساعه، تجعل من التواصل صفة غالبة فيه، وحين يحل الجدار ويتوصى بتعريف الفضاء، يتكفل في عزله. وحين نتحاشى عزلة الفضاء، ونكتفي بتميزه، فتلك امنية تدلنا اليها سياسات تأويلية تعددية، بفعل تنويعات أشيائية واستعمالية، تنحو صوب تحولات في هوية الفضاء وكيمياء شعوره. يتصل الفراغ ويمتد، ويصبح بيتا لمختلف الفضاءات المجتزأة، اذ تنال حصتها في الفضاء من دون عزلة، تنمي الايقاع فيه نحو ثراء في وقائعه. في ابنية زهاء حديد، يطوف الفضاء منسابا متصلا، يعبر افاق المبنى وسماواته، لا تعترض رحلته في الداخل غير تحولاته، تصنعه ويصنعها، ويشعر بتمايزها، تجليه وقائع تشغل المكان، افقه واتساعه، تنفذ فيه ويتنافذ معها، تحل في احد اركانه من دون ان تغادره. ليست سعة الفضاء رغبة في سعته، اذ هي ثقافة مكان يتحول خطابا، من فضاء كلي يلاقح بعضه بعضا، ويضفي لمسته ونبرة ايقاعه. تدخله وتتحرك في داخله، ولا تكون حركتك تنقلا من مكان لآخر، بل تحول في المكان الى مكان اخر. صورة الجدران الغائبة تسكن ذاكرة الاشياء وتموجات الفضاء، حيث  الجدران عتبة الفضاء، تنأى به عن اعتزال سواه. والعمارة واقعة مكان ينتجها المكان، وهو يصور ويتخلق تحولا فيه، وليس عنفا يقسره على تشظي مفتعل، بأثر جدران صلدة، تشبه في وقعتها الحادثة. يستحيل المكان تجلياته وانتظامه، وليس النظام الذي يتعدى على انتظامه. تغيب الجدران فيغيب الصدى، وتسبح الاصوات في الفراغ، تتهادى وتضمر وتهون حد الصمت، من دون ان يصدها جدار تطرقه، او ان تستحيل صدى. الكلمات والاصوات تذهب في كل صوب، شبه كائنات فضائية لا يعترضها شيء. كرات طائرة في الفضاء، لا تسحق انتفاختها صلادة جدار، ولا تعود العمارة احتجاز فراغ بفعل احاطة، ولكن تحولات في حيوية الفضاء وإيقاعيته. عبور من حال الى اخر. ليست عتبة تشق بوابة نافذة، او جدارا يصنع في ديمومة الفضاء فوهة عبور. الفضاء الواحد المتصل في اعمال ميس فان درووه، والجدران المرمرية الصلدة، بألوان داكنة وقامات قصيرة لا تبلغ السقف، ليست حواجز تقطع الفضاء، ولكن موجودات واشياء تطفو فيه، يعوم من حولها، ويلتف امامها وخلف



المشاركة السابقة : المشاركة التالية