جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


ثقافة تُبرر بيع الجسد حين ننسلخ عن الذات لنجسد ما لايشبهنا


زينب المشاط
"عشر سنوات، ولم تنفك هذه الجلسة عن الطُرف والقهقهات، وأحياناً الألم والدموع، وأُخرى الحنين لفتيات غادرنها،  لأسباب مختلفة، أما نحن المتبقيات فلم نزل على جنوننا ذاته، أو براءتنا التي كُنا نفخر بها. فأنا على سبيل المثال،
اضحك من ذاتي حين كُنت مبهورة بسحر البراءة، وروح الدمى العالقة داخل الاشياء، وطفولتها، لأكتشف اليوم أن الجمال الحقيقي يكمن بتلك الأنثى الغامضة، الإغوائية، التي تضع على شفتيها نصف ابتسامة وما يكون النصف الآخر إلا مصيدة لأولئك الرجال السُذج."
لم يكُن مني سوى أن أفتح فمي شاخصة بصري أمام تلك الكلمات التي تلتها سلوى على مسامعنا، حين كُنا جالسات نحتسي فنجان القهوة في مقهى اعتدنا أن نلتقي فيه منذ خمس سنوات، ثم قالت "هذا نصٌ من كتابي الجديد، سأعمل على إنهائه قريبا، انه يتحدث عن تجاربنا نحن كرفيقات صبا وشباب، ما رأيكُن به؟"
"جميل"، أطلقت لميس صرختها وكأنها تقف على خشبة المسرح، أما ايناس فقالت وبهدوء بعد أن اشعلت سيكارتها  "النص الصغير هذا رائع، لكنني أنتظر الكتاب بأكمله لأكوّن انطباعاً اخيراً."
لم أُبهر بكلمات سلوى فحسب، بل بتفكيرها الذي تغير تماماً، تُرانا كم نضجنا؟ حتى أن كتابات سلوى، وروحها العاشقة لبراءة القلوب، والاشياء قد أخذت منحى آخر،  وباتت ترى أن ضوع الجمال لايكمن إلا بسحر الغواية، فأطلَقتَ تنهيدة متحسرة " تغيرنا كثيراً يافتيات، وأنت يا سلوى!"
"آه أتعنين عمّا أكتبه، وعن آرائي المطروحة في كتاباتي؟ لقد تعلمت أن أشعر الاشياء، اتحسسها لا غير، فقبل أن تتعلمي قواعد ما تكتبين يجب أن تتعلمي كيف تغمضين عينيكِ وترين الاشياء دون إبصارها، حينها ستكتبين الحقائق متجردة عن مخاوف القبيلة، والمجتمع عزيزتي." سلوى المتكلفة بإظهار غوايتها، باتت تبهرني أكثر فهي أنثى ناطقة في كل شيء.
"انا اؤيدك يا سلوى، علينا أن نعيش  الحالة التي نُريد تجسيدها، لنُقنع بها المُتلقي،  فأنا كرسامة إن اردت الخروج عمّا أعتدته في لوحاتي، وتقديم لوحة لاتشبهني بجرأتها، وجنونها، لن يكن عليّ سوى أن اتخلى عن ذاتي، أتعلمين!." اقتربت إيناس منّا قائلةً "أعطوني مسامعكن للحظة" وتوقعتُ من هذه الحركة أنها ستفجر سراً عظيم.
" كثير من اللوحات الإغوائية التي نجحت برسمها، رسمتها وأنا عارية." تمتمت إيناس مبتسمة "حسناً لم يكُن العُري الأول على ملأ من الناس، فقد بدأ بين جدران غرفتي الخاصة وأنا منفردة بذاتي، لكن فيما بعد  مارست عُريي أمام عاشق، أو امام ندٍّ لي، بحسب حالة اللوحة وحاجتها ومتطلبات موضوعها، فالخروج عن الذات يجعلنا نقدم ما لا يشبهنا، فعلى سبيل المثال نصُك يا سلوى، لايشبهك وانتِ الفتاة الباحثة عن البراءة المتناهية في واقعك." بمكر رمت ايناس الطعم لسلوى، التي تنفست بعمق، ثم شردت وكأنها تُبحر في نصٍ جديد وقالت:
"ليس هذا بالضبط ياعزيزتي، فحين أريد أن أكتب عن عاهرة،  لا احتاج لمعاشرة آلاف الرجال، أنا فقط بحاجة للشعور بما تشعره العاهرات، وذلك بأن أسكُن حكايتهن في اللاواقع، عالم افتراضي ارسمه لذاتي.
بالضبط كما فعلت نتالي بورتمان في فيلم "black swan" فهي لم تتخلّ تماما عن ذاتها، بل حاولت أن تجسد شخصية لا تشبهها في الواقع، وعايشتها في اخيلتها، رُغم محاولات كثيرة لمدربها الشبيه بمُثقفينا الكهول، حيث نصحها بأن تتخلى عن جسدها واقعاً لتتمكن من فهم الشخصية الجديدة.
إلا أنها اختارت ان تغادر واقعها وعاشت دور المرأة الإغوائية في عالم افترضته هي، ثم نجحت في تجسيد دور البجعة السوداء الاغوائية المثيرة والشهوانية، والتي لاتشبه شخصية نتالي في الفيلم، هذا هو الكمال الحقيقي، وإلا فأين الابداع إن جسدتِ شيئاً يُشبهك أو نقلت حالة عشتِها بالواقع، الابداع الحقيقي في فنوننا هذه ومجالاتنا أننا نغادر ذواتنا للحظات ونكتب أو نرسم أو نؤدي حالات تختلف عنّا تماما." كان رد سلوى البارد العميق صاعقة سقطت على محاولات ايناس في اقناعها بأن علينا أن نمارس ما نريد تجسيده على الورق واقعاً.
"حسنا... كلامك صحيح يا سلوى، فأنا أعاني كثيراً اليوم من بعض اساتذتي في الجامعة وحتى زملائي الذكور، حين يُطلَب مني تجسيد دور لايشبهني، كدور إحدى فتيات الليل، أذكر أن أحد الطلاب الذي كان ضمن فريق عمل احد العروض المسرحية، طلب مني أن اشاركه الفراش لأجسد دورا كهذا، وكان مبرره أننا نحاول الوصول لشعور ابنة الليل تلك التي اعتادت معاشرة رجال لاتميل لهم عاطفياً، ولاحتى تعرفهم، وهو امر عمليّ فقط!" قالت لميس هذه الكلمات بغضب وازدراء
فصرخت قائلة " ألم تلكميه يامجنونة؟"
"بالطبع صفعته على وجهه، وقد شكوته للكثير من الاصدقاء وبعض الاساتذة ايضاً" ردت لميس مؤكدة.
"وما كانت ردود افعالهم"سألتُها، فأجابت كمن لايملك حيلة  "البعض أيده وآخرون عارضوه بعنف كما فعلت انا، حتى ان الكثير من الفتيات قاطعنه."
" لوكنت مكانك، للكمته على عضوه، وأخبرته أن هذه اللكمة ستعلمه كيف  يجسد دور رجل عاجز جنسياً" ضحكت ايناس مقهقه، وقد دفعنا تعليقها هذا إلى الضحك بصوت عالٍ ما  أثار انتباه جميع الجالسين في المقهى.
إلا أن لميس قالت محاولة إثارة غضب إيناس " في الواقع أعتقد أنكِ يا إيناس وفق عقليتك هذه لن تعترضي إذا ما عرضت لوحات تظهرين بها عارية في أحد معارضك، ومجاورة للوحاتك التي رسمتها؟ بالضبط كما فعل (الفريد ستيغليتز) أب الفن الفوتوغرافي في امريكا، حين عرض لوحات رسمها لزوجته الرسامة جورجيا أوكيف وكانت تبدو عاريةً فيها، وقام بعرضها خلال معرض أوكيف ومجاور لوحات الزهور التي رسمتها اوكيف، ما أدى إلى انها نالت شهرة عظيمة في ذلك الوقت الذي لم تكُن النساء في أميركا قد حصلن على حقهن بممارسة الفن او الدخول في مجال الفنون."
ابتسمت إيناس ببرود " نعم لم لا، إذا كان هذا الأمر سيتسبب بأن اكون في صدارة الرسامين المشهورين، واسم يخلده تأريخ الفن التشكيلي، فأنا مؤمنة أنكِ لتكوني فنانة حقيقية، او كاتبة عظيمة عليكِ أن تحطمي قيود القبيلة تلك."
أجابت لميس بغضب "هنالك فرق بين تحطيم قيود المجتمع، وبين ان يكون جسدك سلعة رخيصة لنيل الشهرة، او ليُقال عنكِ أنك فنانة او كاتبة عظيمة، من قبل بعض المسنين الخرقين الذين يدعون أنهم معلمو الفن والثقافة، وما ان يترهل جسدك سترمين أنت ولوحاتك وكتاباتك بأقرب صفيحة نفايات."
كانت سلوى التي أطالت في إغماض عينيها، متجاهلة هذا اللغط الذي احدثته لميس وايناس، قد رفعت رأسها من جديد، قائلة وبنظرة جانبية متعالية "بلوغ الكمال لا يعني أن تتخليّ عن ذاتك يا ايناس، هو فقط أن تجسدي حالة لا تشبهك، دون الإنسلاخ عن الذات."



المشاركة السابقة : المشاركة التالية