جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


حول التصوير بالأبيض والأسود صدمة الألوان سبب الاختيار


فاضل عباس هادي
كما يتحدث علماء النفس عن صدمة الولادة إذ ما ان يخرج الوليد الجديد من الرحم حتى يبدأ بالصراخ والبكاء. نتحدث عن صدمة الألوان.
يجد المصور نفسه مدفوعا بقوة اكبر منه إلى غربلة أشياء العالم وألوانه شأنه تماما شأن الآخرين الذين منحتهم العناية الإلهية شيئا من القابلية العفوية على الفرز والتمييز بين الجميل وما هو أجمل. ومن حسن الحظ أن الإنسان بما أوتي من عقل وقوة إرادة يستطيع، إلى حد ما تنظيم ما حوله، ويدخل الانسجام اللوني، على ما يقع مباشرة تحت مستوى البصر وتحت سيطرته العقلية والعضلية. كبير الرسامين الهولنديين المحدثين موندريان كان يصرف شهورا عديدة على أن يجعل الأستوديو الذي يرسم ويعيش فيه قطعة روحية وبصرية منه، وليكون انعكاسا لداخله. بينما يتيه رسامون آخرون في أنحاء العالم يبحثون عن هذا الانسجام المفقود. ومن حسن الحظ أن الإنسان، على مدى قرون، أفلح في تطويع الأشياء وبعينه الانتقائية استطاع أن يلتقط الجمال والانسجام وان يجعل من الخطوة المستقبلية التي تمتد إلى الأبدية، تكتسب إهاب الأبدية ذاتها، كما استطاع أن يوفر لنفسه المساحة الضرورية لمعاينة العالم من زاويته الخاصة، أو ينتقل بفنه من الخاص إلى العام، وفي بعض الحالات من العام إلى الخاص.
النوع الثاني من الانتقالات توفره، بالنسبة للمصور، المجلات الضوئية من خلال واحد من الأفعال الجليلة في حياة الإنسانية: فعل القراءة، حيث ترى المصور لا يقرأ فقط بالمعنى التقليدي، من أجل أن يعرف نفسه، وانما بالدرجة الأولى ليتعلم كيف يحكم سيطرته على أدواته الأساسية في المعرفة: الكاميرا وعدساتها وملحقاتها وهي أدواته الأساسية في التعبير.
وهنا نجد حقا، أن معين المعرفة لا ينضب، وكلما تعلم، شعر بأنه بحاجة إلى مزيد من المعرفة.
مجلة «اماتور فوتوجرافر » الأسبوعية البريطانية، على سبيل المثال، دأبت منذ سنوات على تخصيص عدد من إعدادها للتصوير بالأبيض والأسود، مرة واحدة كل سنة، عدد يشارك فيه الخبراء والقراء.
هذه الملاحظات تقودنا، حتما، إلى اعتماد التصوير بالفيلم الأبيض والأسود لانه بالتأكيد يقلل من النشاز اللوني، ويسهل على المصور عملية السيطرة على الواقع المجاني الذي نراه ليل نهار مطروحا هكذا، أمام العين.
ونحن، لو ألقينا نظرة تاريخية سريعة على اشهر الصور لرأينا أن معظمها بالأبيض والأسود، ولرأيناها تحمل توقيع اكبر المصورين في العالم من جاك هنري لارتيج إلى هنري كارتيه  بريسون إلى براساي وروبيرت كابا وهذا ما دفع أحد كتاب المجلة في عددها الخاص المشار إليه والذي يحمل تاريخ 30 سبتمبر )أيلول( 1995 إلى القول «بأنك ليس بالضرورة أن تحمل اسما أجنبيا وكاميرا «لايكا » لتصور الحياة في الشارع » بالأبيض والأسود.
ولهذا ما يبرره إذ أن معظم المصورين الذين أجادوا في هذا الميدان ليسوا إنكليزا.كما أن كاميرا «لايكا » المشهورة ليست إنكليزية بل هي ألمانية أبا عن جد. وهؤلاء المصورون اختاروا الفيلم الأبيض والأسود. وغالبا ما يكون سريع الحساسية 400 أي.أس.أي ليبدعوا فيه اجمل الصور وأكثرها بلاغة من الناحيتين الوثائقية والجمالية. أضف إلى هذا الورق الضوئي الحساس الخاص بالأبيض والأسود اكثر من أنواع الورق الملون. كما أن السيطرة عليه في الغرفة المظلمة اكبر بكثير. وهناك عشرات الأنواع من الورق وعشرات الأنواع من الأفلام بما في ذلك أفلام تعطيك «سلايد » بالأبيض والأسود وليس نيجاتيف فقط، وأفضلها «سكالا » عن الشركة «اجفا » الألمانية.
وتعدد طرق طبع الفيلم وتنوع الورق هو الذي دفع مجلة «اماتور فوتوجرافر » إلى تخصيص موضوع كامل عن طريقة الطبع على ورق مادة البلاتنيوم. وهذه تحول اللقطة العادية إلى عمل فني متميز. وهذه الطريقة، تعتمد على إنتاج سلايد كبير من النيجاتيف الأصلي ثم يقوم المصور أو مختبر التصوير بإنتاج سلبية )نيجاتيف( بالحجم نفسه من السلايد المكبر ثم وضعها على ورق فني مطلي بمزيج كيماوي عنصره الأساسي ذرات البلاتنيوم وتعريضها في الغرفة المظلمة للأشعة ما فوق البنفسجية ثم غسل ذرات البلاتنيوم الزائدة.
ومن الجديد في العدد المشار إليه موضوع بعنوان «الرسم بالضوء » من خلال تجارب باهرة النتائج قام بها المصور أريك هاوارد، بواسطة جهاز «الفرشاة الضوئية » حيث يقف الشخص المراد تصويره أو أي موضوع آخر في غرفة معتمة ويضع الكاميرا على مسافة منه، يفتح الغالق لفترة طويلة وعلى فتحة ضيقة جدا ويسلط عليه ضوءا موجها بواسطة خراطيش مصنوعة من النسيج الضوئي المستمد من صندوق يحتوي على مصدر ضوئي قوي ومستمر.
وهناك موضوع عن التصوير بأفلام خاصة بالأشعة الحمراء، أمور تخص بالدرجة الأولى المصور المتحمس أو المحترف وهي مهمة جدا بالنسبة للمصور الذي يستخدم الإمكانات التطبيقية المتاحة إلى أقصى حد ممكن ولتحقيق نتائج متميزة، والمهم أن يكون المصور الحاذق على معرفة أولية بها، على اقل تقدير، ليستطيع أن يستفيد منها في التعبير. وهي بالطبع مؤشر موجز جدا للإمكانات المتاحة للمصور العاصر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية