جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


وقائع ما أسقطه الشراح من رحلة المتنبي لمصر: عن المصريين الذين سيندفعون، بعد قليل، لميدان التحرير..


حمزة عليوي
في الساحة الهاشمية لم يكن هناك سوى السواق العراقيين. كان الفجر يقترب، وكنت انظر الى البيوت واضوائها المعلقة في الجبال المطلة على المدينة الغافية تحتها.
كانت عمان نائمة كامرأة انهكها الصخب والسهر، القت براسها على وسادة الليل وراحت بنوم عميق. تأملت المشهد المختلف عما عشته في ما يزيد عن ثلاثين عاما بددتها في بلادي المسيجة بصحراء لا تكل ولا تمل عن غزو المدن العراقية المتأكلة، حتى لم تعد احداهن تتذكر متى خرجت للدنيا، بغداد او النجف او الموصل، كانت جميعها تحت رحمة صحراء لا ترحم. اخر الفجر، وانا اعب النسائم المنعشة، كنت احاول ان افهم نصيحة احد سواق التكسي، اغالب تعبي، بعد رحلة شاقة من بغداد الى عمان، تخللتها توقفات مستمرة وطويلة، واسال احد رفاق الرحلة: ماذا يقول هذا السائق؟ ودون ان يعرفوا رايي قرر الزملاء الاربعة ان يأخذوا بنصيحة السائق العراقي المنتظر ركابه فجرا: اذهبوا الان الى العقبة، وناموا في الطريق. وهذا ما كان. كانت جملة المصري، عامل المطعم، اخر ما سمعته قبل ان تنهار طاقتي على التحمل وتأخذني سنة النوم في سيارة الشيخ خالد، سائق سيارة الاجرة الاردني الذي اخذنا الى العقبة. قال المصري:
مهما فعلوا بكم تبقون سادة الدنيا!! ابتسمت له مشجعا، وانا احاول ان اطبّع نفسي على الطعام المختلف الذي علي ان اتناوله في رحلتي، ولم يكن سوى الفول والطعمية ورغيف استهجنت شكله...
*********
كان الطريق يتلوى كأفعى تحتضر، لا يبتعد كثيرا عن البحر، ولا يقترب منه، ظل محافظا على المسافة الفاصلة عن البحر في مشهد يختلف عما يشاهده العابر من العقبة الى نويبع؛ فلا بحر في العقبة حتى تجلس في المركب السريع. ربما يرى المعتاد على المشهد من اعلى ميناء العقبة مشهد البحر، لكن الواصل اليه، لاول مرة، لا يجد بحرا حتى يجلس في صالة المركب. وفي الحالتين سيعرف لاحقا انه لم ير بحرا، انما كانت عيناه تراقبان الساحل من الجهتين حيث "اسرائيل" من جهة والاردن ثم مصر من جهة اخرى. لكن المشهد بعد "نويبع" كان مختلفا؛ فالبحر الذي تغادره للساحل المصري يظل سائرا معك: يصعد تلا وينزل منحدرا، يستدير منعطفا شمالا او جنوبا، كل هذا لا يزعج البحر، ولا يغير قناعاته، يظل سائرا معك حتى يدخل الطريق الصحراء، قبل المنعطف الاخير ترى البحر هائجا كما لو ان مشهد الصحراء قد اثار غضبه، ترى موجاته تتكاثر فجأة وتمضي مسرعة لتضرب الساحل. تنظر خلفك وتبحث عن جملة تودع بها بحرا عزيزا، هاج مودعا اياك، ولا تجد سوى ان تلتفت الى صاحبك فتجده نائما. في الصحراء التي تبدا بعد مشهد البحر، ولا تنتهي بأضواء القاهرة، كنت اسأل نفسي من سلك هذا الطريق من قبل؟ من شقه، ليلا، صوب قاهرة المعز لدين الله الفاطمي؟ وقتها كنت افكر بقصيدة محمود درويش "رحلة المتنبي الى مصر"، وضمنا برحلة المتنبي هربا من كافور؛ كان المتنبي قد قصد "الفسطاط"، عاصمة كافور، وعاش فيها، حتى ضاقت عليه وقرر ان يفر بجلده هربا من حاكمها. فأية مفارقة، ان اسعى ليلا، وبعد اكثر من سبعين ساعة لأصل الى القاهرة، التي لم يرها المتنبي، انما عاش فيها كاتب سيرة رحلته الى مصر: محمود درويش! وقتها لم يشغلني ان "درويش" قد تخفف كثيرا في توصيف ما فعله المتنبي؛ فوصفه بـ"الرحلة"، بينما الاصل ان المتنبي كان حاملا راسه بين يديه، هاربا بجلده من مصير محتوم. والاكثر اثارة فيما كتبه "درويش" عنوانا لقصيدته: رحلة المتنبي الى مصر، وقد بداها بما يذكّر بما حدث للمتنبي في العراق: للنيل عاداتٌ/ وإني راحلُ/ أمشي سريعاً في بلادٍ تسرقُ الأسماءَ منِّي/ قد جئتُ من حَلَبٍ وإني لا أعود إلى العراقِ.. بينما المتنبي نفسه كان يسأل، وسط تيهه، اين الطريق الى العراق، فلم يسأل عن الكوفة موطنه، انما سأل عن العراق:
وأمست تخيّرنـا بـالـنّـقـاب
بوادي المياه ووادي القرى
وقلنا لها: أين أرض العراق؟
فقالت ونحن بتربـان: هـا!!
كان "درويش" يكتب سيرة تخيلها لـ"رحلة" المتنبي الى مصر، بينما قصيدة المتنبي كانت تُؤرخ لـ"رحلة" فراره من "الفسطاط"، عاصمة كافور ومصر... وما بين الرحلتين: الذهاب والفرار عصور وكلام وظلام!! ذلك الظلام هو ما شغلني عن "المتنبي" ورحلة كاتب سيرته الى مصر الحقيقية او المتخيلة، ولا فرق: ظلام الصحراء الممتدة بلا حدود، في الليل الذي تقطعه حافلة النقل التي تعلقنا بها كآخر رحلة يومها تخرج من ميناء "نويبع" قبل الظهر بقليل صوب القاهرة. في ليل الصحراء الساكن الا من نسمات باردة، كنت اسال نفسي، وانا احاول تبديد الوقت حتى نصل: كيف عاشت القاهرة جوار هذه الصحراء، وربما قد سألت احد رفاق الرحلة: كيف قاومت القاهرة كل هذا الصحراء؟ كنت، لحظتها، افكر ببغداد، بمدننا المنتهكة من صحراء لا اشرس منها.. بالفعل: كيف قاومت القاهرة كل تلك الصحراء؟!
*******
القاهرة ليلا... في المراب الكبير كان الجميع بانتظارنا: سواق التكسي، بائعو السكائر والاعلانات والادعية، موظفو المراب المقاومون لتثاؤبهم، حتى المرأة التي صنعت لنا الشاي في الحافلة كانت تسحب بيد احدنا وتريد ان نذهب معها. لم ينقص المشهد سوى ان تسمع في ذلك السيرك العجيب، وانت تحاول ان تحافظ على اعضائك من الشد والسحب والدفع، احدهم يصيح: حب جكاير علج..!
**********
اذن.. فانا في القاهرة، نعم.. في القاهرة عاصمة مصر، المدينة التي قصدها الجميع: المحتلون والبرابرة، الشوام والعراقيون، ابناء الخليج وشمال افريقيا، ابناء القرى والارياف.. احدهم دخلها في فجر كئيب قاصدا ازهرها للدراسة، وكان لذلك الفتى الناحل الاعمى ان يقلب الدنيا راسا على عقب، حتى صار اشهر العميان المبصرين علما وتنويرا. وهو بعض ما صنعته القاهرة بأعمى سار الناس خلفه باطمئنان. وهي ذاتها مدينة مخترع اشكالها الاحدث، سارد حكاياتها: نجيب محفوظ. مثلما هي مدينة الملايين الصائحين ليلا ونهارا، مدينة الفوضى والانتظام المذهل، الغنى الفاحش جوار الفقر المدقع، كل شيء تجده في القاهرة: كل تناقضات العالم احتداماته تجدها هناك. تعبر الكوبري عصرا، بعد ان تخرج من الزمالك، جزيرة الاغنياء، وترتقي الجسر مشيا، وترى في الحديقة المجاورة للنيل امرأة ترتدي لباسا اسود من اخمص قدميها الى وجهها المختفي خلف سواد حاجب، من مكانك وسط الجسر تراها مستلقية على رجل زوجها او خطيبها في مشهد بإمكان اخرين ان يروه على ساحل البحر الكاريبي. لا تناقض، ولا احد يسأل، مثلا، ماذا تفعل يد الزوج او الخطيب خلف اللباس الاسود، هكذا امام الناس، وفي حديقة عامة!! 
وفي صباحي الاول هناك، وقفت امام قبة جامعتها، وقلت لرفيق لم يسمع كلامي: ها انذا اخر الداخلين الى القاهرة.. وقفت امام بابها الكبير وتأملتها، وكنت اريد ان اتذكر المرات التي رايتها فيها في نشرات الاخبار، وفي المسلسلات المصرية الشهيرة. سحرتني القبة حتى اني استأذنت الشرطي هناك ان اخذ لها صورة، فهز راسه موافقا. النظام والترتيب الفائق في ساحات الجامعة يعطيك انطباعا مختلفا عن مصر التي اقف في جامعتها الاشهر؛ فالمشهد مختلف داخل الجامعة عما يشهده الشارع من صراخ الباعة والسيارات المسرعة كما لو انها في سباق رهيب، انها صورة مكبّرة اخذت من الجو للمدينة الكبيرة. لحظتها كنت استحضر، وانا احاول بجهد كبير ان اعبر الشارع العريض، ما قالته موظفة اردنية تعمل في شركة سياسية مقرها دبي، عن المدن الكبيرة التي لا اثر لها في المنطقة، والمختلفة عن مدن الملح التي صنعها النفط، ولم تكن عندها سوى القاهرة وبغداد.
**********
اغلب من التقيته من مصريين في القاهرة او الاسكندرية، انما كانوا يسألون عن امر واحد: هل حقا ان "صدام" كان حاكما سيئا ومستبدا؟! كان المصريون، ومازالوا ربما، لا يصدقون بما يقوله الاعلام الامريكي، ومثله ما يأتيهم من اسرائيل، والاهم انهم كانوا على قناعة بان "صدام" قد اكرمهم!! وفي كل مرة كنت اقول ما اعرفه، ما عشته في ثلاثين عاما. اقوله غالبا بإيجاز مستنكرا بواطن الاسئلة المتكررة. كان المصريون يستنكرون ضمنا الكلام الذي يخالف ما يعرفونه، لكنه كانوا، كذلك، يحبون العراقيين ويعترفون بفضلهم. وفي القارب الذي اخذنا برحلة وسط النيل في ليلتنا الاولى هناك، كان صاحبه ساخطا على اصحاب الملابس الخليجية، وكنا نرى الراقصات يتمايلن امام الجالسين في اطلالة الفنادق الفخمة على النيل. قال الشاب، مساعد قائد القارب: ليس هناك احد اعظم من العراقيين؛ هم وحدهم من استقبلونا، استقبلوا ابي واعمامي، اكرموهم وادخلوهم الى بيوتهم، بينما كان هؤلاء، واشار الى الراقصين بدشاديشهم البيضاء، يأنفون ان وقف احدنا امام ابواب بيوتهم..!!
********
لسبب لا اعرفه احتلت صور "نيلي كريم" اغلب لوحات العرض الكبرى. صور تعرض "نيلي" بكل الاوضاع الممكنة: مبتسمة وضاحكة، ملتفة ومواجهة للناظر اليها. وكانت هناك فسحة لصور "تامر حسني". مع نزلة الجسر يبدا اشهر شوارع القاهرة واكثرها فخامة: شارع عبد الخالق ثروت. يبدا الشارع بنقابتين: المحامين والصحفيين على التوالي، ولا يفصل بينهما سوى سياج واطئ من المشبك الحديدي، وبإمكان المار قربهما في الشارع ان يرى اختلاطا بينهما، فلا تعرف من هو الصحفي، ومن هو المحامي..! بالضبط مثلما ترى المحامي والصحفي في فيلم واحد، حتى صار وجودهما لازمة متكررة في الافلام المصرية لعقود عديدة. ولا عجب ان ترى المظاهرات تبدا من نقابة المحامين وتشتد امام الصحفيين. وفي الشارع ذاته تجد اغلب دور النشر: الفروع الرئيسة للهيأة المصرية للكتاب، دار المعارف، دار الكتاب المصري. ومن شارع فرعي تصعد الى دار شرقيات، ومن هناك تذهب الى ميدان طلعت حرب، حيث قلب القاهرة، وقد زينته مكتبة مدبولي المقابلة لمكتبة دار الشروق المصرية الشهيرة. لا اتذكر ان يوما بعينه قد انقضى دون ان ادخل الى شارع عبد الخالق ثروت او احدى تفرعاته، كنت اذهب الى اغلب اماكن ومناطق القاهرة القديمة والحديثة: الحسين ومنه الى خان الخليلي ومقاهيه، الاهرامات، عابدين، المعادي، الزمالك، المهندسين، قصر النيل، لكني كنت اعود دائما لاقف جوار نقابة المحامين المؤدية الى نقابة الصحفيين. وفي كل مرة كنت اقول كل القاهرة تؤدي الى طلعت حرب.. حتى عندما عدت ليلا من الاسكندرية ذهبت لأتجول في امكنة قريبة من ذلك التمثال العظيم، حتى قادتني قدماي ووقفت امامه لأتذكر كلمة سائق التكسي قالها عندما استفسرت منه عن وجود العساكر قبلها بيوم، كان الليل قد حل، فيما كان الجنود يضعون على صدورهم وسواعدهم علامة الامن المركزي، وهم ينتشرون حول نقابتي المحامين والصحفيين، فسالته: ولكن لماذا ينتشر الجنود، وقد انتهى النهار؟ رد السائق: ستخرج غدا مظاهرة كبيرة.. ثم اضاف بانفعال: البلد تسرق يوميا!! فلما لم ار بعدها سوى بضع مئات من المتظاهرين قلت لصاحب التمثال: ولكن شعبك لم يخرج للتظاهر ايها العزيز!! 
**********
لكن المصريين سيخرجون بعد سبع سنوات الافا والافا للتظاهر ثم الاعتصام ضد رئيسهم. ولن يتذكروا من تراثهم الادبي العظيم سوى كلمة واحدة اصبحت شعارهم المجيد: ارحل. كلمة واحدة رددتها الملايين التي تكدست في المكان الذي لم يسترع انتباهي مطلقا، حتى اني عدت في ايام اندفاعتهم لخارطة القاهرة، لأتذكر اين يقع، بالضبط، ميدان التحرير! وفي شهر واحد، والادق انه حتى اقل من شهر، انتهى ذلك النظام البوليسي القابض على السلطة بيد من حديد. وكان بامكان الزائر للقاهرة ان يحسب كل شيء بعدد الشرطيين الواقفين في كل مكان، على الجسور، وفي الشوارع العامة، وفي الحارات، والاحياء، في كل مكان تجد شرطيا يضع سلاحا على كتفه.. كل هذا انتهى باقل من شهر.
**********
قبل انتصاف الليل، رن منبه الرسائل في هاتفي المحمول، وكانت رسالة صديق عزيز تطفح املا بان المتظاهرين يحاصرون قصر الاتحادية وسط القاهرة. وقتها لم اتذكر سوى مشهدي الاخير في "نويبع"، قبل ان اركب "العبارة" عائدا الى العقبة: كنت اقف مع زملائي الاربعة في طابور تفتيش في الميناء، بعد رحلة ليلية بباص انطلق من القاهرة وشق الصحراء الباردة. ومن مكان في الطابور كنت ارى الجنود والضباط يضربون بسادية مريضة مواطنيهم العمال الذاهبين الى الاردن. وفكرت اني والزملاء الاربعة من الممكن ان نضرب كذلك، وقررت ان وقوفنا هو خطأ كبير، وسألت الضابط الواقف قربنا، ضحك الضابط وقال: هذا دور المصريين، اذهبوا في ذلك الممر وسيصلكم بالعبارة. قبل ان نصل الى نويبع، فكيف خرج المصريون ضد حاكمهم؟! كتبت ما تذكرته لذلك الصديق واغلبه كان مشككا بالأمر.. وعدت بعدها لأكتب له: لكن العراقيين قد ثاروا ضد جلادهم فيما كان الجنود يجرون ارجلهم جرا على شوارع البصرة بعد طرد جيشهم من الكويت! فاين هزيمة المصريين ليثوروا، اين منهم هذا الجلاد الرهيب؟ باقل من شهر سقط حاكم مصر، وباقل سقط حاكم ليبيا الرهيب. طيلة شهر، او اقل بقليل، لم اسمع سوى كلمة واحدة: ارحل، يضاف اليها جملة: الشعب يريد اسقاط النظام، لكن حاكم "هذا" النظام حسني مبارك قرر ان يذهب الى قصره في شرم الشيخ و"يعتزل" حكم مصر.  وقد يكتب احدهم، بعد حين، ان المصريين سيدركون ان زمن الربيع الذي يحتفلون به كل سنة، ويطلقون عليه اسما لا تجده سوى في ادبياتهم العظيمة: شم النسيم.. لم يكن الربيع الذي اتى بعد صرخة: ارحل سوى اطنان سائبة من القاذورات وافواج القتلة وسراق الذين احتلوا الساحات والحارات والشوارع، حتى ان احدا، مثلي ربما، سينسى ان النوم قد جفاه ذات ليلة، وظل ساهرا مع اصوات الصبية اللاعبين في شوارع الدقي، وقد اسال نفسي الان: هل حدث هذا الامر بالفعل؟ هل مازال الصبية يلعبون حتى الرابعة فجرا في شوارع القاهرة.. اتمنى ان يكون ما عشته هو الواقع، وليس احد اوهامي الكثيرة!!!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية