جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الزفاف الدامي... حين تكون الأنثى "ملكة"


زينب المشاط
اجتمعنا في بيت نور التي كانت تجهز لحفل زفافها، الذي لم يتبقَ له سوى ثلاثة اشهر، وكنا فرحات بذلك، كنت أظن ان نور اتصلت بي انا وجهينة لمساعدتها في بعض التحضيرات، ولكني فوجئت بالكآبة التي كانت تطغى على الجلسة...
كُنا نجلس في غرفة نور ذات الطابع الرقيق والبسيط، والتي تعكس شخصية نور الصادقة جداً، والهادئة، والتي كنت واثقة أيضا من انها ستكون زوجة مطيعة.
تجاذبنا اطراف الحديث، إلا أن نور كانت اشبه بقنبلة موقوته، تنتظر محفزاً لتنفجر، سألتها جهينة بأسلوبها اللامبالي: " يبدو أن عريس الغفلة قد أزعجك بشيء ما؟ هيا.. ابكي عزيزتي واصرخي، لن ألومك على قرار الحب والزواج الأبله هذا."
كدت أضرب جهينة، التي كانت كلماتها مخطوءة رغم أني على يقين بأن لسان جهينة طويل، لكن نواياها نقية، إلا أن مثل هذه الكلمات قد تتسبب بمشكلة بين أي شخصين حديثي الارتباط.  صراخ نور وبكاؤها استوقفني.
هل من المعقول أن نور كانت تنتظر من يحفزها على البكاء؟ طوقتها جهينة بذراعيها، واخذت تمسح بكف يدها رأس نور طالبة منها أن تهدأ وقالت لها مازحة " لا تبكي يا فتاة أعلم أن الرجال لا يطاقون، ولكني على يقين أن عريسك المهبول هذا يعشقك بجنون، فلما تبكين الآن؟"
"موقف محرج، وصعب، بل أنه مستحيل، مستحيل للغاية"، قالت نور كلماتها محاولة اسكات بكائها، ومنع شلالات الدموع تلك عن النزول.
بمكر قالت جهينة مازحة "لاتقولي أن سليل العائلة الريفية هذا يريد من عماته وخالاته أن يرافقنه لغرفة النوم  في ليلة العرس يا فتاة؟"
"ليس هذا بالضبط" اجابت نور، فأصابتنا بصاعقة، جواب نور ليس موافقا لما قالته جهينة، ولكنه لم يكن ينفي ذلك أيضاً، لم استطع الصبر اكثر من هذا، فقلت  "ماذا يريد هذا القروي منكِ إذاً؟"
"ارجوك لاتنعتيه بالقروي" غضبت نور من جملتي، فاعتذرت منها، واضافت "عائلته لاتزال ملتزمة بطقوسهم وعاداتهم الريفية، ولا ذنب له بذلك، كما أنني لاذنب لي بذلك ايضاً."
"لقد اصبتِني بالملل، هل ستخرجين جوهرتك العظمى وتقولين ماذا يريد اميرك المدلل الذي ليس له ذنب؟" قالت جهينة جملتها بنفاد صبر.
"طلب  أن يعرض دليل عذريتي على عائلته في ليلة زفافنا، فكما تعلمين أنهم منحدرون من بيئة مغلقة وريفية، ويعتبرون أن الزفاف لاينجح إلا بدليل اثبات طُهر العروس، سينتظرونا خارج غرفة النوم، هذه مسألة صعبة ومخجلة لفتاة مثلي في عصرنا هذا، اضافة الى ان العلاقة الزوجية بكل تفاصيلها تخص الزوجين."  قالت نور كلماتها الاخيرة متمتمة بتردد وقد طأطأت رأسها.
"متوقع، فجميع المجتمعات الشرقية والمتعصبة، تقوم بذلك، ماذا كنت متوقعة من رجل سليل عائلة ريفية؟" اجابت جهينة ببرود، فهي لم تكن مستغربة مما تقوله نور، بل أنها خمنت الأسوأ، "لكنه مثقف ويسكن المدينة، فظننت انه تطبع بطباعها." قالت نور بيأس، "هو متمدن، لكن عائلته لاتستوعب ذلك."
"ليتك حشرة ياعزيزتي"  قالت جهينة، مطلقةً احدى تصريحاتها الخطيرة، فأضحكتني وابتسمت نور ابتسامة منكسرة، "كفاكنّ ضحكا، إناث الحشرات، ذوات شخصية قوية، اقوى من انثى الانسان." قالت جهينة كلمتها موبخة.
"وكيف ذلك ايتها العالمة الكبيرة" سألتها باستهزاء، فقالت" اسمعي ايتها الجاهلة لو اطلعتِ على كتاب "natural" او على كتاب " حياة النحل " للعالم فترلنك ستدفنين نفسك لبلاهة الموقف الذي وضعت به نور الان، وسخرية القدر منا كإناث إنسيات شرقيات."
"لماذا" مسحت نور ما تبقى من دموعها من على وجنتيها، اللتين اصبحتا متوردتين من شدة البكاء، وكأنهما حبتا رمان ستتفطران من شدة النضج، "في خلية النحل توجد ملكة واحدة، انها عظيمة ومغرورة، لأنها مدركة تماماً أن الانثى هي رمز للعطاء والجمال، جميع من في المملكة يقع تحت سلطة هذه الملكة العظيمة، فقط لأنها انثى متكاملة الجنس، اما بقية النحلات واللاتي يعرفن بـ "العاملات" فهن غير قادرات على ممارسة الجنس لأنهن غير مكتملات."
"وأين العظيم في هذا لا افهم" اجبتها بعد أن ضجرت من سماع ما لا يهمني، اقتربت مني جهينة وحدقت في عيني واضعة سبابتها على طرف رأسي مشيرة لدماغي وقالت "فقط لو يعمل هذا جيداً، لصبرت واستوعبت ما سأقول، ياصديقتي الجاهلة، كبرياء هذه الملكة، وغرورها زاداها جمالاً وغوايةً، وهذا ما أفقد ذكور النحل صوابهم، وأصبح كل ذكر في الخلية يتمنى أن يكون زوجها رغم أنه على يقين بأنه سيلقي حتفه"، فوجئت بما قالته جهينة.
"حين يجيء موعد الزفاف الملكي تخرج الملكة، التي تتميز عن العاملات بجمالها الأخاذ، فكبر حجمها، وعرض صدرها، ولونها المتباين بين البرتقالي والبني تُعدّ من الصفات الجمالية لدى النحل، والتي تثير الذكور، تخرج الملكة وتبدأ بالتحليق فوق الخلية محاولةً غواية النحل، ومن يستطيع الوصول من الذكور إلى الملكة هو من سيكون شهيد غوايتها."
تفاعلت نور مع حديث جهينة الشيق وقاطعتها قائلة "لا اعتقد ان هذه الملكة تحلق إلى ابعد نقطة منتظرة أياً من الذكور يستطيع التحليق واللحاق بها، اتوقع أنها تهرب من الذكور لتسمح للذكر الذي تستلطفه هي لكي يكون زوجها."
"أوووووووه..بلهاء اخرى" قالت جهينة "فقط لو سمعتني حتى النهاية، لما صرحتِ بهذا التصريح الخطير، بعد أن يلحق الذكر الذي يتميز بأنه الاكثر نشاطاً بين ذكور الخلية ملكته، ويقوم بتلقيحها سيتهاوى ساقطا على الأرض وينزف حتى يتيبس ويموت."
"هل ستقتله كما تفعل انثى العنكبوت؟"، تساءلت، فنظرت لي جهينة بطرف عينيها "كلا ايتها العنكبوتة، فملكة النحل ليست مجرمة، هي بالضبط تشبه ذكور الانسان، ليسوا مجرمين حين يجعلوكم تنزفن في ليلة زفافكن الدامية، فبعد أن تتم عملية التلقيح يلتصق عضو ذكر النحل في جسد الملكة، ويبقى الذكر ينزف حتى يموت، وهذا الزفاف الدامي دليل على نجاح عملية التلقيح، فإن لم يفقد الذكر عضوه ويموت، سيكون الزفاف فاشلاً ويخيب ظن العاملات بملكتهن، وهذا بالضبط ما تريده عائلة عريس نور الريفي هذا، أن يتأكدوا من نجاح زفافكم (بالدم)."
"ليتك ملكة نحل يانور، لحفظت كرامتك." قلت هذا بيأس ممتزج بالخبث.
فأجابتني جهينة "بل ليتها انثى السرعوف، فذكر كعريس نور هذا لا تنفع معه سوى أنثى السرعوف."
سألتها نور بفضول"ولمَ السرعوف؟"
"لأنها تأكل رأس الذكر وهو حيَ بعد أن تتم عملية التزاوج مباشرة، وبذلك تنتقمين من عريسك أبشع انتقام، فهذا اقل ما يستحقه بآرائه الرجعية تلك."



المشاركة السابقة : المشاركة التالية