جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


البحث عن شعراء "الفيسبوك": 1500 لايك في الساعة الواحدة


فجر يعقوب
القراءة تجعل المكتوب لذة لاتنتهي: يقول رولان بارت في (لذة النص). لكن انفجار الوفرة الكبرى في مواقع التواصل الاجتماعي وضع قيودا غير مرئية على نوع القراءة الجديدة دفعت الى ولادة نوع من التواطؤ المحتمل بين من يستخدم هذه المواقع لـ" التنفيس " عن مشاعره،
وبين الجمهور الذي يمر بمحاذاته عن طريق تزويد هذه المشاعر بـ "اللايكات" والتعليقات. بعضها يكون غير معروف للمستخدم، ويحمل أسماء مستعارة، وبعضها يكون معروفا له، ومن بين أصدقائه المقربين. في الحالين لايمكن اعتبار " اللايك " هنيهة نقدية ولو كانت سريعة. التعليقات ان جاءت مقرونة بالاعجاب، فإنها عادة ماتجيء من باب المجاملة السريعة العابرة، وهي تحولت مع مرور الوقت الى " حكم معياري " افتراضي صار يلهث وراءه كثر من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة " الفايس بوك ". لاينكر شعراء معروفون إنهم يريدون اللايك ويبحثون عنه عبر نشر بعض نصوصهم الجديدة أو تلك المستعادة من مجموعات صدرت في أوقات سابقة. البعض يعلل بأن هناك أسماء موثوقة ثقافيا وأدبيا يمكنها أن تزيد من حرارة النصوص التي يكتبونها، وتمنحها مصداقية أدبية نقدية هم بحاجة اليها، وان جاءت من طريق اللايك. لكن بالمقابل هناك نوع من " المستخدمين " الذين وفدوا الى هذه المواقع من دون دربة أدبية وثقافية تذكر، صاروا نجوما في أوقات قصيرة من خلال نشر نصوص ركيكة، لابل صاروا مسؤولين عن ملتقيات بأسماء مثل " شعراء الفايس بوك "، و" رابطة شعراء الفايس بوك "، وفي دول عربية كانت رائدة في انتاج وطباعة واستهلاك الكتاب الورقي أخذت مكتبات شهيرة تحتفي بمثل هؤلاء الشعراء، وتدعو لاقامة أمسيات لهم، وكأنهم كانوا موجودين حتى من قبل انفجار هذه الوفرة الرقمية الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي.
من المؤكد أن ثمة انقلابا جذريا في المفاهيم والقيم. لايمكن تجاهل ذلك اطلاقا. هذا الانقلاب يشكل ميزة العصر الاتصالي الشامل، وهو من يزيح عن كاهله " الشاعر – النجم " اذ يمكن لبعض الأميين أن يصبحوا نجوما أيضا. لايمكن التفرغ للأدب والشعر والقراءات النقدية العميقة المتأنية، كما كان يحدث من قبل. هناك أخبار مهتمة بهذا الفضاء الشعري الكئيب تقول إن شاعرا فيسبوكيا بعث برسالة الى أديب معروف، فتجاهلها هذا الأخير، فماكان من الأول الا أن قرر بعد دخوله في كآبة طوعية أن يمهد لنجومية كبيرة على "الفايس بوك"، وبالفعل تحول الى نجم فيسبوكي في مدة قصيرة جدا، وصار هناك متابعون له يقدرون بمليون متابع. لم يكن واضحا كيف يمكن أن يحدث كل هذا. العالم الافتراضي لايقدم صورة واضحة عن شيء يحدث للمرة الأولى، وهو أعلى ثورة يمكن أن يصل اليها الانسان المعاصر في الوقت الحالي. صحيح أن تاريخ المنازعات في الأدب هو شيء واقعي ومؤرخ له. طالما نتج عنها صراعات ومحسوبيات وشلليات بعضها مغامر وجريء صمد وانتزع حقه بالشهرة والوجود، وبعضها الآخر لايحسن المغامرة مضى في حاله واختفى بالرغم من جودة موهبته. لكن أن تعج المواقع الافتراضية بأسماء يمكنها أن تصبح نجوما بين ليلة وضحاها، فإن هذا بحاجة لقراءات معمقة من قبل علماء الاجتماع بالدرجة الأولى، وعلماء النفس، ففي المسألة وجه نفساني أيضا. النقد الأدبي دخل هو الآخر في متاهة عميقة، لايمكن القول معها إن هناك نقدا حقيقيا يرافق هذه النصوص الفيسبوكية. اللايك ليس نقدا. ربما هو اعجاب سريع سهل، أو كما يعتبره البعض " تلويحة " متعب من بعيد، يريد أن يشارك بشيء على هذه المواقع، فيترك الاعجاب، ويمضي الى نص آخر بهدف ترك اعجاب آخر، أو ابداء تبرم مخفي وراء شاشة، لايمكن لأي كان الشعور بصاحبه في هذه اللحظة بالذات. إنها فعل تشاركي من جانب واحد. يمكن للآخرين الشعور به حال ظهوره تحت النص، لكن من وجهة قراءة النص وابداء اللذة التي كان يقصدها بارت، فإن هذا شعور اشكالي، اذ يمكن لهذه النصوص أن تغرق في ركاكة بيّنة، لكن كثرة اللايكات التي تنتزعها حال سطوعها على الشاشات الافتراضية المتقابلة تصبح مهمة وضع اللايك مسألة تلقائية لايمكن التفلت منها، حتى من قبل الآخرين الذين يعترفون أيضا بولادة التلصصية الافتراضية. هنا يمكن الاشارة الى مسألة بغاية الخطورة: صحيح أن العالم الافتراضي، ومواقع التواصل الاجتماعي أطاحت بديكتاتوريات كثيرة، منها السياسي، ومنها الثقافي، ومنها ماهو غير ذلك، ولكنها صنعت أيضا ديكتاتوريات خاصة بها. صارت ملزمة للرواد. من لايريد الالتزام بها طوعا يصبح غريبا. يولد هنا الناشر الافتراضي الديكتاتور، الذي يشجع على ولادة هذه النصوص، بغية الحصول عليها، وتحويلها الى كتاب ورقي يمكن الاتجار به. اللايكات هنا تصبح مقياسا عند البعض، والاعجاب نفسه يتحول الى قيمة استعمالية، تنبئ بولادة ديكتاتور صغير مشوه: كيف يمكن الحصول على أكبر عدد ممكن من اللايكات التي تشبع " أنوية "  الشاعر الجديد في أصعب لحظات التحول هذه، وقد انطلق ليصنع نجومية افتراضية يمكن أن تتصدع في أي لحظة، أو يمكن أن تستمر وتتصدع الثقافة كقيمة انسانية كبرى. هناك مفاجآت تنطوي على مخاطرات كبيرة لايمكن التكهن بها. ماتزال عاصفة " الفايس بوك " الشعرية تنذر بماهو أعقد في قراءة هذه النصوص وتقييمها. ليس هنا مجال التقييم بالطبع. بعض هذه النصوص مفاجئة وصادمة، لابل أن بعضها ينتمي بجدارة الى تلك النصوص التي طالما غيبت عن حياتنا الأدبية والثقافية بسبب من جرأتها وفرادتها، وهي بالمناسبة قد لاتحظى بأكثر من مئة لايك على أبعد تقدير، مع أن صاحبها قد يمتلك على صفحته أكثر من ألفي صديق، وهناك نصوص ركيكة، متبضعة، غثة، يمكن حال نشرها أن تحظى بألف وخمسمئة لايك في ساعتين. كيف يمكن أن تفسد لذة القراءة، ولذة المكتوب في ساعتين: الجواب مسألة سهلة للغاية. اطلالة سريعة على هذه الاعجابات التي تصنع " الايجو " الخاص ببعض شعراء "الفايس بوك" تكشف أن تسعين بالمئة من الأسماء تعود الى شخصيات وهمية من بلدان جنوب شرق آسيا (فيتنام، لاووس، كمبوديا، مملكة النيبال مثل: Nguyen Hnh Dung, Trung Nguyen Yp, Nguyen duy Tan, Mid Jint, Hyu Hyu, Hoang Hoang.
صديق مهتم بالبرمجيات "الخبيثة والحميدة" قال إن هناك برامج مثل (One Liker) يمكنها اضافة ماتشاء من اللايكات على حسابك. هذا أمر محسوم ولاجدال فيه. هنا تصبح الكارثة معومة لأسباب كثيرة: ثمة نصوص ضحلة وركيكة تحتل المشهد الثقافي، ونزل مثقفون كبار اليها، باعتبار أن الانقلاب الديمقراطي مازال في طور الحدوث، ولم يعد ممكنا تجاهله حتى من قبلهم. وهي نصوص لم يعد ممكنا اعدامها أو التخلص منها بقلم رئيس التحرير أو نائبه. والأخطر هو تدني الذائقة " الواقعية " التي تضع الاعجاب الى جانب هذه الأسماء المستجلبة من عالم افتراضي لايمكن حتى قراءة تعليق واحد منها على النص المنتقى، فقد تسهم بفضح صاحب " البوست ". هنا تكتفي الأسماء الواقعية ببعض عبارات تبجيل هذه الركاكة غير المسبوقة،وهي عادة تلقى صدى عند أصحاب النصوص. ردود تنميقية في معظمها. يبقى هناك أصحاب النصوص الحقيقية التي تتجرع الظلم مرتين: مرة لأنها تقارن بمثل هذه الركاكة الشعرية الفجة، وهي مضطرة لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن قارئ مختلف غير موجود،  ومرة لأنه لايمكنها أن تصل الى دور النشر التي تتعامل معهم باجحاف وجشع غير موصوفين.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية