جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الذَوّاقة... وبناء صورة الواقع الاجتماعي


قحطان الفرج الله
سجائرك الغالية مغمورة بدماء الشعب وعروقه، وتنبعث منها رائحة زنخة عندما تنفث دخانها.
لو وين فو/ الذواقة
صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة الجوائز رواية "الذواقة" للروائي الصيني "لو وين فو" بترجمة وتقديم من الصديقة يارا المصري حيث تدور احداث الرواية في مدينة "سوجو" في جنوب الصين، بين بطل الرواية الثري "تشو زي تشي" وبين "قاو شايو تينغ" أحد المشاركين في الثورة الذي يعمل جاهدا لتنفيذ أهدافها في البعد عن البذخ والإسراف. وعبر اثني عشر فصلا، اقتطع الكاتب زمنا تاريخيا يمتد لنحو أربعين عاما، بداية من الحرب الأهلية الصينية، مرورا بالمجاعة الكبرى، ثم اندلاع الثورة الثقافية وما بعدها.
ما ترصده هذه الرواية من خلال مجرياتها وخطابها الذي يحيل إلى عنصرين  اساسيين في الدلالة والاحالة حيث تبرز اهمية الطعام في الدلالة على نسق تكوين نظم المعرفة والعقيدة واعادة انتاجها، أو الصراع من اجل تكريسها وترسيخها، وبين الاحالة إلى الوظيفة الثقافية لبناء الهوية المجتمعية للشعب الصيني ومن خلال هذا تنصب جهود الكاتب إلى جعل ممارسة  الحياة فنـًا من الفنون حيث يتحول كل تصرف ونشاط خلال الحياة اليومية العادية، إلى مستوى التذوق الجمالي الدائم، وكفرصة لتحقيق ذلك يؤمنها اكل اطباق "الشعرية" متعددة الانواع والاصناف أو شرب "الشاي الصيني" الذي يهيئ الاجواء والطقوس النفسية الفريدة "ففي مقهى الشاي ذلك غرفة فريدة منفصلة مصنوعة من الخيزران، تشكل عالمـاً صغيراً شخصيـاً فريداً. يجلب المقهى الماء من الامطار والآبار، ويجلب اوراق الشاي مباشرةً من تلال دونغ تينغ الشرقية. يغلى الماء في جرة، وتشعل المواقد بأغصان الصنوبر، ينقع الشاي في براد ييشينغ الارجواني"
في مثل هذه الاجواء ينقلنا " لو وين فو" لنتعرف على عالم الصين الساحر لقد استطاع "لو وين فو" من نقل تجربته الفكرية والسياسة معتمدًا على أيقونة الطعام  ولم يأبه لكل معارض اتهمه بالخروج السافر على قيم وحدود المجتمع الرأسمالي القديم، وراح يقترح الحل السليم للتخلص من القيود القديمة التي تكرس روح العبودية والاستصغار، في اهانة  طبقة البرتارية الناهضة في الصين.
  لجأت الرواية الى استخدام تكنيك الراوي العليم الذي لم يتبحر كثيراً في نفسيات الشخصيات داخل الرواية ولم ينطلق في فضاء المنلوج او الحوار، فالرواية تقترب من السيرة الذاتية التي تروي عن الاشخاص  باستخدام تقنية ضمير الغائب وهي تقنية بالغة الدقة يصعب تفهمها بعيدًا عن معطيات السياق. ولعل هيمنة الجانب السردي، والحكائي تجاه الحدث أو الشخص الغائب أضفت على النص الكثير من مقومات الفن السيرة.
والملاحظ ايضا غياب تقنية الحوار والحوار المباشر فكل ما ينقل من هذه على لسان الراوي في زمن ماض غاب الحضور فيه تماما، ما يجعل هذه فقيرة من حيث تقنياتها المستخدمة،  لكنها في غاية الاهمية من حيث القيمة الموضوعية التي تحملها وهي تربط بين عنصرين مهمين في حياة الناس (الطعام، والثقافة) ولعل هذا ما اشره "كلود لفي شتراوس" رائد البنيوية وعلم الأنثروبولوجيا في كتابه الشهير الذي لم يترجم الى اللغة العربية لحد الان (النيئ والمطبوخ) والذي يبحث انتقال الانسان من الطبيعة الى الثقافة عبر اكتشاف النار ولكن رواية "الذواقة" اكثر تعمقا في طرحها لمفهوم الطعام الذي يعد احد المشاكل الاساسية في استعباد الناس وجعلهم في طبقات متفاوتة.
حتى ان النادل كان يعرف بسهولة تحديد هوية الزبون، فمن الملابس، والتحية، والملامح، ومن نوعية الطعام الذي يطلبونه،  يستطيع تحديد هويتهم، والاغلب هم ليسوا من العمال أو الفلاحين او لم يماسوا مهنة العمل او الفلاحة على الاقل.
حاولت هذه الرواية وبجدية طرح قيم الثورة العليا وكسر تابوهات استعباد للمرأة وللرجل معا، ففي فصلها الثالث (إساءة فهم السعادة) تحاول تحطيم روح العبودية داخل نفسية (آه ار) الذي كان يجر العربة لـ(تشو) فـ"الانسان لا يعيش من اجل الطعام، ولا يجب عليه أن يعمل عبدا لدى أحدهم من اجل الحصول" عليه وفي الفصل اللاحق (الهجوم) يطرح قيم تغييرية مهمة ساهمت بخلق وعي جديد لدى الطبقة العاملة الصينية لترفع شأنها من قاع العبودية والمهانة الى قمة شرف العمل القائم على تقديم الخدمة لا تسخير الانسان" فالعامل ليس نادلا، بل هو من طبقة العمال، ولا يمكن أن يعلق خرقة على كتفه، ويومئ برأسه وينحني إذا قابله أحد، ويضفي ابتسامة على وجهه، ويدور جيئة وذهابا مع الزبون، يمسح الطاولات هنا وهناك، ويكون حيويا كانه يمثل في الاوبرا.
كلنا رفاق، فهل يجب أن يكون البعض اقل من البعض الاخر، وهل يجب أن نكون مخادعين! ستوضع أعواد الطعام والصحون والاكواب في مكان محدد، ومن يرد استخدامها يذهب بنفسه، وتصرف كأنه في منزله، من منا لا يأتي بأعواد الطعام والصحون بنفسه في منزله، الا اذا كانت سيداَ"
ومن خلال ذلك يمكننا رصد سمات الشعوب التي تطرحها لغتهم  بوصفها مرآة انعكاس لثقافة تلك الشعوب وتقاليد مجتمعها واعرافها  وافكارها، وتكون الترجمة انجع وسيلة لنقل تلك الثقافات عندما يكون المترجم عارفا وواعيا بثقافة تلك الامة ولغتها، وحيثيات انتاج معانيها، وسياقها الثقافي، وبهذا المفهوم تكون الترجمة  "ليست مجرد نقل كلمة أو فكرة من لغة إلى اخرى بل هي بالدرجة الأولى افعال ثقافة حية قادرة على تحويل موارد المجتمع إلى قوة محركة للطاقات والابداع فيه، ولديها القدرة على تحويل الثقافة الى فعل حضاري ودينامية لتغيير المجتمع، بعد أن اصبح العالم كله مساحة ثقافية واحدة.
فهذه الرواية بحق لا تعكس تجربة شخصية بحته بل هي تنقل وبدقة تصورات وتحولات اجتماعية وفكرية في مراحل مختلفة لمجتمع اصبح الان من اكبر المجتمعات الصناعية التي تغزو العالم اجمع.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية