جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


ستار نعمة وثقافة الجسد المعاصر


حوار: محمود عوّاد
يبحثُ المعنى عن جــسدهِ في غوامض اللحظةِ المُشتعلةِ بلهب المجازفة ,وكلّما تعمق الحفر ,انكشفــت مــــــلامـح المغامرة ,فالجسد هــو فـضّاحُ الفكرة وسترها الدائخ بجماليات هتك جبروت ذلك الغبار السري المُغيِّب للمعان اللذّة, إذن الـجسد وحـدهُ من يمتلك ديناميكية المؤامرة الناصعة,
وبــهاء ذلك يـكـمن في أعمال الفنان العراقي المُغترب ستار نعمة ,والذي يمـكن عدَّه مـن شاغلي الجسد وثقـافته المتنوعة,كما أن فراسته في إنتاجه للأجساد,تضـعه على المــحك اللاهـب,ليمنح  بونوغرافية الخط فرصة الدردشة والأجـساد الأخرى.وهــــــذا الــحـوارهو نـــزهةٌ معرفيةٌ  الهدف منها دغدغة أجسـادنا واستفزاز مسام وجوده,فالجسد ولكي نبلغ عمقه أكثر ,دوماً ما يحتاج إلى أسئلةٍ رطبةٍ بخلاف الموضوعات الأُخرى.
* إن لم يكن ثمةَ جسدٌ , كيف سيكون شكل دماغ المعرفة؟    وما المجاهل التي ستلجها بدلاً منه؟
ــ هذا افتراضٌ لذيذٌ على الرغم من تطرفه، إذ من دون الجسد لانمتلك حتى الافتراضات،لأنّهُ المنطلقُ الأول للفكرةِ والروح, وأنا دوماً أقتربُ من تعريفات نيتشه للجسد, فهو السابقُ للفكرةِ والوعي، وإن شطحت معك بعيداً, ذلك لأنّ المعرفةَ الفارغةَ منه ستؤولُ إلى فراغٍ , وسيظلُ الوعي يحومُ حولَ نفسهِ, فالفكرةُ لا تُلتقطُ ولا تظهر بغيابه ,ساعتها لن نجد جهلاً أو معرفةً , بل فراغاً فقط.
*لو رفعنا فكرةَ اللهِ من آرشيف الجسد , هل ستستمرُ عداوةُ الآخر له؟
ــ  لنقل التدين لكي لانزعج أحداً،لأني أرى أن مقترح تهميش الجسد جاء من  بخس التدين حقّه , ووضعه بمكانةٍ حقيرةٍ،بوصفه كتلةً يجب أن نترفع عن شهواتها وأفعالها، بحجة أن الروح هي التسامي والجسد هو الخطيئة، من خلال الترويج لقضية الانعتاق من المُدنس,بوصفه مكباً لنفايات أخطائنا، هذا الوهمُ المبتعدُ عن عظمة الجسد وحواسه وكيميائه،بطبيعتهِ  لايخدم سوى المؤسسات الدينية التي تغفلُ أو تتغافل عن دور الجسد حين تستعيره قيمةً تمثلُ الروح في الشعائر والممارسات، لأنّها لطالما  أستخدمته في ايدلوجيتها, بوصفه منطلقاًّ للتعبير والترويج ونسيَت أننا لانملك غير أجسادنا, ومن خلالها فقط ننطلق إلى فضاء المشاعر والروحانيات التي هي أساسُ وجودها، وربما إنّ عدواةً من نوع آخر ستنشأُ لو استثنينا التدين، عداوةٌ سيختلقها الشر لكي تكون مسوغاً لوجوده بوصف الجسد ايقونة الجمال في الفنون والآداب التي بدورها تستطيع سد فراغ التدين والأفكار القديمة وإثراء الفجوة الروحية فينا.
*ثمة أجساد كثيرة تظهر في اشتغالات ستار نعمة في العمل الواحد , هل يعني أن الجسد يتمثّل لديك بوصفه ثيمةً كونية؟
ــ إنّه بالفعل ثيمة كونية حتى أن الكون جسدٌ ايضاً هذا الكون الذي يحوي الفكرَ والروحَ والفضيلة, إذ لابدَّ للفكرةِ أن يحتويها جسد،كما أنني مراتٍ كثيرةٍ أُفتت الجسدَ وأخرج بخطوطه عن مساراتها الكلاسيكية المعتادة، الخطوط نفسها تسيرُ لتشكلَ أجساداً أُخرى مرافقةً، فهو متمثلٌ لديّ بالتشكّل واعادة التشكّل أيضاً، والجسد بنظري خالد حتى أكثر من الفكرة لأنّه مايلبثُ أن يتفتتَ إلا ويعيد تشكيل نفسه،لذلك فهو اختزالٌ للعبةِ الكونِ الأزلية وحلقةُ التشكل الدائمة.
* كيف تعاملت وجسدك من خلال الميديا وتحوّلات وعيها المُدهشة , وهل المخيال الآن مُطالبٌ باقتراح جسده الافتراضي؟
ــ جسدي يرتعش دهشةً لما يحدث, وحواسي لاتكف عن المتعة، نحن بزمن لم يتح الّا لنا نحن المُتشكلون داخله , وهي فرصةٌ عظيمةٌ، منحت الخيالَ الاتساع نحو آفاقٍ غير محدودةٍ, ومن غير أن يطالبَهُ نراه اعتمد الغوص عميقاً ليخلق جسده الافتراضي الممتد من الذات إلى أبعد نقطة في الوجود.
. * هل المستقبل التشكيلي جسدي الاشتغال ,سيما أن الفنون الأدائية المعاصرة عملت على ملازمة حضوره بصفته خطاباً يستوعب المرحلة؟


ــ لايمكن اغفالُ الجسد، هو فطرةُ التعبير الخالصة قد نبتعد عنه وقد نقترب لكنه يبقى هاجس الفن الأول، وثيمة قدرنا الجميل و وعاء أرواحنا، وفنون الأداء لايمكنها الاستغناء عن تلك اللذة الملحة ,الكامنة فيه..
*مانسبةُ مُساهمة الحدث العراقيّ في صناعةِ الجسدِ المعاصرِ للوعي , وهل من ريادةٍ له مقارنة والأجساد الأخرى؟
ــ لا يمكن للجسد الّا أن يكون مؤثراً ومتأثراً، ومايحدث اليوم من إرباكٍ وأحداثٍ عظيمةٍ في العالم وفي العراق خاصة ماهي إلّا رقصاتٌ شيريةٌ للجسدِ الواعي جيداً, بمايحدث حوله، وهي ردةُ فعلٍ ومساهمةٌ، وإذا ما أردنا الحديث في الجسد العراقي فها هو يتفتت، يتناثر، ينفجر، ويلتئم ,وبالوقت نفسه  إنه حراك لمادة الوعي,الوعي "الخيّر والشرير" ، والعراق ليس استثناءً الّا بما يحمل من خطايا التاريخ والجغرافيا،أما العراق جسداً فهو يمثل المعمل الفعلي لخطاب الجسد ومعطياته.
* هل استطاع ستار نعمة إنتاجَ جسده التثاقفي , لاسيما أنّ للاغتراب قصةً ليست بالهيّنة معك؟
ــ هي قصةٌ ذائبةٌ طريةٌ، أُحاولُ تكثيفَها وتشكيلَها بمساعدةِ رصيدي الأخلاقيّ والمعرفيّ لترد الجميل لصدفة هذا الكون، الذي منحني إياها، وأن أحاولّ استيعابَ الأمر. والسؤال الدائم المحرك لهذا الفعل، هو لماذا أنا بهذا الجسد بالذات؟ ولماذا أنا ابن هذا المكان؟
*التجريب في الجسد يمكن عدَّه من أخطر المشاغل التجريبية , خصوصاً وأنّه يشغل حيزاً متخماً بالمحظورات ومستهلكاً في الآن عينه , كيف ترى ذلك؟
ــ  الأمرُ سهلٌ ولا خطورة في ذلك، فقط تحسس بشرتك وستعرف أن لا مفرَّ من ذلك, لأنَّ الجسدَ هو المنطلقُ الثابتُ, والذي يشغل حيزاً لايمكن  لغيره أن يشغله ,بالوقت نفسه هو يمثل كتلة المادة وروحها ، كذلك هو التجسيدُ الأوعى لذواتنا، ولا يمكن لشيء آخر أن يمنحنا قدرة التعبير مقارنةً وطاقته، كما أن متعة تعاطي الفن الأولى تكمن بقدرته على ترويض الذائقة المقيدة بالمحظور, وطرحها على أنّها فعل سامي خالص،لذا الفنُ وحدهُ  القادرُ على إظهار هذا المخزون النفسي للمحظور والمهمل, وصبه بقالبٍ جماليًّ قابل للتمرير والاستهلاك.
*ما مدى ارتباط الحدث السياسي العراقي بالجسد, والتأثير به؟
ــ لا يوجد دليل واضح على أن الارواح تتأثر بالرصاص والمفخخات، لكن الجسد يحمل كل العبء بالنهاية.
*برأيك متى يمتلك الجسد العراقي عــولمته , وهل استطاعت الحرب إضفاء صفة العالمية عليه؟
ــ سيفعل حين ينتبه الى أنه موجودٌ فعلاً، لأنَّ كلَّ صراعاتنا وحروبنا لم تأتِ من أجل إثبات الذات وماتحمل من مضامين كونية ,غايتها الآخر ، فهي تطرفية بامتياز, أو إننا نخوضها من أجل الآخرين،لكن لايعني ذلك أنّي أشجعُ على حربٍ من نوعٍ آخر ,  لكنّي أعتقد أنَّ الحربَ فعلٌ مهولٌ وخطيرٌ، والبعضُ منها غيرت مجرى التاريخ باتجاهـــاتٍ ايجابيةٍ ,  في النـــــهايةِ أجدُ أنَّ كلّ الحروبِ يافطاتُ شر وبشاعةٍ, ولو جلسنا لمحاسبة أنفسنا وفرز الخسائر والأرباح , حتماً سنجد أننا  أسيادُ نشرات ٍ اخباريةٍ دخلت حياتنا لهدر الكثير من الدم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية