جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


اللون محفز عشقي الألوان تشبه النساء.. بعضها صريح وآخر خادع


زينب المشاط
زارني صديقاي المقربان الزوج "روان وبهاء" بعد عودتهما من مصر، حيث دعوتهما لتناول الغداء، لأنهما من أقرب الاصدقاء إلى روحي كما أننا لم نعتد هذا البعد، وقد فاجأني بهاء بهديته التي فتح علبتها وفرشها أمامي قائلاً بصوت عال،
محاولا إبهاري بمفاجأته تلك "تنورة الرقص للمتصوفة".
بذهول ممزوج بالسعادة اجبته "شكرا.... ولكن كيف عرفت.."
قبل أن يتركني بهاء لأنهي جملتي قال "نحن صديقان مقربان يا فتاة وأنا أعرف كم أنك تبالغين في عشقك لأؤلئك المتصوفة."
كانت التنورة عريضة جداً تُشبه بالضبط "المظلة، او، الشمسية"، تلك المقسمة لألوان الطيف الشمسي والتي يضعها توم في كارتون "توم وجيري" حين يستلقي على البحر، لمست خامة قماشها كمن يحاول التعرف على الأشياء، وشردت قليلاً في ألوانها الكثيرة محاولة الامتزاج بجمال وعمق روحية النهج الصوفي، لكن روان كعادتها قاطعت أفكاري الشاردة وقالت " لم تسألي لماذا تميزت هذه التنورة بألوان متعددة كألوان الطيف الشمسي؟ "
رغم أني اعشق النهج الصوفي، إلا أنني لم أجرب ان أقرأ شيئاً يخص تلك التنورة، وأن معلوماتي قليلة عن تلك الرقصة، فاجبت روان "لا لم يخطر في بالي أن اسأل".
"هذه الألوان المتعددة تعكس مذاهب المتصوفة، حيث أن لكل منهم لونا واحدا خاصا بتنورة الرقص الصوفي، إلا أن المصريين جمعوا كل الألوان في تنورة واحدة لإرضاء جميع الأطراف." أجابت روان بثقة المعلمة التي تحاول إيصال فكرة ما لتلميذها، مُضيفةً: أنصحك جداً بقراءة كتاب "الألوان" فستجدين الكثير من المعلومات عن تنورة المتصوفة وهذه الرقصة، حيث تذكر "كلود عبيد" مؤلفة الكتاب، وهي نقيبة الفنانين التشكيليين في لبنان أن جلال الدين الرومي واظب على اداء تلك الرقصة التي تعلمها من رفيقه التبريزي، لتخلصه من ميوله ورغباته الدنيوية وتمزجه بعشق  الإله، وحين يبدأ الرومي بالدوران يصبح لون التنورة ابيض وبذلك يكون قد وصل  إلى حالة النشوة في عشق الله.
"جميل..." أطلقت هذه الكلمة باستغرابٍ أبله وذهول، " الفكرة تكمن باللون يا بنت وليست بالرقصة "كرقصة" ولا بالتنورة "التي هي مجرد قطعة قماش تافه."، قاطعنا بهاء بهذه الجملة، وأيدته روان قائلة "نعم إنه (للون)" وكأنها تشير إلى شيء عظيم.
"أنصحك أيضا بقراءة البحوث والدراسات التي يقدمها "سيجمان مارتن" وهو عالم نفس يعالج الأمراض النفسية باللون، فهو يعتقد أن كل لون يتماشى مع ترددات معينه في الجسم، ولقد تحدث كثيراً عن اللون، وانعكاساته على المرأة بالذات، وباعتبارك امرأة مزاجية ستحبين هذا، فهو يوافق مزاجيتك وأفكارك الوجودية التي تترك تفسيراً لكل شيء." وقفت روان وبدأت تقطع مساحة الصالة ذهاباً وإياباً مُحركةً يديها أثناء حديثها وكأنها تشرح درساً ما.
قفز بهاء من مقعده وجلس على حافة مقعدي وقال " أتعلمين أن للون تأثيرا على روحية الإنسان، فهنالك ألوان تبعث فيك السعادة، وأخرى تبعث فيك التعاسة، وهنالك ألوان توحي بالنشاط وأخرى توحي بالتكاسل، وبعضها بالغباء، وألوان ترمز للذكاء، وبعضها تؤثر فينا جنسياً وتثير رغباتنا" وقال بهاء الأخيرة في إذني بصوتِ خافت وكان بؤبؤ عينيه يتراقص يمينا وشمالاً، كمن ارتكب إثماً.
قفز بهاء من حافة مقعدي، ليقف بمواجهة روان، فشعرت أن حرائق من الشجارات سوف تنشب الآن، وأنا اجلس أمام عالمين من علماء الفيزياء واللون، فاحتضنت وسادتي التركواز وابتسمت بخبث وكأني أشاهد عرضاً مسرحيا كوميديا.
" آه يا عزيزتي لو تعلمين كم أنك مُصيبة باختيارك اللون التركواز، فهذا اللون يدل على رُقي المرأة وقوتها، كما أنه مناسب للصحة جداً، أما فيما يخص العلاقة بين الزوجين، فإن المرأة الذكية والمحبة لخوض نقاشات مع زوجها ترتدي هذا اللون لأنه يساعد على مد جسور التواصل واستمرار حلقات النقاش بمنتهى الود والحب." بهاء يتحدث بصوت مرتفع وكأنه يحاول أن يوصل رسالة لروان من خلال توجيهه الكلمات لي، حتى أنني رميت المخدة التركواز بعيداً عني كمن يحاول إبعاد الشبهات عنه.
قاطعته روان"دعك من هذا الحديث، سأخبركم بما هو أهم."، كنت أشعر أن روان وبهاء، اشبه ببقالين، كل منهما يحاول أن يثبت للزبون أن خضاره هي الأفضل، وأنا بالطبع هذا الزبون.
قالت روان "فكما أن الرومي حاول الوصول إلى حالة النشوة في عشقه لربه من خلال اللون، نحن أيضاً نحاول الوصول للنشوة الجنسية من خلال تأثرنا الجنسي ببعض الألوان، وعلى سبيل المثال يرى مارتن أن اللون الوردي أو " الفوشي " محفز جيد وممتاز وهو بالضبط كحبة المقوي "مقوٍ للمشاعر بين الزوجين" ومحفز للعاطفة."
قالت روان هذه المعلومة أثناء دورانها حول بهاء، محاولة أن تُلفت انتباهه إلى أنها تسعى لمد جسور الود بينهما من خلال استخدامها لكل الألوان الوردية ومشتقاتها، وأنا اشهد أن روان كثيراً ما تستخدم الفوشي.
وبدأ كل من روان وبهاء بتقديم عرض عن الألوان متناسين وجودي، فتوقفت روان، وأخذ بهاء الآن يدور حولها، قائلاً " وإياكِ عزيزتي إرتداء اللون الرمادي لزوجك فهذا اللون يسبب الفتور والبرود في العلاقة، وهو يشير إلى لون الجليد والموت."
ثم امسك بهاء بيد روان وقال " ان اللون الأحمر يا سيدتي هو ملك الألوان العشقية، والرجال الأوغاد "امثالي" طبعا، طالما يتأثرون بهذا اللون، لهذا أشار الباحثون إلى أن اللون الأحمر يعتبر محفزاً للرومانسية ومثيرا للعاطفة الجياشة لأنه يزيد الطاقة ويرفع حرارة الجسم، ولهذا يستخدم هذا اللون في عيد العشاق."
ويبدو أن روان لم تحتمل دون أن تأخذ صف الفكر النسوي وتطعن بأفكار الرجال من خلال طعنها لأفكار بهاء، لتطلق تصريحاً خطيراً، وتقول" ان الرجال يا عزيزتي لا ينظرون للألوان العظيمة التي تأسر المرأة بسموها، فأنا كإمرأة انصهر سمواً مع اللون الموڤ ومشتقاته، كما اعشق قمصان النوم الموڤ وفساتين السهرة المثيرة ذات اللون الموڤ."
"أما هؤلاء" وقد اشارت روان لبهاء " أووه، فلا يفكرون سوى باللون الأحمر لإثارتهم، فهم ضيقو الأفق، لهذا عدّ اللون الاحمر من الألوان المناسبة والقوية، التي تثير أشجان الزوج، فإذا نظر إليه أسرّه، فهو يقوّي الطاقة الجنسية، ويرفع ضغط الدم، والنبض، ويثير الكوامن العاطفية لديه."
قاطع بهاء روان وكأنه يقدم دعاية أو نصيحة زوجية عبر التلفاز " لهذا فاحرصي يا عزيزتي على أن يكون هذا اللون من أولويات اختياراتك لملابس نومك." ضحكت أنا على هذه المناورات البلهاء اللامتناهية.
ثم استدار بسرعة وقوة نحو روان وقال " لاتنسي أن مارتن ذكر  أن للألوان تأثيراً قوياً على مزاج الإنسان، ولكن اللون الأحمر بالذات له تأثير مباشر على الجزء السمبتاوي العصبي المسئول عن الاستثارة والتحفيز الأمر الذي يجعله مفضلاً في " غرف النوم " وفي استفزاز الرجل في العلاقة الجنسية. "
أيدت روان بهاء قائلة " بالضبط هذا ما اشار إليه " مارتن " أيضاً في كتاب قدمه بعنوان " علاقة اللون بالحالة المزاجية للمرأة وانعكاس الالوان التي ترتديها المرأة في علاقاتها بالاخرين"، وكان هذا الكتاب يا عزيزي أكبر دليل على عمق شخصية المرأة، فذكر مارتن في كتابه أن اللون الذي يثيركم هو لون واحد" الأحمر العظيم"." قالت روان ساخرة.
ثم عادت إلى جديتها " أما المرأة، فقد قسم مارتن الألوان إلى " ألوان صريحة وأخرى خداعة" ذاكراً أنه تقصد هذا التقسيم لأنه يشبه النساء بالضبط فهنالك إمرأة صريحة وأخرى مخادعة."
وحاولت أن تؤكد لي " أن مارتن هذا يعتقد أن اللون الأبيض واضح وصريح، ويصف النساء العاشقات للأبيض بالنقاء، إلا أنني على خلافٍ جذري تماماً معه، فهذا اللون متقلب ومتلون بأمزجة الأخرين، والدليل أن قطعة القماش البيضاء " على سبيل المثال " تتسخ دوماً حين يلامسها لون اخر، فتنتقل لها عدوى هذا اللون، وبهذا فاللون الأبيض يتأثر بما حوله بشكل كبير، فمن يحب الأبيض برأيي شخص لا يملك القرار ومتردد، كما أنه محتال، فهو عاكس لجميع الالوان، ولا يظهر وجهه الحقيقي، بل يختبئ خلف وجوه الألوان الاخرى، لا أعرف أين النقاء الذي يتحدث عنه مارتن." ضحكت بسخرية  وقلت لروان " نعم فأنت أعرف من سيجمان مارتن عالم الألوان هذا."
لست أدري ما إذا كانت هذه النزاعات بين الزوجين العاشقين لها ايجابيات الحب والحياة الزوجية أم من سلبياتها، إلا انني استمتعت بحديث روان وبهاء الذي لم أجرب التعمق به من قبل، أو حتى التطرق إليه، وخصوصاً أن حديثهما كان مصحوباً بعرضٍ مثير ومضحك، وبعد وجبة الغداء رحل بهاء وروان، فارتديت تنورة رقص المتصوفة تلك، وبحثت في " كوكل " عن موسيقى تناسب الرقصة الصوفية وبدأت أدور حول نفسي، محاولة  أداء تلك الرقصة والوصول للون الانتشاء الذي وصل إليه الرومي في عشق ربه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية