جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


شيزوفرينيا (*)


عواد ناصر
كنا في سهرة مع جمع من أصدقاء عرب في ضاحية (Acton Town) غرب لندن عندما التقيت شهرزاد، أول مرّة، وتعرفت عليها، شخصياً، على أننا يعرف أحدنا الثاني كتاباً، من كتبنا ومقالاتنا المنشورة في الصحف العربية، رغم أننا لسنا من مشاهير الكتاب العرب.
وضعت شهرزاد معطفها على كتفيها وهي ترتشف ثمالة كأس الويسكي، لترافقني إلى حديقة مضيفينا كي ندخن.
شهرزاد في الأربعين من عمرها (.. وأنا عازب – مُطّلّق – في الخمسين)، طويلة بامتلاء بسيط.. شعرها أسود طبيعي، حين تتركه بلا صبغة، مع قليل من شيب يتضح قليلاً، مثل رشّة رذاذ أبيض من مسحوق نجوم مطحونة على جذور شعيرات فرقها،عندما تهمل الصبغ أو تتكاسل (بالمناسبة هي امرأة مكسال نموذجبة) فقد علقت على جدار غرفة نومها، كما أخبرتني مرة في شكل عابر، أربع مرايا كبيرة. سألتها، بينما بلغنا الحديقة الصغيرة، عن سبب ذلك قالت: "لكي لا أستدير أثناء ارتداء ملابسي، فذلك يتعبني"!.. لكنها تعتني عناية فائقة بجمالها ومكياجها واختيار عطرها وبأظافر يديها وقدميها، مع بشرة متجددة، لا يكاد يبدو عليها أي أثر مما تركت أربعة عقود على بشرة امرأة عربية، وإذ سألتها، مرة، كيف تجد الوقت الكافي للعناية بشؤون جمالها، على خلاف الكثير من الكاتبات، خصوصاً اللواتي نسيهن الله عندما كان يوزع الجمال على النساء.. قالت: "إذا لم أشعر، داخلياً، بأنني في كامل أناقتي وماكياجي وعطري ومناكيري فلا أستطيع الدخول إلى المصنع". استوضحتها: "أي مصنع؟" أجابت: " طاولة الكتابة.. فمن دون الشعور الداخلي بجمالي، أو الخارجي منه، لا يمكن أن أنتج نصاً جميلاً، صناعة الجمال تستدعي صانعاً جميلاً، قلباً وقالباً".
لمست يدها، لأول مرة، وأنا أقول: "يدك حلوة.. حقاً!.. أول ما يلفتني  إلى المرأة يداها.. من خلالهما أخمن أشياء كثيرة".. ردت بامتنان: "ويدك جميلة.. قياساً بأيدي الذكور".. بينما سحبت يدها من يدي.. وإذ لمحت ما بدا مني على أنه يأس يترقرق بين جفني من حركتها الرافضة لبقاء يدي على يدها قالت: "لا أحبك رجلاً.. أحبك إنساناً.. حركتك تلك تجعلك محدوداً وصغيراً، بل مختزلاً إلى ذكر عادي يتحين فرصة تآمرية ليلمس يد امرأة".
شعرت بالخجل، حقاً، وكأن العالم كله شهد فعلتي الشنيعة.. بل أحسست بالعار، ليس لأن امرأة عرّت رغبة عادية في داخلي بمنطق متفوق، بل لأنني لست من هذا النوع من الرجال، لأن "حركتي" تلك لم تخرج عن سياق تلقائيتي التي سببت لي إحراجات عديدة مع الآخرين.
قلت في محاولة لتغيير الموضوع: "بل إن قدمك أجمل من يدك".
سألت شهرزاد وهي تبتسم ابتسامة من أدرك حرج صاحبه: " كيف يكون ذلك؟".
أجبت بلا تدبير: القدم أكثر اختفاء من اليد وما خفي، دائما، كان أجمل، بخلاف قدميّ فهما مشوهتا الأظافر...".
سألت مستوضحة: ولم هما كذلك؟
بيّنت: لفرط الألعاب الحافية.. كرة الجوارب وخرق القماش التي كنا نلعبها حفاة في أزقة حينا الطيني على أطراف بغداد.
قالت وكأنها تقرأ ما فكرت فيه: "أنا أستغرب أيضاً بشاعة النساء الكاتبات، بمقياس الجمال الخارجي، فهن كائنات جميلة عموماً. فإذا كانت الكتابة مهنة من يجعلون العالم أكثر بهجة وجمالاً فالأولى بالكاتبات المهملات أن يبدأن بجمالهن الشخصي، أما الدميمات، اللواتي نسيهن الله عندما كان يوزع الجمال على النساء، حسب قولتك، فأعتقد أن أحد الأسباب الذي دفعهن للكتابة هو  حجب الدمامة بالكتابة"... ثم أضافت بعد صمت قصير:..."المرأة الدميم..لا أقصد الذات الدميم فليس ثمة ذات دميم.. إنما المهملة لجمالها بشكل متعمد لتزداد، حتى المرأة القبيحة، إذا كانت ثمة امرأة قبيحة.. أنت تفهمني..لتزداد قبحاً بالإهمال أو ادعاء الانغماس بما هو أهم من الجمال الشخصي، بينما يمكن "الكيد" للقبح بحيل جمالية عدة لتبدو المرأة جميلة، هذا إذا لم ننس أن الجمال كلٌّ مركبٌ، أو وجود شامل يخترق الكائن البشري، عمودياً وأفقياً، فينعكس روحه الداخلي على مظهره الخارجي".. وتضيف شهرزاد، كأنها تكشف لي أكثر مما أنتظر حول شخصيتها: "أذهب إلى النادي الرياضي أربع مرات أسبوعياً.. أدخن قليلاً جداً.. أربع سجائر يومياً، حدّاً أقصى.. وأشرب الكحول قليلاً أيضاً.. في السهرات فقط، ولكنني، الليلة، أفرطت بعض الشيء، ذلك أن الحوار معك كفيل بأن يغير عادات أكثر النساء تحفظاً.. إنه كأس الويسكي الثالث.. وهذه سيجارتي السابعة فاشعلها لي من فضلك..".
قلت أذكّرها بوجوب عودتنا إلى الصالون، حيث الشلة الساهرة: إنها سيجارتك الثانية في الحديقة.
قالت: لا يهم. نحن لسنا في فرصة تلاميذ بين دروسهم المدرسيّة.
أشعلت لها سيجارتها بينما استطردت: أتعرف؟، التدخين أحد أجمل وسائل القتل الذاتي، وإذا أضيفت إليه الخمرة، فسيكون ذلك كمن يجمع الموت من طرفيه...
قاطعتها، محاولاً التفكّه وإضفاء شيء من الطرافة على ثرثرتنا الحديقية:
قال أحدهم لطبيبه: أنا أدخن وأتناول الكحول، باستمرار، وتكاد وجبتي الرئيسية، اليومية، لا تخلو من لحم أحمر. الإحمران: اللحم والنبيذ يفتكان بالبشر، كما قال ابن سينا. ولكنني، يا دكتور، لا أعاني أي علّة. أجابه طبيبه: هذا صحيح، لكنك مثل سائق سيارة متهور يتجاوز كل الإشارات الحمر، فينجو من أخطار الحوادث مصادفة.
أطلقت شهرزاد ضحكة أقصر من نفثة سيجارتها الأخيرة، ثم أطفأتها في منفضة من الفخار مخصصة لمدخني الأماكن المفتوحة، منذ القرار التعسفي الذي اتخذته السلطات البريطانية بتحريم التدخين في الأماكن المغلقة، وتذكرت صديقاً لها كان مدمنا للكحول وعندما أخبره الطبيب بأنه الموت بشكل بطيء أجابه: ولمَ العجلة؟
عدنا إلى الصالون حيث يحتشد الساهرون، أزواجاً وعشاقاً وأصدقاء، بينما كانت أغنية خليجية تنبث من مسجلة عالية الصوت تكاد تغطي على الأحاديث المتقاطعة، المبتورة، والضحكات العالية التي تنفجر مثل مفرقعات في جو الصالون المزدحم.
ضقت بالجو الرتيب، المزدحم، واقتربت من شهرزاد لأعطيها رقم هاتفي مكتوباً على قصاصة جريدة كانت في المطبخ.
اعتذرت من الحضور مودعاً وشاكراً لأصحاب البيت حسن الضيافة، وسط استغراب بعض الحاضرين من مغادرتي المبكرة.
تصبحون على خير جميعاً.. أتمنى لكم سهرة ممتعة. ألقيت جملتي على عجل وأنا أتجه إلى الخارج.
ما أن بلغت بيتي، وكان حدسها مضبوطاً، مثل الكثير من النساء، حتى رنّ هاتفي النقال، وأنا حدست بدوري، إذ كانت هي:
- صباح الخير.
- صباح النور، لكنّ الساعة الحادية عشرة، والليل، حتى لم ينتصف بعد.
- أحببت أطمئنّ. هل أزعجك أحد في السهرة؟
- أبداً، بلغ الضجر نقطة قصوى. أحسست بأن أكون وحدي أحسن لي.
- أنا أدخن في الحديقة، وحدي، فتذكرتك.
- وأنا أدخن في الصالون، وحدي.. أيضاً. وأقرأ، أو أعيد قراءة، رواية ميلان كونديرا "خفة الكائن التي لا تحتمل".
- عندما تنتهي منها أعرني إياها.
- أقرأها على البي سي، حمّلتها في الكومبيوتر.
- أرسلها لي إيميل. إيميلي سهل: shahrazad_(at)_Hotmail.com.
- سأرسلها فوراً.
- عازمتك بكرة على فنجان قهوة..
- أين؟
- في كافيه ما، أو عندي في شقتي.
- أخاف.
- منّي؟
- لا، منّي.
- لنلتق ولنعرف من يخاف من.
- أوكي.
- تصبح على خير.
- تصبحين على حب.
(تضحك) ثم تجيب: وانت من أهله.
*****
عدت إلى كتابي أقرأ:
"ينسج الإنسان حياته على غير علم منه، وفقاً لقوانين الجمال، حتى في لحظات اليأس الأكثر قتامة".
أي جمال عناه؟
ربما هي تلك اللحظات الممعنة في خصوصيتها، عندما يكون المرء وحيداً ليبتكر معناه الخاص بمعزل عن أي شرط موضوعي. هي لحظات مهرّبة من الخارج الى الداخل أو بالعكس، لتفكيك العالم وإعادة تركيبه حسب مقتضيات الحاجة البشرية للتلاؤم.
هل قصد كونديرا بتلك الخفة التي لا تحتمل على أنها التحرر من امرأةٍ ما والتسكع في شوارع زيوريخ يوم سبتٍ ما؟
لكن صديقنا ميلان يعود إلى "الجمال" الذي هو عالم جرت خيانته، ولا تمكن مصادفته إلا حين ينساه مضطهدوه عن غير قصد في مكانٍ ما.. كان الجمال يختبئ خلف "ديكورات" مواكب الأول من أيار، ولكي يتم العثور عليه يجب تمزيق قماشة الديكور.
لم تعجبني كثيراً تلك الفكرة التعليمية، رغم الغلالة النثرية المغرية، فالجمال الذي "نسيه مضطهدوه" لا يمكن استعادته بتمزيق "الديكور" أي ديكور.. بل بتذكّره.
الذاكرة، في هذه الحالة، وسيلة لرد الاعتبار إلى الجمال "الذي نسيه مضطهدوه"، وإذا ما "تذكرناه" فإننا نشتغل على إحيائه وإعادته إلى حياتنا اليومية، وما "قماشة الديكور" إلا ستار خارجي يخفي تحته ما هو أكثر صلابة من تلك القماشة. أعتقد ينبغي تحطيم الهيكل برمته.
لكنني توصلت أخيراً، وربما أغيّر ما توصلت إليه لأنني لم أُكمل الرواية بعد، إلى أنّ "خفّة الكائن التي لا تحتمل" هي: التحرر من امرأةٍ ما والتسكع في شوارع زيوريخ يوم سبتٍ ما"، كما بلغتني أثناء القراءة.
صببت لي كأس (Jonny Walker) في فنجان القهوة الذي أفرغته للتو، بعد أن نظفته بمحرمة ورقية، عجزاً عن الإتيان بكأس يليق بـ(جوني المشّاء) كما ترجمها مداعباً ماريا فارغاس يوسا في "حفلة التيس".
.. وإذ نحمّل أذهاننا فوق قدرتها فإنها تدافع عن نفسها فتدوخ. أنا دايخ قليلاً، وأشعر بأن القراءة، بعد تلك الليلة، مع كأس، وربما أكثر من "جوني المشّاء" ستفقدني التركيز لا محالة.
بل بدأت، حقاً، أفقد تركيزي حتى أن رأسي أخذ يتأرجح بين خفّة شهرزاد وهاتفها الأخير، مما قبل كونديرا، وكأس الويسكي والحوار المعقد بيني وبين كتابي الذي أقرأه، واختراقات أخرى لا أعرف منبعها تقفز إلى رأسي، والشعور بالجوع (تذكرت أنني لم أتناول شيئاً منذ سندويتش الغداء).. إذ كنت ضحية عادة عراقية كريهة هي أن العراقيين يتناولون عشاءهم في نهاية السهرة التي تركتها بشكل مفاجئ.
أعددت "سندويتش" من لحم ديك الحبش (الفسيسفس، بالعراقي) – ضحكت للاسم – ثم صببت لنفسي الكأس الأخير، قبل النوم: كأس الرحمة.
******
نهضت متأخراً، هذا الصباح.
صداع خفيف في مؤخرة رأسي ووجع صغير خلف عنقي. أعددت لي فنجان قهوة وبحثت قليلاً لأجد قرصاً من شوكولاتة MARS في أحد أدراج المطبخ. اكتفيت بهذا فطوراً، ثم ذهبت إلى الحمام أستحم وأحلق ذقني. اكتشفت أن جهاز التسخين عاطل، فلا ماء ساخن. غسلت وجهي بماء بارد ثم حلقت ذقني مستسلماً أواسي نفسي: اعتبر نفسك في العراق.
فتحت موبايلي بحثاً عن آخر مكالمة لأجد رقم هاتف شهرزاد. تلفنت لها أسأل أين نلتقي.
ردت: في "كافيه روج" الفرنسية. بـ EALING BROADWAY.
أعرفها. رددت: SEE YOU THERE.
سأكون هناك في الثامنة مساء اليوم.
********
أنا في طريقي إلى العمل. أستقل الباص الذاهب أقرب محطة أنفاق (أحيانا أبلغها مشياً – حسب المزاج -). المسافة تتجاوز العشر دقائق، بقليل، مشياً، لكنني، أحياناً، أستقل الباص. الباص يصل حيث أقف بمواعيد دقيقة، إلا في حالات طوارئ غير محسوبة، وإذ أصل محطة (North Holt) أغادر الباص لأعبر الشارع باتجاه المحطة.
الكشك الصغير للصحف والتبغ هناك، داخل المحطة. صاحبته صارت تعرفني. أما أن ابتاع صحيفة أو علبة دخان. أحياناً قرص شوكولاتة إذا كنت بلا فطور. آخذ بعضها في القطار، وأبقي البعض الآخر حتى مكان عملي في الجريدة العربية، مصححاً لغوياً. أقضمه مع فنجان نسكافيه.
في الجريدة، جاء محرر مصري شاب عصبياً ليتهمني بأنني "مخطّئ" ولست مصححاً. كيف؟ سألته. صاح في وجهي: أنا كتبت في تقريري " السيدات تتجمعن" وأنت غيّرتها إلى "السيدات يتجمعن". أوضحت له أنني على صواب وأصرّ هو على أنني على خطأ. قلت: رح اشتك عند رئيس التحرير. اعترض: وإيه "علاءة = علاقة" رئيس التحرير بالموضوع؟. سألته: طيب. وما الحل؟ قال: لا تصحح تقاريري. قلت: حاضر يا سيدي. لكنك لا تعرف العربية.
غضب وصرخ وانتفخ خداه (أصلاً كان بديناً): "أنت الذي لا تعرف العربية".
أثناء مروره نحو المطبخ سمع رئيس التحرير صراخ المحرر المصري الشاب، البدين أصلاً. دخل رئيس التحرير غرفة التصحيح. كان رئيس قسم التصحيح في إجازة.
سأل رئيس التحرير مصححاً مصرياً، زميلاً لي يجاورني، عن الخطأ والصواب في ما اختلفنا فيه.
نهض زميلي من كرسيه احتراماً، على شيء من الفزع، لرئيس التحرير بينما كنت جالساً أشرب قهوتي وأقضم قرص الشوكولاتة المتبقي.
- ما رأيك انت؟ سأل رئيس التحرير زميلي المصحح.
أجاب زميلي بسرعة: اللي تشوفو حضرتك.
ضحك رئيس التحرير الذي يعرفني منذ سنوات بعيدة عندما كان محرراً لصفحة "الثقافة والأدب" في الجريدة نفسها، وهو الذي نشر لي الكثير من القصائد والمقالات في صفحته.
سحب المحرر المصري الشاب، الذي كان بديناً أصلاً، من يده إلى خارج الغرفة.
_____________________________
(*) صفحات من كتاب قيد الإنجاز.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية