جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


حين تقول الفتيات نعم معاناة التهميش والزواج القسري في المجتمع الإسباني


تـــاتــــــــــو
الزواج المبكر، أو تزويج القاصرات من كبار السن، هي من المشكلات الطاغية الانتشار في مجتمعاتنا الشرقية، والتي تعاني فيها المرأة الإقصاء والتهميش.
سابقاً وحتى في الوقت الحاضر، لا يُثير استغرابنا حين نرى أو نسمع أن " فلانة " ابنة السادسة عشرة او الخامسة عشرة من العمر تتزوج بـ " رجل " في الخمسينات من عمره! وفق ما تتصف بها مجتمعاتنا من قبلية وعشائرية، وبالرغم من التطور الحاصل، والانفتاح والتحرر،  إلا أن هذه السمات والمشكلات لا تزال ملازمة لبعض من بيئات المجتمعات العربية.
لكن ما يُثير العجب حين نجد أن إحدى الدول الغربية  تعاني هذه المشكلة، رغم الانفتاح الذي يشهده الغرب، ولكن قد نتراجع ونلتمس العذر حين نعلم ان حادثة كهذه حصلت في اسبانيا، خلال مرحلة  زمنية كانت تعاني فيها اسبانيا طابعا اجتماعيا مغلقا، حيث صدر كتاب " حين تقول الفتيات نعم " للكاتب الاسباني والمسرحي الشهير لياندرو فرناندث دي موراتين، والذي صدرت نسخته المترجمة عن مؤسسة المدى عام 2016 بطبعتها الاولى، وترجمة بسام البزاز.
حيث يستعرض الكاتب " دي موراتين " في هذه الرواية  المسرحية، قصة رجل يبلغ من العمر الخامسة والتسعين، يحاول الزواج بفتاة تبلغ من العمر " السادسة عشرة".
فـ " دون دييغو " الرجل كبير السن، الذي يحاول ايجاد إمرأة " صالحة "  تشاطره وحدته، وتعتني به في شيخوخته، وهو ذو الشخصية غير العاطفية " بعض الشيء " رغم حنوه الأبوي إلا أنه صارم بعض الشيء، يرغب بأمرأة " مطيعة تخدمه ومدبرة منزل جيدة، تراعيه، على أن يكون طموحها الأكبر هو الوفاء والاخلاص له، وانجاب الأطفال ليحملوا اسم عائلته."
بينما نجد في الجانب الاخر، دونيا " باكيتا " وهي فتاة من عائلة فقيرة، والتي ستظهر في الرواية باسمين آخرين " دونيا فرانثيسكا، أو كورّيتا " قد يكون هذا على سبيل التودد، او انها صيغ عائلية، فنجدها لا تزال في مرحلة انتقالية ما بين الطفولة والنضج، فهي في السادسة عشرة، ولاتزال تعاني افكار الطفولة، منشغلة باحلامها الوردية، بينما يُطلب منها أن تكون ناضجة لتكون جديرة بهذا الرجل الذي يكبرها بثلاثة واربعين عاماً.
وبين هذين الجانبين  المتباعدين كل البعد في التفكير، والميول، والاخيلة والطموحات، تظهر دونيا " إيرينه " وهي والدة الفتاة " باكيتا " سيدة صارمة، ومتعجرفة بعض الشيء، من عائلة كريمة رغم فقرها لأنها انفقت كل ما تملك بعد رحيل زوجها الاخير، وقد تزوجت دونيا ايرينه من عدة ازواج انجبت منهم العديد من الابناء، واخرهم باكيتا، وتحاول  دونيا ايرينه، ان تسترجع الاموال التي خسرتها من خلال تزويج ابنتها الشابة لهذا الرجل المسن، في الوقت الذي لا تسمح به للفتاة بإبداء رأيها في هذه الزيجة، وتحاول الضغط عليها من أجل الكذب، وإظهار موافقتها امام العريس الموعود.
نجد أن الكاتب في هذه الرواية، يصور لنا الممثلين مستخدما الحبر والورق لينقلنا على خشبة المسرح، ويكتب سيناريوها حواريا مسرحيا متكاملا، وينقل صورة عن واقع المجتمع آنذاك، من خلال  تصوير المرأة بأنها كائن ثانوي ضعيف ومهمش، مجبر على قول "نعم"، وإن كان كذباً.
ومن أحلام الشيخ المتطلع إلى حياة جديدة في شخصية " دون دييغو "
" أتوق إلى حياة جديدة... سأجد من تخدمني وترعاني بحب، وإخلاص وسنعيش كقديسين..."
وإطراؤه على المرأة التي سيتزوج بها، نجده كثير القلق، وغير مستقر لأنه غير مطمئن من موقفها، فهي لم تبدِ رأيها بهذه الزيجة بشكل واضح وصريح، وغالباً ما خيم على ردودها  الصمت.
إلا أن الأم كانت دائما ما تحاول بث الطمأنينة في روح الزوج المستقبلي من خلال اقناعه بأن الفتاة لاتزال في سن صغيرة، وأن احلامها بريئة وخجولة رغم أنها مهووسة بهذا العرس.
وهنا أضاف الكاتب شيئا من الفكاهة إلى الرواية من خلال شخصية الأم، رغم صرامتها إلا أنها إمرأة مبالغة بشكل مثير للسخرية، فهي تحاول أن تجعل ابنتها نسخة منها حين تزوجت هي في سن الخامسة عشرة من رجل ناهز الخمسين من العمر، فتقول لـ دون دييغو " ماكان يناسبني أنا كذلك صبي مغرور قليل الحكمة والتدبير، كلا... وليكن  زوجي الاول الذي ناهز السابعة والخمسين معتلاً لا سقيما في صحته، كان بفضل الله معافى كالتفاحة، ولم يعرف في حياته مرضا غير الصرع، الذي كان ينتابه من حين لآخر. لكن المرض اشتد عليه بعد زواجنا حتى وجدت نفسي ارملة بعد سبعة اشهر من الزواج وحبلى بطفل."وهنا ناقضت شخصية الام ذاتها.
ورغم مخططات الام إلا أن القدر والعشق قد تفوق على أكذوبتها، فكان لـ " دون دييغو " أبن أخ يدعى " دون كارلوس " وهو شاب ضابط في الجيش ومدرس رياضيات، وصادف أنه ألتقى من خلال رحلاته الكثيرة بدونيا باكيتا وعشقا بعضهما...
هنا سنجد جزءا دراميا مشابها لقصص الخمسينات والستينات من القرن الماضي وافلام الاسود والابيض التي تذكرنا بفاتن حمامة وزكي رستم وعمر الشريف، فماذا سيكون رد فعل الرجل العجوز من الصدمة، وما هو موقف أبن الاخ من الفتاة بعد أن يكشف أن عمه هو منافسه.
لكن ما قد يُفاجئ القارئ هو موقف الشيخ العجوز، الاستثنائي والابوي، وهنا يظهر الكاتب عاطفة بطل المسرحية " دون دييغو " الذي سيُفاجأ من خلال رسالة تقع بيده وقد تركها ابن اخيه " دون كارلوس" لـ " دونيا باكيتا "، اضافة إلى الاغنيات والصفقات التي يضج بها الليل، والتي كان يطلقها كارلوس لباكيتا اشارة على حبه لها.
ويقوم دون دييغو بتصليح موقفه من هذه الفتاة القاصر، معلقاً اللوم على خالاتها وأمها في النص الختامي " كان هو وابنتك يهميان حباً، بينما كنت انت وخالاتها تشيدين قصورا في الهواء وتملأن رأسي بالاوهام.... هذه هي عاقبة تعسف الآباء... وهذا هو الظلم الذي يحيق بالشباب... هذه هي الضمانات التي يقدمها اولياء الامور... وهذه هي نتيجة الركون إلى كلمة " نعم " التي تقولها الفتيات... لقد تنبهت بالصدفة، وفي الوقت المناسب، إلى الخطأ الذي وقعت فيه... فويل للذين لا ينتبهون إليه إلا بعد فوات الاوان!."
أيضاً يجب ان نشير إلى أن هذه المسرحية التي لخصت بثلاثة فصول كل فصل يتضمن عددا من المشاهد، تتضمن شخصيات ثانوية، كخادم دون دييغو سيمون، ووصيفة دونيا باكيتا ريتا، وغيرهم من الشخصيات التي بالرغم من أنها بعيدة كل البعد عن دور البطولة إلا انها شخصية اساسية في تغيير مجرى الرواية من خلال المهام التي ستقوم بها هذه الشخصيات في تحريك الاحداث الروائية، ونجد ان الكاتب منذ ذلك الحين، قد استطاع أن يجعل من الشخصيات الثانوية ابطالاً من خلال دورهم المتحكم بسير الرواية او المسرحية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية