جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


سيغموند فرويد المعلم النفسي في حكمة المتاهات


اريزونا/ عباس الحسيني 
لم يعط مؤلفو الموسوعات المعاصرة، اي تبرير لاستثناء طروحات طبيب الاعصاب وعالم النفس والحكيم الاكثر شهرة، سيغموند فرويد من تقنيات المعالجات النفسية،
غير ان الملاحظ فيما يذهب اليه خبراء الجلسات النفسية المعاصرون Therapists  من ان فرويد كان يضع افتراضاته على جملة عينات بشرية تشترك بصفات برجوازية ومن طبقة اجتماعية واحدة، هي طبقة النبلاء والمشاهير، وليتم قراءتها بالمجاملة النفسية، دون الالمام بحقيقة التوتر النفسي، ولا عبر دراسة جميع افراد المجتمع، وهو ما حدا بسيغموند فرويد الى اتباع اطرٍ ومسارات أدبية – فلسفية، لتحليل انزياحات الانفس البشرية.
حكم فرويد على الشعراء غير المبدعين وجوقات المموسيقيين المقلدين ورسامي الشوارع واصحاب المهن والحرف، على انهم مرضى بعقد النقص، في مسعى الى تعويض الانـــا بالاخر، وعبر الاحالة الى العمل غير المتقن الذي يقومون به، وهو افتراء، لان الاجناس البشرية المبدعة، تمثل نمطا ذكائيا، يعد بنية هامة للمتلقين، كما ان اصحاب الابداع العظيم، هم قلة قليلة تشترك ظروف خاصة في صناعتهم وشهرتهم.
كان عامل التحليل الجنسي واحدا من اهم اسباب شيوع شهرة الطبيب سيغموند فرويد، وذلك باحالة  افعالنا الواعية، وحتى اللا واعية منها، الى احتياجات ونوازع الدافع الجنسي، بغية الاشباع، وهي نظرية كلاسيكية، لم تثبت على ارض الواقع، ولا حتى نظريا، بسبب قصور القراءات البايلوجية آنذاك، لعدم تطور العلوم المرافقة لها كعلم الدمhematology    والدراسات الهرمونية، هذا بالاضافة الى عدم شمول سيغموند فرويد لعلم الجينات الوراثية، genetic ، حيث تشير البحوث المعاصرة الى ان اغلب مثيلي الجنس على سبيل المثالsamesex individuals  يعانون من اختلال في الجنيات المورثة المهيمنة على مسار الشخصية العام في السلوك الجنسي.
في البحوث المعاصرة التي نضجت في باريس وتم تدوينها تجريبيا، عبر مسوحات احصائية مختبرية، في الولايات المتحدة الاميركية ومنهم العالم سكينر الذي ابتكر نظرية التطرف السلوكي، وكذلك العالم الاميركي التربوي كرونباخ واضع نطرية التقييم العلمي للقدرات البشرية Generalizability .
وبدءا فان الشخصية الانسانية، تتبنى هويات عديدة، حتى تصل مراحل الاكتمال ومنها الهوية الجنسية، Gender identity disorder والتي تعرف  اختصارا بـGID.  وهو تشخيص يطلقه أطباء وعلماء النفس و الفزيولوجيون على الأشخاص الذين يعانون من حالة من اللا ارتياح أو القلق  Dysphoria حول نوع الجنس الذي ولدوا به. وكان يعتبر تصنيفا نفسيا، ثم أزيل التشخيص من قائمة الأمراض العقلية والنفسية. لكن جميع المصادر كانت قديمة أو حديثة أقرت أن اسبابه بيولوجية كالتركيبة الجينية للأنسان او البنية الدماغية، المتعلقة بالتأثيرات الهرمونية على الدماغ في فترة التكوين الجنيني، ما قبل الولادة. يصف هذا التشخيص المشاكل المتعلقة بـ كره الجسد الذي هو عليه، وعدم الارتياح معه، ويكون عقل المصاب بهذا الخلل مشحوناً بتغيير الجسد أو عملية تصحيح الجنس الجسدي ليتناسب مع الهوية الجنسية. وهو تصنيف تشخيصي لا ينطبق بشكل عام على المصححين جنسياً أو الترانسجندر .transgender
قدم فرويد تحليلا فلسفيا لجملة اعمال ادبية وفلسفية، اصبحت فيما بعد هوية للعصر الذي عاش فيه، بدءا من فينا في النمسا حتى نشاطاته في اميركا، وكانت الاقتباسات من الاساطير اليونانية، كاوديب ونوريكسوس، بمثابة اشتغال على منظقة الادب، اكثر منها مسوحات نفسية، أشار فرويد إلي وجود أوجه شبه بين أساطير ورموز، عرفت عبر التاريخ، وهي تظهر في الأحلام، لتمثل دوافع غريزية قوية،  وقد أطلق عليها أسماء شخصيات أسطورية إغريقية. فانتقل فرويد إلي دافع هام وهو الغرور أو الافتنان بالنفس وهو أن الغرور يتملك المرء فيعجب بجماله ورشاقته ويعشق طلعته البهية، فيكون مصيره الموت مثل نركسوس، ولقد سمي ذلك الدافع عقدة النرجسية، نسبة إلي نرجس- نركسوس.
رشح سيغموند فرويد 32 مرة بين عامي 1915 و1938، لنيل جائزة نوبل في الفزيولوجيا والطب، ولكنه لم يمنح الجائزة، وفي عام 1929 قام أحد الخبراء بلجنة جوائز نوبل بقراءة تفاصيل أعمال فرويد وجاء بنتيجة، أنها لا تحتوي على أي قيمة علمية مؤكدة. لكن العالم الروسي إيفان بافلوف، حصل على جائزة نوبل عام 1904 لجهوده في تفسير فزيولوجيا الهضم. ويعد بافلوف مؤسس علم النشاط العصبي والدوائر العصبية.
وضع فرويد حكما ضمن مستهل اعماله النفسية، ذهبت لتكون من ثوابت التفكير البشري، ومنها قوله:  ليس ثمة سلطة تعلو على سلطة العقل، ولا حجة تسمو على حجته، وقوله: يكون الانسان شجاعا حين يشعر انه محبوب. وقوله: غالبا ما تكون الأحلام في غاية العمق عندما تكون في غاية الجنون.
شعر فرويد بالتفرد البشري الذي يمليه عليه فكرة ندرة الدم اليهودي، كان شعور الاقلية في الكون، وشعور التفرد الاسمى لهذه الاقلية، بمثابة الشرارة التي جعلت فرويد يعمق مسارات بحوثه النفسية، وبعد شجون الحرب العالميبة الثانية، وهروب اليهود الى اميركا ومنهم البرت اينشتاين وسيغموند فرويد، فان طروحات عاصمته الاولى فينا، بقية حية، تتراى له بين شبح موت وانتفاضة قضية، حيث عمق نظريات  Psychoanalysis التحليل النفسي ليجهز على بقية انماط التفكير البشري عهبر الاحالة غير المنظور من الافكار البشرية، حيث تبين لفرويد ان الكزن يفكر بسطحية عابرة، حين يعمل ويقرأ ويقاتل ويمار الملذات، لكن العقل الجوهري كامن في الباطن، وفي مكامن لا تدرك ولا يمكن التحكم بها، وذلك عير المونولج النفسي الذي يغذي خلايا عصبية، تحتفظ بمخزونها المعنوي، وذهب الى ضرب نادر خارق التصور، اطلق عليه التفكير اللا واعي unconscious mind.
وعن دورية يلس نيكلاند الفرنسية، نقرأ هذا التحليل: في عام 2001، نشرت أكاديمية جائزة نوبل نص رفضها ترشيح فرويد الى نوبل الآداب. وفي ذلك الوقت، رأت الاكاديمية ان السلطات الطبية هي المخولة تكريم فرويد وتقويم أعماله وأساليبه العلاجية. واقر القائمون على الاكاديمية يومها، أن الطعن في ترشيح فرويد الى جائزة نوبل الآداب، أمر عسير. ويكاد أسلوب فرويد الادبي يبلغ الكمال الناجز، إذا طُرح كتاب تفسير الاحلام، من هذا التقويم. ففي هذا الكتاب، بحسب اكاديمية نوبل، يبدو كلام فرويد في معرض تحليله الاحلام مبهماً. ففــي سعيه الى تفسير فوضى الحلم، خفف فرويد من مرونة أسلوبه الأدبي، وفصّل الجمل الادبية على قياس نظام تفسير الأحلام. والحق أن أسلوب فرويد في تفسير الأحلام شبه آلي، ويقترب من الفظاظة. فقد استخدم لغة رمزية بسيطة، وغير منمقة تدور على الأعضاء الجنسية. وقوض فرويد غنى رؤى الحالم، وأحالها الى لغة مسطحة تحاكي الأشكال الجنسية. وزعم القائمون على الأكاديمية السويدية أن عقدة أوديب استحوذت على تفكير فرويد، وقوض استحواذها أسلوبه العلاجي، الذي يتوسل الاعتراف والبوح لتطهير اللاوعي. وخلصت الاكاديمية السويدية، في 1936، الى أن من نشر الفساد في الأوساط الادبية، وأثر سلباً في صغار الأدباء، لا يستحق التكريم.
السؤال المتاخر ان النشاط النفسي الانساني في وعيه المعاصر، خليط من دماء تحمل مسارات لا حدود لها من الارهاصات والتقلبات والاحالات، عبر جسد بشري محدد القوى والقدرات، والكل ينتظم في دماغ تشارك المشاعر البشرية فيه المشاعر الحيوانية والدونية، وهو ما نجده في انماط التحول البشري، عبر نزعات الاجرام والهيمنه والديكتاتورية والانكفاء والتمرد والموت البطيء، او على العكس في تقمصات الانبياء والشعراء والعلماء والحكماء واصحاب المروءات والشهامات الانسانية الخالدة.



المشاركة السابقة