جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


توظيف الأطعمة لمغازلة النساء


زينب المشاط
"يا سلاااااام، هذا ما يُقال عنه العشق الاستثنائي"، صرخت "رفيف" بتلك الجملة أثناء جلوسنا لمشاهدة فيلم  woman" on top"  فأفزعتني.
التفتُ إليها محاولة ضربها بالمخدة الموضوعة على الاريكة الحمراء التي أخذت شكل شفتين، والتي تتوسط غرفة الجلوس في شقتها المميزة،  ذات الطابع الإنثوي المختلط ما بين الفن والجمال وهوس الطبخ والأطعمة.
" اسفة اسفة ولكن هل سمعتِ حين قال "موريلو بينيسيو" لـ " بينيلوبي كروز "، " بشرتك تحمل مذاق الملح، رائحة شعرك كالقرفة، وطعم شفتيك كالفلفل الحار"، قالت رفيف هذه الكلمات وقد شبكت يديها وكأنها تُلقي قصيدة عظيمة.
نظرتُ باستغراب: وأين الاستثناء بالأمر! فأجبتها " لو كان هذا الرجل عراقيا لقام بترحيل زوجته إلى بيت أهلها بحجة أنها لم تستحم بعد إنهاء عملها في المطبخ."
أجابت رفيف بانفعال "لأنه جاهل"، "عزيزتي الكثير من الرجال هنا لا يجيدون مغازلة المرأة ولا يبتكرون طرقا استثنائية لمغازلتها، ولهذا نجد أن الحب في هذا البلد روتيني وسريع الملل، ولا يمكن أن يبقى مشتعلاً بشكل دائم، لأن المرأة لا تعرف كيف تشعل النار، والرجل لا يعرف كيف يضع الحطب، بذلك سوف تفشل الطبخة."
اسلوب حياة رفيف يتعلق بالأطعمة، بالرغم من جمالها، ورشاقتها، إلا أن كل شيء في بيتها يتخلله الطعام، وروائح الأكلات الشهية والصحية في ذات الوقت، حتى الفيلم الذي كُنا نتابعه كان يتعلق بالطبخ والأطعمة، وهي أيضاً، تُشبه تماماً عرق الفلفل الحار، شهية، تُحرق ما حولها دون أن تتسبب بدماره.
ناولتني رفيف كيس الشيبس، وقالت "تناولي هذا واستمعي لي يا فتاة، الطعام وعبر التأريخ هو وسيلة لمد جسور التودد بين الأشخاص، بل وحتى بين الله وعباده."
"فمثلاً كان المصريون القدماء يقدمون لآلهتهم بعض الأطعمة كقربان محبة لهم، وحين يموت أحد الفراعنه تُدفن معه أمواله، وأطعمته، وامرأة جميلة، ألا تلحظين أن الجمال والمتعة يكمنان بالمرأة والطعام."
فتحت كيس الشبيس، وبدأت أتناول وأنا كُلي تماهي وامتزاج مع حديث رفيف الممتع، "ماذا لو قرأتِ  كتاب بلقيس شرارة؟ " الطباخ/ دوره في حضارة الانسان "، ستجدينها تذكر فيه نقطتين مهمتين، الاولى هي إعداد الأطعمة للآلهة لغرض  التقرب منها كما ذكرنا، والثانية، ستجدينها تتحدث عن "المرأة والطبخ"، وتشير شرارة في كتابها إلى أن المرأة قد منعت من دخول مطابخ الملوك، والطبخ في المناسبات ونقلت هذه المهمة إلى الرجل بأمر من كهنة المعابد.
ورغم ذلك المنع إلا أن أمر صناعة الكعك، والخمور أوكل للمرأة، وهنا ستجيدين كم المتعة والتذذ الذي يرتبط بين المرأة والأطعمة الشهية، فلا تليق هذه الأنامل الجميلة إلا لصناعة  الحلويات والكعك، وألذ الخمور، وأشهى انواع النبيذ."
همهمت، وأخذت زجاجة العصير لأشربها، حيث بدأت أشعر بأن حرارة الشبس تُلهب جوف فمي، وعدتُ للاستماع إلى رفيف التي قالت "سوف أثبت لكِ أن المرأة والأطعمة تربطهما صلة وثيقة، وسأطرح إليكِ سؤالاً، هل سمعتِ يوماً بإمرأة تتغزل برجل وتقول لهُ، كم أنت رائع يا ذا العينين اللوزيتين، يا ذا الوجه البيضوي، والشفتين الكرزيتين؟؟؟"
انفجرت ضاحكة " لا طبعاً، يالك من مجنونة أثرت اشمئزازي، لا يمكن تخيل هذا طبعا."، أسهبت رفيف في حديثها قائلة  " بينما تجدين الرجل مفتونا بتلك المرأة ذات الوجنتين التفاحيتين، والأنامل التي تُشبه اصابع البطاطا المقلية، والرائحة الممتزجة برائحة الفراولة."
نظرت رفيف إلى شاشة التلفاز مُتأملة وقالت "حسناً لي صديقة، كان زوجها استثنائيا حقاً في مغازلتها، فكانت تخبرني أنه يُقبل شفتيها بعد أن يدهنهما بالشكولا، كما كان يملأ حوض الحمام بالفواكه، لتغمر رائحة الفواكه جسدها بعد حمام ساخن، هذا الرجل يستغل جمال الطبيعة، ليمزجه بجمال زوجته، وهذا ما كُنت اعنيه حين أخبرتك " بأن رجالنا لا يعرفون كيف يضعون الحطب"..
فسألتها "وزوجته (أعني صديقتك تلك) هل هي من النساء اللاتي يعرفن كيف يشعلن النار؟" ضحكت رفيف بمكر وقالت " برافووو يابنت بدأ دماغك يستوعب ما اقول " مؤكد ان على المرأة أن تُبادر بإشعال النار " فقط تقدح اللهب " والباقي على الرجل، وصديقتي تلك كانت دائما ما تقدح اللهب،  ولا تنسين أن أهم شعلة نار تمنحها المرأة للرجل هي إرضاء معدته، وصناعة أشهى الأطباق " فأسهل طريق لإشعال قلب الرجل يمر من خلال معدته."
لا أعرف ما إذا كان الحديث مع رفيف  من المتعة التي تفوق متعة مشاهدة الفيلم، أم أنها من الأشخاص الذين لا يجوز مجالستهم أثناء مشاهدة فيلم او برنامج ما، لأنها لا تعرف الصمت وتجر الاخرين خلف حديثها الذي لا يخلو من اطلاق القهقهات بين الحين والآخر.
"وسيم"، هذا الاسم الذي نطقته رفيف قاطع افكاري، فسألتها من وسيم؟، " هذا واحد من الرجال الألف الذين احببتهم" قالت ضاحكة " هذا الرجل كان يوظف كل ما يخص الأطعمة في  مغازلتي، كان وسيم دائما ما يُهديني علب شوكولا مميزة وغريبة، لم اتذوق منها مسبقاً " رُغم أن لا شيء في عالم الطعام يفوتني" ولأنه يعرف جيداً أنني مهووسة بهذا العالم، كان يهدي لي أنواعا لم أرها في حياتي من الشوكولا، كان هذا الأمر يسعدني جداً، كما أنني قرأت ذات مرة أثناء تصفحي على الأنترنت، أن الرجل الذي يهدي للفتاة قطع شوكولا هو رجل رقيق المشاعر، ويراها كطفلته المدللة، ورجالنا يا عزيزتي يريدونك أماً لا طلفة."
صرخت برفيف طالبةً منها كأس ماء بسرعة لقد استشاط فمي بحرارة الشيبس ونفدت علبة العصير، بينما إمتزجت أصابع يدي بفتاته الممتزجة " بالشطة ".
"آه والآن أنت يا عزيزتي أصبحت بالضبط كبينيلوبي كروز، إمرأة بطعم الشطة والفلفل الحار، "  قالت رفيف جملتها وقد ناولتني كأس الماء الذي أسعفني، إبتسمت بعدها وقد تخيلت نفسي بهذه الفُتنة والروعة والإثارة.
حسنا، لكن  بعض الأشخاص يظنون أن  العلاقة بين الاثارة والطعام منحسرة على الجنس فقط، ويفكرون بالأطعمة كمقويات جنسية لا غير" وجهت جملتي لرفيف كمن يحاول الاستفادة من معرفة هذه المرأة.
" للأسف عزيزتي، حين نتحدث عن الطعام والإثارة يخطر في بال الكثيرين أن الطعام مقوٍ جنسي، لأنهم يجهلون فكرة المتعة الغزلية والعشقية التي تكمن بإمتزاج الجسد بروائح الأطعمة الشهية كالفواكه، والمشروبات الكحولية الاستثنائية، او العسل وغيرها، فمثلا لو قرأتِ " رواية دفاتر دون يغوبيرتو" لماريو بارغاس يوسا، ستجدين أن الاطعمة تستخدم كنقاط إثارة ومتعة جنسية، وليس كما يعتقد البدائيون أن تستخدم بعض الأطعمة كمقويات جنسية، بالفعل أن بعض الاطعمة تعمل بهذا الجانب، ولكن حين نتحدث عن الأطعمة التي توظف بشكل عشقي، فهذا أمر آخر، ففي احد فصول رواية يوسا، يذكر أن أحد الشخصيات المدونة في دفاتر دون ريغو بيرتو ستقوم بدهن جسد دونيا لوكريثيا بالعسل فقط من أجل الإثارة والمتعة الجنسية."
ساد الصمت من جديد على جلستنا، وعدنا لمشاهدة الفيلم، وقد أطلقت بينيلوبي كروز جملتها " للطعام قدرة تجعلنا نتخلى عن ألم الحب "،  فصرخت رفيف مرة أخرة قائلة "نعم هذا موضوع أخر أيضاً سأشرحه لك الآن."
وقفزت واقفة، ثم تركت شعرها الغجري سائباً(محاولة بذلك تُقيلد بطلة الفيلم، وهي تشم عرق الفلفل الحار بإثارة) فبدا شكلها المبالغ به مثيرا للسخرية والضحك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية