جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


تماثيل بلا رؤوس: من كوديا الى جواد سليم


حسن ناصر
تستهدف الحيوانات الضارية العنق وهي تصطاد فرائسها ففصل الرأس أفضل وأسهل طريقة للقتل كما يبدو لنا ولكافة ذوات الأعناق، صغرت أعناقها أم كبرت.
الأدلة التاريخية في كل أمم وثقافات البشر وفيرة وجلية على أن استهداف الرأس بالسيف والمقصلة أو المسدس أو فصله بطرق أخرى ولأسباب ومحفزات عديدة هوأقصر وأبشع الطرق في القتل وهذا باب واسع يطول البحث فيه.  لسنا هنا بصدد الخوض في بشاعة قطع رؤوس الأحياء والأمثلة عليها للأسف الشديد كثيرة ومتداولة ومستمرة وانما نروم الكلام في دلالتها المعنوية القاسية المتمثلة بقطع رؤوس التماثيل. وهذه أيضا ممارسة تليدة في ثقافاتنا البشرية عامة والعراقية على وجه الخصوص والشواهد التاريخية عليها كثيرة بلا أدنى شك. أما المحفز على هذا الكلام فهو صورة تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي تظهر تمثال النحات والفنان العراقي العبقري جواد سليم مرميا على الأرض مهملا ومقطوع الرأس طبعا.
تعرّض القسم الأعظم من تماثيل الحضارات القديمة التي تعاقبت على أرض العراق الى التخريب. عدد لا يستهان به من التماثيل كان بلا رؤوس حين عثر عليه المنقبون. قرأنا نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي تقريرا من جامعة شيكاغو  في الولايات المتحدة عن موقع أثري في مدينة نفّر أو نيبور كما يترجما الغربيون. وكانت الجامعة مهتمة تماما بشأن ذلك الموقع بعد أن عثرت عليه منتصف السبعينيات وظلت تراقبه عبر الأقمار الصناعية حتى بعد أن انتهت العلاقات العراقية الامريكية في 1991. مبعث اهتمام الجامعة بموقع نفّر المذكور هو أن عمرهذا البيت بتقدير بضعة آلاف سنة وأن كل طبقة من طبقاته المدفونة تحت الأرض تمثل عهدا بعينه ولا شك تحمل مخلفات تساعد على إعادة تركيب صورة ذلك العهد. كان الموقع سيجيب عن أسئلة مهمة ويملا الحلقات المفقودة التي تربط السلالات والثقافات واللغات التي تحولت لتصبح على  ما هي عليه اليوم. كان الباحثون الذين يعملون في المشروع يسعون عن الإجابة على سؤال واحد مفاده: لا يمكن ان يكون الإسلام قد أحدث التحول الجذري وغيّر اللغات القديمة وأشاع العربية في المنطقة ذات التاريخ العريق بين ليلة وضحاها، اين ما تبقى من تلك الديانات وأين ما تبقى من تلك اللغات، أين الأدلة الباقية من فترات التحوّل من العصر الساساني الى العصر الاسلامي؟ 
لم يجد المنقبون شيئا مهما على الأرجح وكانوا يأملون في الوصول الى أدنى طبقات البيت غير أن السياسة منعتهم ومن ثم يصرّح التقرير بوضوح مؤلم قبل أفول الألفية الثانية أن الموقع يتعرّض لعمليات نهب منتظمة. لم يعثر الفريق الآركيولوجي لجامعة شيكاغو في طبقات بيت نفر المذكور بعد تنقيب طوابقها القريبة من سطح الارض على شيء ذي بال. كانت الطوابق كلها مُدَمّرَة وكل واحد منها في نهاية عهده مخرّب محطم. ما من عهد انتهى بسلام كلها انتهت اما بكارثة من عمل الطبيعة أو بأخرى من عمل البشر كما يقول التقرير. كان هناك عدد لا يحصى من التماثيل مقطوعة الرؤوس طبعا.

هناك من يقول إن ظاهرة قطع رؤوس التماثيل ظاهرة إسلامية وفعل برره بل وحث عليه الاسلام اتباعه. لا أظن أن هذا يخلو من الصحة. ولعله من الصحيح ايضا قبول التفسير القائل بأن قطع رأس التمثال نابع من أن نحت ورسم البشر أو من هم على هيئة البشر حرام حسب تعاليم الاسلام، ومن الاعتقاد بأن الله يسأل أولئك الفنانين على ان يمنحوا روحا لما نحتوا او رسموا وهكذا يواجهون سعير جهنم بجريرة تقليد الخالق. لكن الأدلة كثيرة أيضا على أن قطع رؤوس التماثيل أقدم من الإسلام بكثير والتمثيل بالتماثيل سلوك ليس بالغريب اذا تفحصنا عصور التاريخ.
يقول حديث نبوي تنقله ام المؤمنين عائشة "كسر عظم الميت ككسره حيّا "  جاء هذا في سياق ترسيخ حرمة عظام الميت ناهيك عن رأسه  وتجريم التمثيل بالجثث. يمكننا طبقا لهذا ان نفسر القول ذاته في سياق ثقافة الانتقام  على ان معاقبة الميت كمعاقبة الحَي ولذا تكسرت عظام الموتى مرارا عبر تاريخنا العجيب.  عاقب الاسلام هبل وجوقته من آلهة مكة القديمة فكسر عظامهم  جميعا ومحاها عن وجه الارض. ان تطبيق العقوبات على جثث الموتى وعلى التماثيل ايضا ليس بالأمر الجديد كما قلنا لكن المؤلم انه مستمر. كانت الامم في العصور القديمة اذا هزمت مدن اعدائها استباحت معابدهم  وأسرت تماثيل الهتهم لان في ذلك اذلالا لرموزهم الروحية.
يضم متحف اللوفر في جناح منه جمهرة من تماثيل لآلهة عراقية قديمة مقطوعة الرؤوس بلا استثناء. هل هذا ملمح من ملامح هويتنا. هل يترتب علينا وضع صورة تمثال مقطوع الرأس كشعار واقعي يدل علينا؟
كتبت الشاعرة الأسترالية آن فيربيرن التي زارت العراق مرارا قصيدةً عن الملك العراقي القديم كوديا “أمير السلام” وثيمة القصيدة ان كوديا كان مسالما حكيما عادلا وأميرا للسلام ولذا لم تُقْطَع رؤوس تماثيله. الفكرة شاعرية أمّا في واقع الأمر فإن هناك - ورغما عن كونه مسالما حكيما عادلا وأميرا للسلام - عددا من التماثيل مقطوعة الرأس للملك الطيب كوديا نفسه.
ربما كان قطع الرؤوس مبررا في العصور القديمة فهو البرهان القاطع على موت الضحية. لم يكن بإمكان سرجون الأكدي أن يرى المعارك ضد المتمردين عليه في اصقاع الممالك المتشرذمة التي كان يسعى لتوحيدها في أول امبراطورية في التاريخ،لم يكن بامكانه أن يشاهدها على اليوتيوب مثلا أو نقلا حيا من خلال السي أن أن أو السكايب، لذلك كان لا مفر من قطع رؤوس المتمردين القتلى وحملها الى سرجون ليتأكد بنفسه من أن المهمة أنجزت. لكن قطع رؤوس التماثيل لا يؤدي غرضا كهذا ليس فيه سوى انتقام  وثني.  رأينا فورة لذة الانتقام التي مورست على صور  صدام حسين  في انتفاضة آذار ١٩٩١ واعيدت في ٢٠٠٣ كانت الناس تعاقب الصور وكأنها تعاقب الرئيس المهزوم.

لعل الافادة العميقة التي تنطق بها جميع التماثيل مقطوعة الرؤوس هي أن الجثث زائلة مهما كان التمثيل بها بشعا، الاعضاء تتفسخ وتذوب مع الزمن. لكن التمثيل بالتماثيل ابدي. حتى التماثيل التي نجح المناقبون باعادة رؤوسها اليها تبقى مسكينة تحمل حزا عميقا وحشيا يثير الرثاء.
ليس القصد الدفاع عن حقوق التماثيل في عالم يشهد هدرا جنونيا شيطانيا لحقوق البشر، بل القصد هو الاشارة الى الحزن العميق الذي يثيره هذا الجهل الغاشم بتدمير منحوتات صنعت للجمال والدلالة على المهارة وانفق اناس مجهولون في الغالب جهدا كبيرا في تكوينها. لكننا محترفوا تدمير. نحطم اشياء لا قدرة لدينا على صنعها.
تتأمل صورة تمثال جواد سليم مقطوع الرأس مرميا على الأرض. هي غصة بالتأكيد ولذا ومن أجل مكافحة كآبة قاتمة تهاجمك تجد نفسك مضطرا الى اجتراح عزاء وترى المأساة من ناحية أخرى وتحاول أن تبتسم وأنت تهمس هاهو النحات العبقري عاشق وخلاق التماثيل والذي شرّف بغداد بنصبه الكبير يتخذ له مكانا بين الآلهة العراقيين في المجمع القدسي للأنوناكي بتمثال مقطوع الرأس طبعا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية