جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


للشـفـتيـن لغـة إغوائيـة


زينب المشـاط
"أحلى الشفاه تلك التي تعصي، وأسوأها تلك الشفاه التي تقول دوما بلى"، تلا وائل هذا المقطع من قصيدة لنزار قباني، باسماً ومُنجراً خلف أخيلته، حين كُنا جالسين في احد المطاعم نتناول وجبة غداء ونتحدث بمشروع عملنا المشترك الجديد، فاجأني فسألته " مابك؟"
أتعلمين؟ في هذا المكان وعلى تلك الطاولة (أشار للطاولة التي تقع في الزاوية الأخيرة من المطعم) التقيت بعشقي الأبدي  "ليان"،كان هذا اسمها، أول ما لفتني فيها شفتاها حين تلثم فنجان القهوة بغواية وغنج رهيب."
وائل تحدث عن حبيبته ليان وكأنه يُلقي مقطعاً من قصيدة نثر، أو يتحدث عن قصة أقرب إلى الخيال، كان ينظر للبعيد، أو اللاشيء، وقال بشيء مبالغ فيه " لو كان هذا الفنجان من دمٍ ولحم لسجد عند محراب شفتيها المقدستين."
لم أكن على معرفة بتلك الفتاة التي يصفها وائل، لكني على معرفة جيدة به، ويبدو أنه ما يزال يهيم عشقاً بها، وأخذ يروي لي عن صاحبة تلك الشفتين المعجزة: "ان شفتي ليان لم تكونا مكتنزتين، حسناً كيف أُفسر لكِ ذلك يا ابنتي (قالها ساخراً) ان الإغراء والجاذبية في شفتي ليان كانتا برفضهما المستمر وتمردهما، تلك التي توهمك بقبلة قريبة، ثم تهرب منك، تلك التي تُهدي ألف وعدٍ عشقي، ثم تخلف وعدها." حينها أدركت لمَ بدأ وائل كلامه عن ليان بمقطع من قصيدة قباني.
    لمست شفتيّ بحماقة متناسية وجود وائل سارحةً  بذاكرتي التي جرتني لحديث نسوي يخص  الموضوع ذاته، و مُتسائلة ما إذا كُنت أمتلك شفتين تنحتني في ذاكرة أحدهم إلى الأبد؟.
إن رجال أيام زمان كانوا يفضلون الشفاه المستدقة، أو ما يُعرف بالفم الصغير " الكريزة "، هذا ما قالته حنين مطلقة ضحكة عالية، حسناً أيام زمان كان الرجال غريبي الاطوار يحبون المرأة السمينة أو المكتنزة، والبيضاء، وذات شفاه أو فم صغير، وعينين كبيرتين، وشعر طويل غجري، هكذا كانت تُقاس قيم الجمال سابقاً.
أما رجال اليوم فيبحثون عن شفاه تشبه شفتي هيفاء وهبي، أو نانسي عجرم، عريضتين، ويعشقون الجسد الشرقي بشرط أن يكون مشابهاً لجسد أليسا.
  حنين رمت بتلك الكلمات حين كُنا نجلس في مقهى " الشاي خانة "  أثناء تحديقها في مرآة يدوية صغيرة، لتضع أحمر شفاه فاقع على شفتيها المستدقتين، ثم تمدّ بهما إلى الأمام وتشدهما جانباً.
أما هالة والتي كانت تجلس معنا، وتسحب نفس الأركيلة بغنجٍ  سمح لها أن تحافظ على أنوثتها، فقالت " المرأة وحدها هي التي تُحدد ما إذا كان بإمكانها الإغراء وجذب الاخرين من خلال شفتيها، أو لا، الشفاه العريضة المكتنزة لاتتمتع بالإغراء الدائم، والعكس ينطبق أيضا على الشفاه المستدقة الرفيعة، والفم الصغير."
لفت انتباهي حديث هالة وطلبت منها أن توضح لي المزيد، فقالت " الغنج، حركة الشفتين بشكل مغرٍ، هذا ما يُثير إعجاب الآخرين بشفتيك أيتها الحمقاء، كثيرات ممن يتمتعن بشفتين عريضتين مكتنزتين، لكن لا يعرفن كيف يتعاملن مع هذه النعمة التي أهداها الله لهم (في عصرنا هذا) فلا تُثير شفاههم أي إغراء، وهنالك فتيات يتمتعن بفم صغير جدا أو شفتين مستدقتين، لكن الحيلة تكمن في الغنج والدلع، وطريقة واسلوب تحريك الشفتين ما يُضفي عليها جمالاً وجاذبية واغراء تُنطق أبا الهول نفسه."
حنين قاطعت هالة قائلةً "نعم أتفق مع هالة تماماً، حتى نوع أحمر الشفاه الذي تضعينه على شفتيك بإمكانه أن يزيدها غواية، أو يُطفئها فيُخفي ألقها." وأضافت وكأنها مُعلنة عن سرّ عظيم " أنا مثلا أضع أحمر شفاه فاقعا، لتبرز شفتي المستدقتين."
وشردت حنين مُطلقة تنهيدة متحسرة " لو كانت شفتاي عريضتين ومتشققتين واااااو، كشفتي إنجيلينا جولي، لما ظلمتهما بوضع أحمر شفاه أبداً." ثم مدت شفتيها إلى الأمام بطريقة مبالغ بها فبدت مضحكة.
النساء اليوم وليس الرجال فقط يفضلن الشفاه المكتنزة والعريضة، وهذا يعود طبعاً لما يرغبه الرجل في شكل امرأته العصرية، فبما أنه يميل اليوم إلى الشفتين العريضتين والمكتنزتين، صارت النساء يعملن وبكل الطرق على ذلك من خلال زيارة أطباء التجميل وحقن الشفتين بالبوتوكس، لنفخهما، وقد أثارت د. شيماء وهي أخصائية تجميل ضحكي حين أخبرتني أن " الحقن قد يعطي جمالاً مؤقتاً  لشفتي المرأة قد لا يتجاوز الاشهر أو السنوات ولكن بعد زواله تصبح كأنها بالونة فقدت جزءا كبيرا من الهواء فذبلت" وفاجأتني شيماء بطرق جديدة لتكبير الشفتين دون اللجوء للحقن قائلة "هنالك طرق تمكنك من الحصول على شفتين منتفختين بشكل مؤقت ولساعات، دون جعلها تذبل كالبالونة المنفوخة بعد زوال العامل " النافخ"، وذلك باستخدام احمر الشفاه الذي يعمل على نفخ الشفتين  بشكل مؤقت، أو استخدام كابسة الشفتين وهذا جهاز يكبس الشفتين لساعات تستخدمينه قبل أن تخرجي من المنزل ليبقي شفتيك منفتوختين لسبع او ست ساعات."
رغم كل هذه الطرق التي اقترحتها شيماء من أجل الحصول على شفاه مكتنزة ومغرية، إلا أنني على قناعة تامة أن الشكل ذي الملامح المتناسقة والذي يحمل سمات الجمال ليس بحاجة لتغيير، فبالرغم من جمال الشفاه المكتنزة إلا أنني أرى أنها إذا لم تناسق شكل الوجه بأكمله لن تظهر صفتها الجمالية.
شيماء تقول " أن ما يقارب الـ 70% من النساء اللاتي يزرنني في عيادتي يكُنّ راغبات بنفخ شفاههن، ووجناتهن."
ان الشفاه هي أول وسيلة يكتشف بها الانسان المحيط، منذ ولادته، لكننا نسينا ذلك وركزنا أهمية هذا الجزء على القيم الجمالية فقط، رغم أنه يتعلق بمشاكل نفسية أيضاً، خاصة لدى الذكور، أؤلئك الذين لم يشبعوا هذا العضو في مرحلة الطفولة سنجدهم  متعطشين لاستخدامه حتى عند الكبر، هذا ما ذكره دكتور ظافر المتخصص بعلم النفس.
وقال  أيضاً "لا ننسى أن تفكير الرجال في مجتمعنا بمناطق الإثارة هو ما جعل أغلب النساء يُركزن على نفخ الشفاه دون الالتفات إلى مدى ملاءمتها مع باقي ملامح الوجه او لا، فكما يهتم الرجال إلى المؤخرة المرتفعة والمشدودة، والأرداف المكتنزة، كونها مناطق إثارة في جسد المرأة باتوا يهتمون بالشفاه كونها أيضاً نقطة إثارة بالنسبة لهم."
دينا أخبرتني أن زوجها يعشق الشفاه العريضة والمكتنزة، لكنه تزوجها وهي ذات شفتين رفيعتين مستدقتين" وقالت لي      "لقد أخبرني أن جميع الفتيات اللاتي تعرف لهن قبل زواجه بي كُنّ بشفتين عريضتين مكتنزتين، ولكنه أحبني أنا فتزوجني." بدا على وجه دينا التفاخر، وأردت أن اقول لها " قرة عينك " ولكني التزمت الصمت.
عدت من شرودي الطويل، ووجدت وائل منجرفاً بتيار شرود أعمق، ولم تفارق عيناه الطاولة التي تقع في الزاوية الاخيرة للمطعم، قاطعته مستأذنة الذهاب إلى الحمام لتعديل أحمر شفاهي، وعند وقوفي المفاجئ اصطدمت بشاب سقطت عيناي على شفتيه، اللتين تُشبهان حكاية مُثيرة للجدل، فتساءلت في نفسي " هل تُثير شفاه الرجل الفتيات أيضاً؟" ضغطت على شفتي بأسناني مبتسمة وأكملت طريقي إلى الحمام.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية