جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


المرأة موتيف للسعادة في زمن حزين قراءة في


قحطان الفرج الله
في قطاري النازل إلى الجنوب كانت فيوض السعادة تغمرني، فثمة امرأة جميلة إلى جانبي، وهناك ينتظرني؛ هور وشبكة صيد وكوخ على طرف بعيد.
لم تكن تجربة القاص حنون مجيد وليدة لحظة واحدة، بل هي وليدة لحظات متعاقبة وخبرات وقراءات عميقة شكلت نسقا بهيجا يتخلل معظم كتاباته، ولعل تجربته القصصية في النص القصير جداً أوضحت جلياً اعماقه  الفنية والفكرية في آن واحد.
نتلمس من مجموعته القصصية الموسومة بـ(السلّم) التي صدرت عن دار ضفاف في بغداد وبالتعاون مع دار شهرزاد للنشر في عمان، ملامح التفاؤل والأمل التي يحاول ضخها كجرعات هادئة في مجمل المجموعة التي تضم (121) نصًا شكل منها خطاب المرأة 31% وهذه نسبة عالية في نظري.
ولكن الأهم من ذلك تحول وجود ثيمة المرأة إلى موتيف متكرر ومولد للبهجة والفرح في أغلب هذه النصوص.
ويعرف الدكتور سليمان العطار الموتيف بأنه "موقفٌ نمطيٌ مكثفٌ في بنيته السطحية، يترجم في العمل إلى عددٍ كبيرٍ من العناصر السردية تتعالق رأسيـًا وافقيـًا لتشكل بنية عميقة، وهي تتحرك خطيـًا، وهذا الموقف النمطي له ملامح خارجية وداخلية محددة، تميزه بقدر كبيرٍ من الثبات، وفهمها جيدًا. يمكن اعتبار الموتيف دالاً وبنيته التحتية مدلولاً" فعملية اضمحلال تجارب الجفاء، والوله، والغياب، والفقد، والهجر، والنسيان، والظلم والقسوة، التي تخللت أغلب الكتابات التي تتحدث عن المرأة كعنصر مشكل للخطاب السردي وتحولها الى موتيف مولد لكل سعادة وبهجة ومرح تظهر لنا تجربة عميقة يتمتع بها حنون مجيد.
إن الهوية الفنية التي تؤكد موهبة الأديب في خلق عالمه المتفرد  تظهر من خلال تعامله مع اللغة التي تضم ما لا يحصى من المفردات التي تنتمي إلى حقول دلالية مختلفة وتشير إلى دلالات متباينة، وعبقرية القاص هنا تكمن  في نسج العلاقات، وإقامة روابط بين هذه المفردات والتقريب بينها ضمن نطاق الصورة لتوليد صورة متخيلة يسكب فيها المبدع ما يريد له ان ينطلق في افق خيال المتلقي دون قيود، ويعطيها ملامح لنص جديد لن يولد إلا من نسج وحي خيال متلقيه فقط.
وهذا ما حاول القاص تجسيده من خلال الاعتماد على تكرار صورة المرأة، ليعود إليها بين الحين والآخر، متخذا منها محورًا لبناء المجموعة ككل؛ وهو من خلال ذلك يؤطر ويعمق ما تحمله من دلالات...وفي كل مرة تتكرر يزداد وعي المتلقي وإدراكه لتحقيق موقفه المتفائل، وذلك بفضل مجموعة الصور التي تعقب كل تكرار للصورة... معنى هذا إن الصورة المتكررة تعني  -بتكرارها- شيئا إضافيا عما عنته في المرة الأولى أو المرات السابقة وفي هذه الحالة تقوم الصور المتكررة بدور المولد الذي يدفع البناء كلما انتهى جزء من النص.
ومن هنا تكون للصورة بمختلف أنواعها التشكيلية استعمالات لغوية مبتكرة وتقوم على "خلق صوري جديد ليس على مستوى الدلالات الوظيفية أو المعنوية المعروفة فحسب وإنما على مستوى الدلالات النفسية أيضا "وبمعنى آخر فإن الصورة من خلال التكرار سوف تحمل عدة مستويات مهمة كالمستوى اللغوي والمستوى الدلالي والنفسي لتحقق أعلى هدف داخل البنية التصويرية من خلال وظيفتين معنوية ونفسية.
عالج السيد حنون في نص مثل "استثناء" غضب الرجل الذي تجاهلته حبيبته ولم ترد عليه إنها كانت مشغولة بالإبحار مع النبي نوح، واخذها لوحدها على سبيل الاستثناء مطيحـًا بقاعدة (من كل زوجين أثنين) بهذا التصور الذي يحيل المتلقي من صدمة الخصام إلى وحي الفلسفة العالية بأهمية المرأة في الوجود كاسرًا كل قواعد الحياة النمطية ومسارها التاريخي يطرح حنون تصوراته للحياة وللمرأة.
وفي نص كـ "الموجة" وهو نص يحمل مفهومـًا عميقـًا ومحفزًا؛ تنصح "الموجة" اختها ان تعود ولا تقترب من الساحل لأنه "قلب جاف لا يستجيب لنداء" ومع تصديقها لقول صاحبتها لكنها قررت أن تجرب "عليّ أن أمضي، فإن عدتُ كما عدتِ، أكون قد جربت"
من خلال توظيف البنية التكرارية المولدة لم يغفل حنون مجيد البنية النامية لمجموعته،  فالبناء النامي هو بناء تراكمي، ولكن التراكمية فيه تضيف شيئًا كلما تصاعد الحدث التصويري، فلا تترك مجاميع الصور دون رابط ينطلق بها من بداية ويصل بها إلى حتمية، وهذه الحتمية هي نسق السعادة الذي تحول الى نتاج كل صورة تحفل بوجود المرأة ليقلب كل التشاؤم، والانزعاج، والغضب، والحرمان إلى روح فرحة تمرح وتشاطر الشريك الحياة وتدفه لقبول الاخر والتغاضي عن عيوبه وهذا ما حصل في نصوص كـ "فالمرة القادمة، والعلاقة، وتغاض، ووطن، وأنت، والمرأة الشرقية، هي وأنا، ولو، وخيانة...الخ".
إن المرأة بعدها موتيفـًا منتجـًا في مجموعة (السلّم) هي بمثابة سياحة تأملية لافق متخيل لا يحده حد، أو يوقف مسار انطلاقه افق.
قد تكون هذه القراءة السريعة وغير المتأنية في استظهار تجربة القاص والروائي الكبير حنون مجيد ولكنها اضاءة لابد منها من اجل فتح المجال لقراءات قادمة قد يسعفنا فيها الوقت والعمر لسبر اغوارها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية