جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


العطر.. بوح المرأة العشقيّ للرجل


زينب المشاط
بينما كنت جالسة في مكتبتي الصغيرة، التي حاولت أن أميزها فجعلتها بناية تضوع أنوثة بعيدة كل البعد عن سوق الكتاب، وشارع المتنبي، في إحدى أرقى مناطق بغداد.
كنتُ يومها أشبه بطلة إحدى الروايات الفرنسية، حيث تغمرني رائحة الكتب بأوراقها وأحبارها، الممتزجة مع رائحة الشتاء، والبن المنبعث من فنجان قهوتي،  وبينما أطالع رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، وقد افتتنني بن طوبال برجولته، حيث امتزج مع ما تركته الحرب في جسده من ذاكرة.
مرّ "بن طوبالي"، بذاكرةٍ أخرى حملها جسده لي، تلك التي مازالت تعيش معي،  وقتها كانت المرة الأولى التي التقيته فيها، ورغم رحيله وفراقنا الذي جاء بعد مشاكل كثيرة إلا أن عطره ذاك لم يفارقني حتى الآن.
هذا ما أخبرتني به "سوزان"، أثناء حديثها عن حبها القديم لخالد، بأسلوبها الروائي بالسرد والذي يجمع  بين الرومانسية والحزن المفرطين، لم تستطع سوزان ترك عطر خالد، لتخبرني وكأنها تتحدث عن أحد أهم اسرارها:"بعد أن انفصلنا اعتدت شراء ذات الماركة التي يستخدمها، فأنا لا أستطيع النوم في اليوم الذي لا أشمّه فيه، لقد أدمنت هذا الرجل من خلال عطره."
العطور لغة، فهي تترك أثرها في الذاكرة كالكلمات بالضبط،  وخصوصاً لدى العاشقات، رُغم أني لا أذكر أن عطر أحد عشاقي السابقين ترك أثرا في ذاكرتي، فهل تُراني لم أعشق أياً منهم؟ أم أنني لا املك حساً تجاه العطور؟.
إن المرأة التي تتأثر بعطر الرجل هي الرقراقة والوجودية، تلك  الشديدة التأثر بشخصية عشيقها، والتي تدرس تفاصيل جسده، وأشياءه، وتمزجها بنوع عطره، وماركة ساعته، وشكل ربطة عنقه، كما ان النساء يتأثرن بغواية العطور أكثر من الرجال.
هذا الكلام ذكره لي صديقي "عمر" وهو كيميائي اختص بصناعة العطور، ويقول " ان العطور تعتمد بالدرجة الاولى وقبل كل شيء على مدى امتزاجها مع طبقات البشرة، وعطرها الطبيعي، وإفرازاتها، فبعض العطور لا تتناسب وافرازات البشرة، كما أن بعض العطور المُقلدة والرخيصة سرعان ما تتحول إلى رائحة كريهة بعد أن تمتزج ببشرة جسم الانسان."
"جيان" أدهشتني حين قالت أنها تنسى أسماء عشاقها غالباً لكثرتهم، ولكنها لا تنسى ماركات العطور التي كانوا يستخدمونها، فالعطور هي صاحبة التأثير الأكبر في روحها حتى أنها عشقت أحدهم بسبب نوع البارفام الذي يضعه.
جعلتني جيان أطلق ضحكة متعالية حين أخبرتني أنها تركت أحد عشاقها فقط لأنه غير ماركة العطر التي تحبها هي.
الرجال والنساء في مجتمعنا يجهلون تماماً تأثير العطور إغوائياً، فهنالك عطور وجدت لغرض الإثارة الجنسية، وأخرى توضع لجذب الطرف الآخر، أو للإغراء، وبعضها رسمي جدا يناسب فترات العمل والوظيفة فقط، أما العاشق فغالباً ما يميل للعطر الذي يذكره بشخصية معشوقه، وهذا غالباً ما نلاحظه عند النساء دون الرجال.
فالرجال الشرقيون يتغزلون بعطر المرأة التي تمرّ من جانبهم دون إدراك لتأثير هذا النوع عليهم، إلا أنهم يقومون بذلك كتقليد يحاولون من خلاله إثبات ذكورتهم أمامها أو معاكستها، ولا ننسى أن الرجل الشرقي يهتم بمظهر الجسد وشكله قبل أن يفكر بنوع العطر الذي يغمره.
"رُدين" تعتقد أن العطور تؤثر فيها سواء أكانت رجالية أو نسائية فهي تجد أن العطر الجميل يجذبنا مهما كان، وهذا لا علاقة له بالإغواء أو الجنس.
العشق وحده مُتعلق بالانجذاب والرغبة تجاه الطرف الآخر، فإذا شممنا عطراً جميلاً على جسد من نحب سنشعر برغبة عشقية تجاهه، وعكس هذا يعتبر العطر كأي شيء نستحسنه أو نعجب به،هذا ما أكدته لي رُدين.
العطور لاتجذب النساء إلى الرجال فحسب، فهنالك رجال يتفننون في عشق المرأة المُغتسلة بالعطر، كما يتفنن دون ريغوبيرتو في رواية "امتداح الخالة" بعشق زوجته من خلال اللوحات، أخبرني أيمن بذلك مُتأملاً وكأنه يرى مشهداً عشقياً أمامه: "أحب أن أتنفس العطر في أماكن مُعينة على جسد المرأة، كما أن لكل امرأة عطرا يشبهها بحسب لون بشرتها، وميلها الأنثوي."
أدهشني أيمن بموسوعته العطرية، فهو يمتلك أكثر من 45 نوعا من العطور، ويذكر أن كل عطر يتناسب ومزاجه في ذلك اليوم، كما أن هنالك عطرا سريا، ذا خصوصية فريدة من نوعها، رفض أيمن الكشف عن نوعه لي.
يذكرني أيمن بتلك الشخصيات اللاواقعية والتي نقرأ عنها في بعض الروايات الجنونية، أو نراها في بعض الأفلام التي يظهر أبطالها شديدي البذخ والترف، والاناقة والانضباط كما هو حال جيسون ستاثام في فيلم "الناقل"، وفي واقع الحال أنا لا أصدق وجود هذا النوع من الرجال في مجتمعاتنا، لكني سأحاول تصديق أيمن .
"ميس" تتحدث بتفاخر، وبصوت مُرتفع أكثر مما ينبغي دون استحياء، وكأنها تُريد أن تسمع باقي صديقاتنا، عن مدى عشق زوجها لها :"زوجي يعشق عطر جسدي حين أخرج من الحمام، وهذا ما كان يخبرني به قبل زواجنا حين كنا نسرق المكالمات الليلية، ليقول أنه يتمنى أن يتنفس عطر جسدي الممتزج برائحة الماء الدافئ والصابون، أو حين يكون مرطباً بكريم ترطيب البشرة."
ذكرتني ميس بما قاله لي أيمن بأنه يعشق رائحة جسد المرأة إذا ما رُطبت بكريم ذي رائحة الفراولة، أو التفاح، أو البرتقال، ويضيف بوقاحة دون أن يُراعي خجلي كفتاة، أنه يملأ حوض الماء لزوجته بقطع من الفواكه التي يتشهى رائحتها لتستحم بها.
شعرتُ بجهلي فيما يخص لغة العطور وثقافتها، ولا أعرف إن كان الخلل في منخاري العاجز عن شم هذه العطور، أم في عقلي العاجز عن استيعاب كل هذا، أم أنه بمن أحببت من الرجال.
وأثناء طريق عودتي إلى المنزل صادفني شاب شديد الوسامة والانضباط يُشبهُ جيسون ستاثام تماماً ويرتدي بدلة رسمية بربطة عُنق، تفوح منه رائحة عطرة دفعت بي إلى الضحك وسط الشارع دون مُبالاة، ولا أعلم إن كان قد أصابني عشق منذ "الشمة" الأولى.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية