جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الفاشية يمكن أن تقوم أينما كان


عادل العامل
دعونا نفترض أنه (أي دونالد ترامب) قد فاز ــ في لحظة جنونية غريبة ــ بالأمر كله. الحلقة النحاسية الكبيرة. البيت الأبيض. لا، لا، ذلك غير معقول. لا يخطر ببال. فالأميركيون لن يسمحوا أبداً بأمرٍ كهذا. لا يمكن أن يحدث ذلك هنا.
هذا ما يبدأ به جيم سويرنجين مقاله حول رواية الكاتب الأميركي سنكلير لويس (لا يمكن أن يحدث هذا هنا) الصادرة عام 1935 (وتدور الرواية حول مرشح أميركي متطرف للرئاسة، ربطه النقاد آنذاك بسياسي من ولاية لويزيانا كان يسعى بالفعل ليكون رئيساً للولايات المتحدة، قبل اغتياله. وهي شخصية تذكّرنا، في تفكيرها وسلوكياتها، بالمرشح الأميركي اليميني الحالي دونالد ترامب، مرشح الحزب الجمهوري الآن للرئاسة).
فقبل 80 عاماً تقريباً، استبق متكهن مثل سنكلير لويس موسم انتخابات عام 2016 الحالي وحشداً من التفاصيل الغريبة، بما في ذلك صعود هاوٍ جاهل مدّعٍ إلى أقوى موقع في البلد. وتؤرخ روايته "المستقبلية"  (لا يمكن أن يحدث هذا هنا)، المكتوبة عام 1935، لصعود وسقوط  سيناتور عديم الضمير يوجه تحدياً لفرانكلين روزفلت في ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية عام 1936.
ونجد في (لا يمكن أن يحدث هذا هنا) مرشحاً رئاسياً غير متوقَّع، اسمه بَز ويندرِب  Buzz Windrip، يطلق حملة آيديولوجية ناقدة ورافضة جداً لـ "الرأسماليين ــ الأميركيين ــ المسيحيين ــ الذكور ــ غير البيض" إلى حد أنها تؤدي ببعض شخصياته الأكثر واقعيةً إلى تغيير ولاءاتهم السياسية الثابتة والتصويت خارج صفوف الحزب. كما أنها تختزن دعم جماعة الكو كلوكس كلان (العنصرية الملطخة بدماء السود). وينغمس خصوم ويندروب هذا، كما يبدو أيضاً بطريقة ما من العناوين الرئيسة لعام 2016، في دعابة حول الرحيل إلى كندا لو جرت الانتخابات ضدهم. وهم، على كل حال، غير جادين ــ ليس في اول الأمر، في الأقل ــ لأن ذلك، بعد كل شيء، لا يمكن أن يحدث هنا.
وفي قصة لويس، يخسر الرئيس فرانكلين روزفلت الترشيح لصالح ويندروب، الذي يحمله خطابه المنافق و مشاريعه السياسية ــ التي تذكّرنا مرة أخرى بما نسمعه هذا العام ــ قُدماً إلى البيت الأبيض. ويبدأ ويندروب بتنفيذ وعود حملته.
فيزيد الانفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، ويزيح النساء من القوة العاملة، ويحظر اتحادات العمال، ويسجن اليساريين، وينقل كل سلطات الفروع التشريعية والقضائية إلى السلطة التنفيذية، ويتجه بذلك إلى الدكتاتورية. ولا يتطرق أبداً إلى وعد الازدهار، معبّئاً الاقتصاد القومي بدلاً من ذلك بمفاهيمه الخصوصية عن التعافي الاقتصادي. وأخيراً، يقوم نظام الحكم بهندسة حرب مفتعلة تماماً ضد المكسيك لإلهاء الشعب الأميركي عن الاضطهاد المسلط عليه.
ويمكن القول إن تكتيكات حملة ويندروب الناجحة تهكمية وبسيطة: إرضاء توق المصوتين إلى حكومة تستجيب لحاجات لم يتعامل معها إيجابياً السياسيون الأكثر تقليديةً. فهي تعدهم بالمال، وتعدهم بالكفاية، وتعدهم بالعودة إلى العظمة.
وشخصية الرواية الرئيسة دوريموس جيسوب تحمل شهادةً لكل واحد على تجديفات ويندروب وشناعاته. وجيسوب هذا، وهو محرر صحيفة محلية، مثقف ومتعلم بما فيه الكفاية لإدراك رياء وغدر النظام الحاكم الجديد، لكن عليه أن يفقد كل ما هو عزيز لديه تقريباً قبل أن يجازف بالقيام بتمرد مضاد جدي. ويبدو النصف الثاني من الكتاب وكأنه حكاية عباءة وخنجر عن المقاومة الفرنسية مزروعة في نيو إنكلاند، وتصبح كاملةً مع طريق سكة حديد يهرّب الوطنيين المرتدّين إلى كندا.
وجيسوب، كما قابلناه في القسم الأول من الرواية، انعكاس للرضا الذاتي لدى الصحافيين الذين يصعّدون حيوية المرشح الخطر، مع كونه مكروهاً، عن طريق التحدث عنه على نحوٍ متواصل. وكان رجال الصحافة يبغضون ويندروب إلى حد "أنهم أبقوا اسمه، بحماسة تهجماتهم غير العادية، حياً في كل عمود يكتبونه". كما أن جيسوب ــ ويعني اسمه الأول دوريموس Doremus " ننام " تقريباً ــ يجسّد تنويم المواطنين، الذين يعتقدون باسترخاء بأن مدينتهم المتألقة على تل لا يمكن تحويلها إلى دكتاتورية أبداً. فذلك لا يمكن أن يحدث هنا.
وتتألف قاعدة دعم ويندروب، التي تقذف به إلى السلطة العالمية، من فيالق المصوتين الذين ظلوا يقاسون من تأثيرات الكساد الكبير من دون إغاثة ــ أميركيون عاطلون، غاضبون يرون أن النظام قد تجاهلهم. ويستغل ويندروب غضبهم واستياءهم "ببرود" ويقوم بوخز حشوده بأرقام وحقائق لا مفر منها حتى وهي غير صحيحة، كما يحدث غالباً.
إن لويس، وهو يكتب في فترة كان ما يزال فيها أعداد كبيرة من الشيوعيين والاشتراكيين فعالين في الوسط السياسي الأميركي، يدرك عدم فاعلية اليسار. فنجد شخصياته من يسار الوسط ترفض تشكيل جبهة موحدة ضد الكارثة، بشجارها المتواصل حول نقاط هشة في الاقتصاد والتكتيك، عاكسةً بذلك كثيراً بعض التمزقات القائمة بين الليبراليين واليساريين في وقتنا هذا. وقد سمح هذا لنظام حكم ويندريب بالتخلص منهم واحداً بعد الآخر.
والناس في أميركا لويس المعرضة للخطر، الذين استطاعوا إنقاذ الأمة من نفسها، يعيقهم وهمٌ مفاده أن الدكتاتوريات ظاهرة أوروبية ــ وهمٌ يمنعهم من القيام بعمل يوقف مسيرة الفاشية إلى أن يصبح الأمر متأخراً. وذلك الوهم المعتَّم ــ بأن الفاشية والشمولية غريزياً ألمانية، أو روسية، أو صينية، أو كورية شمالية، أو خاصة بسكان أي بلد عدا بلدنا ــ هو خطأ لم يرتكبه آباؤنا المؤسسون. فقد صاغوا متعمدين شكلاً غير فعال من الحكومة، مليئاً بالتدقيقات والتوازنات، لأنهم كانوا يفهمون أن أميركا عرضة للسقوط ضحيةً للشمولية كأي بلد آخر.
لقد كتب لويس هذه الرواية القاتمة في فترة كان فيها مفكرون وبيروقراطيون من خطوط مختلفة يرغبون في التنازل عن  الحريات "الطائشة" للرجال الأقوياء ــ ستالين وموسوليني وهتلر ــ من أجل حل مشكلات كبيرة وتمشية الأمور. وكان يفهم ــ في رسالة تخاطب وقتنا هذا مثلما تخاطب وقته ــ أن الطريق إلى الكارثة القومية ينشئها على مر الزمن، يوما بعد يوم، أناس لا يفكرون بثمن تسوياتهم للأمور بالأكاذيب، والتعصب، والحقد. وهذا هو ما يجعل قيام الفاشية ممكناً، حتى في أميركا.

عن /  THE IRISH TIMES



المشاركة السابقة : المشاركة التالية