جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الرواية الحديثة وتطوراتها إلى ما بعد الحداثة


زينب المشاط
ينظر إلى الرواية على إنها إحدى المنتجات الاكثر تميزا التي جاء بها عصر الحداثة مع بدايات القرن العشرين – القرن الذي شهد ثورات عظيمة ساهمت في إعادة رسم المشهد الروائي بالكامل.
بذلك عدّت الرواية ثورة فكرية،
وعاطفية، وانسانية، بل هي ثورة خَلقية، حيث إستطاع الانسان من خلالها خلق عوالم خاصة به بإمكانه أن يعيشها ويكون جزءاً منها، لتتطور الرواية بعد ذلك من الحداثة إلى انماط ما بعد الحداثة في الجغرافيات التي كانت توصف في العادة بالامبراطوريات أو الكولونياليات المهيمنة أو ما بات يعرف بالمراكز الثقافية طبقا لنموذج المركز.
وقد اختصت المعالجة الروائية مابعد الحداثية على مقطع زمني ومكاني صغير ولمعضلة محددة ولم تعد تتناول الحالة المرجعية بأكملها (مثل التقنية على اختلاف اشكالها أو الكوارث الطبيعية كلها) مثلما كانت تفعل الرواية الحديثة.
يفسر كتاب " تطور الرواية الحديثة " للكاتب جيسي ماتز والذي ترجمته الروائية لطفية الدليمي وصدر عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون،  أولاً أسباب دراسة موضوعة تطور الرواية الحديثة، ليبين أن السبب هو أن الفن الروائي يكان يكون الاشتغال المعرفي الوحيد، بين الاشتغالات الادبية الذي طاله الإرتقاء المتواصل بلا أنقطاع، إلى جانب فن السيرة الذاتية الذي يمكن عدّه رواية ذات سمات خاصة.
قد لا يوجد أي فن ثقافي تفوق على فن الرواية، عدا فن السينما، والذي أحال العديد من الروايات العظيمة إلى أفلام سينمائية " كـ " هاري بورتر، وسيد الخواتم " واللذين حققا إيرادات هائلة، إلا أن الفن الروائي يبقى الاكثر تحقيقاً لشروط الاصالة والأكثر إيفاءً بمتطلبات الشغف البشري.
أضف إلى هذا، يُمكن عدّ الكثير من الاسباب التي تدفع بالرواية سواء أكانت حديثة أو غيرها، إلى الارتقاء المستديم على كامل رقعة عالمنا وبين كل الجغرافيات البشرية، حتى بات الأمر علامة مميزة لها.
فالرواية  تمثل نوعاً من الذاكرة الجمعية المميزة لكل الجغرافية البشرية، وهي بمثابة خزانة للحكايات التي تحفظ المزاية المجتمعية والأنثروبولوجية لكل جغرافية بشرية، ويمكن من خلالها الإطلالة إلى العادات والتقاليد وأنماط العش وفنون الطبخ والازياء والملابس السائدة في كل عصر، إلى جانب كل التفاصيل الحياتية الأخرى الخاصة بالحب والزواج والصداقة والسفر والرفقة، وقد يظن الكثيرون أن الاعمال الروائية لعصرنا ستنهض في الألفيات القادمة بذات الدور الذي نهضت به الرُقم الطينية والسجلات الآثارية التي أمدّتنا بكنز لا ينضب من المعلومات حول الحضارات القديمة.
كذلك تؤدي الرواية في عالم الفن اليوم لوظيفة التي نهضت بها الأسطورة من قبل، حيث غدت الرواية على الصعيد الفردي، بمثابة (الفضاء الميتافيزيقي) الذي يلجأ إليه الأفراد للحصول على فسحة من (فك الارتباط) مع الواقع الصلب واشتراطاته القاسية، والابحار في عوالم متخيلة لذيذة تشبه حلم اليقظة ممتداً، ويستوي في ذلك مبدعو الاعمال الرواشية وقارئوها.
لذلك يمكننا عدّ الرواية في هذا المجال وفي عصر العقلانية العلمية الصارمة البديل الأكثر جدارة وقدرة عن الاسطورة التي ساهمت – مع فنون السحر البدائية – في تعزيز الصلابة الداخلية للفرد البدائي وترصين بنائه الذهني والسايكولوجي وتمكينه من مواصلة العيش بطريقة مشرّفة بعيداً عن التخاذل والانكفاء أمام المصاعب والاهوال التي كانت شائعة مذّ وجد الانسان على الارض.
أيضاً من اسباب اهمية الرواية هو أنها عمل تخييلي يبدأ بالمخيلة ويتطور داخل فضائها، ويعد الخيال المجال الحيوي الخصب الذي تعمل داخله – وفي إطاره – العناصر الروائية على تشكيل العمل الروائي بغض النظر عن تجنيس الرواية، وبهذا ينظر إلى الرواية كوسيلة ترتقي بالخيال البشري وتمنع إنزلاقه في مهاوي الركود وبخاصة بعد طغيان الانجازات العلمية والتقنية التي تعمل على تنميط الحياة وتحويلها إلى سلة  خوارزميات، محددة بطريقة قبلية وعلى نحو صارم، ويغدو الأمر أكثر خطورة مع عصر التقنيات الرقمية التي تأسست أصلاً على مفهوم النظم المحددة المحكومة بخوارزميات هائلة التحديد والصلابة بحيث بات الأمر يهدد النزعة التحليلية التي تعد ميزة فريدة للعقل البشري وإنكفاء شعلة الشغف والإحساس بالمغامرة (الذهنية والواقعية)، وهنا صارت الرواية تخدم كنوع من ترياق مضاد لهذا الخنوع والانكفاء الذي اصاب الخيال البشري وعطل توهج الحواس وإندفاعتها البدائية الباعثة على أعلى اشكال اللذة التي باتت اليوم مفتقدة على نحو محزن للغاية.
الفن الروائي يعمل على إشاعة نوع منعش من الحيوية الذهنية والعبقرية الانسانية الميزة إذا مانظرنا إليه كنوع من ألعاب ذهينة ترتقي بالفعاليات العقلية المعروفة ولا غرابة أن تقترن الأعمال الروائية العظيمة بالمجتمعات التي حققت أعلى درجات الإنجاز العلمي والتقني والاقتصادي والسياسي، وفي الوقت ذاته نلمح تراجع الفن الروائي في المجتمعات التي تعاني نكوصاً ثقافياً وحضارياً وإقتصار ذلك الفن على بعض التوثيقات التسجيلية الساذجة والتفيقية التي لا ترقى إلى مهارة وجمال وحبكة حكايات (الجدات) و (الامهات) الشائعة.
أهمية الرواية تكمن أيضاً في كونها علاج في بعض الحالات، خصوصا في الجوانب البراغماتية المرتبطة بالفن الروائي الذي يمكن أن يوفر حالات خاصة علاجاً وافياً لبعض الاضطرابات الذهانية وبخاصة تلك الحالة الإكلينيكية المسماة (الذهان الهوسي الإكتئابي) التي تعرف (بالاكتئاب ثنائي القطب لدى العامة).
الرواية ايضاً هي معلم حضاري وثقافي تنهض به العقول الراقية في مختلف الاشتغالات المعرفية، من المؤكد ثمة روائيون محترفون يكتبون الرواية ويحققون أعلى المبيعات، ولكن الغالب أن افضل الروايات ليست تلك التي تحقق أعلى المبيعات لمجرد معرفتها بشروط السوق وألعابها التجارية بل ما يجب ملاحظته أن كل العقول الراقية التي اسهمت مساهمات ثورية في الحقل العملي او التقني أو المعرفي بعامة ساهمت بكتابة عمل روائي أو اكثر لكل منها وربما كان الأمر يعود إلى حالة البهجة والنشوة المفارقتين للحالات العابرة المقترنتين بكتابة العمل الروائي الذي يمتلك خوارزمياته الساحرة والجاذبة لكل عقل شغوف خبر الكتابة الروائية ولذتها الفردوسية.
وهي أيضاً جهد خلاق يرمي إلى فتح أفاق جديدة أمام الوعي البشري والخيال الانساني، وهي أداة ناعمة من أدوات العولمة الثقافية، حيث أنه خدمت الوعي القومي وشكلت ما يسمى (الضمير الجمعي للأمة) وبخاصة إبان نشوء مفهوم الأمة – الدولة – وبزوغ عصر الدول القومية في القرن التاسع عشر، وفي الوقت الذي كانت الرواية الناطقة بالانكليزية توصف بـ " الرواية الامبراطورية " تنسيباً لها إلى فضاء الثقافة الامبراطورية البرطانية.
بالنهاية أن الاشتغالات الروائية " إبداعا وقراءة ومتابعة " تستلزم اهتماما نوعيا صارما بتعلم اللغات الاجنبية واتقانها اتقاناً تاماً لذا باتت الرواية توفر الدافع الذاتي الثمين الذي يتقدم ربما على الدوافع البراغماتية الاخرى في ضرورة الإنكباب على تعلم حزمة من اللغات الاجنبية منذ اليفاعة وبخاصة عند هؤلاء الذين يتوسمون في أنفسهم موهبة كتابية ويتطلعون إلى حجز مقاعدهم في المشهد الروائي العالمي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية