جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


رسائل جديدة غير منشورة للسياب


نجاح الجبيلي
يبقى الشاعر الكبير بدر شاكر السياب (1926-1964) دائماً مثار جدل ونقاش بين الأوساط الثقافية والأدبية على الرغم من مرور أكثر من عدة عقود على رحيله . كما أُلّف عن شعره العديد من الكتب والرسائل العلمية ويكشف عن العديد مما طمس ولم يذكر من أدبه وما يتعلق بحياته من رسائل وقصائد لم تنشر وغيرها.
آخر الكتب الصادرة التي تتعلق بالسياب هو كتاب بعنوان :"نسق التلازم بين السياب والنائب" ، بعنوان ثانوي :"رسائل تنشر للمرة الأولى مع ديوان الشاعر عبد اللطيف النائب (1921-1996) مسّ الضفاف" وهو من إعداد وجمع رافع عبد اللطيف النائب وضياء مصطفى ومراجعة الدكتور إياد عبد الودود الحمداني وقد صدر الكتاب عن دار مكتبة عدنان 2016.
وتأتي أهمية هذا الكتاب لأنه يورد رسائل للسياب لم تنشر سابقاً وجهها إلى صديقه الشاعر عبد اللطيف النائب إضافة إلى التعريف بهذا الشاعر من خلال نشر ديوانه "مسّ الضفاف".
يبدأ الكتاب بتصدير للشاعر قاسم محمد علي الاسماعيل بعنوان:"عبد اللطيف النائب شاعر الظلال الساحرة" وفيه يقول :"لم تكن الكتابة عندي عن الشاعر عبد اللطيف التائب محض صدفة، بل يمكن القول عنها أنها أمنية تحققت بعد سنوات طويلة. نعم ، الشاعر الذي آثر الصمت لعقود عديدة مكتفياً بما عرف عنه من صنعة الشعر، أخيرا تتحدث قصائده لنا في ديوانه هذا بما باح به من خلجات، وهو شاعر الكلمات الرقيقة والحدث البسيط غير المتكلف".
وبعد ان يستعرض حياة النائب في قريته ابي الخصيب يعرج كاتب المقدمة على الصداقة التي انعقدت بين أربعة من ساكنيها الشعراء بدر شاكر السياب ومحمد علي الاسماعيل وصالح فاضل الخصيبي وعبد اللطيف النائب.
ويؤكد على صداقته المتينة مع الشاعر السياب بقوله "إنها علامة مضيئة من علامات حياته فقد ارتبط بصداقة تاريخية معه ، فهما أبناء مدينة واحدة وعاشا معاً أجمل الذكريات والتي سطرها الشاعر السياب في رسائله التي ضمها هذا الكتاب والتي تنشر للمرة الأولى. لقد سمحت سنوات الثلاثينات والاربعينات حين كانا يلتقيان فيها باستمرار بنشوء صداقة عميقة بينهما".
ويكتب رافع عبد اللطيف النائب ابن الشاعر مقالة استطرادية طويلة عن حياته وبشأن صداقته مع السياب فيقول :"كان الشاعر طالبا مع بدر شاكر السياب ولكن بفرق قليل بين المراحل الدراسية جمعتهم الصداقة والأخوة الصادقة والأهم من كل ذلك جمعهم حب الشعر وحب البصرة الفيحاء ونخيلها وجمال شط العرب... أصدقاء بحق وحقيقة كما ستثبت ذلك رسائل السياب المرسلة إلى والدي الشاعر من بغداد إلى البصرة حين كان الشاعر السياب طالبا في دار المعلمين العالية عام 1943 في بغداد".
يضم ديوان "مسّ الضفاف" للشاعر عبد اللطيف النائب الكثير من القصائد العاطفية والغزلية التي تردد أصداء الرومانسية وتتراوح بين المقطوعات والموشحات والقصائد التي تسجل الحياة والناس والحرب العالمية الثانية في الأربعينات.
تضم الرسائل التي بعثها السياب إلى صديقه النائب خمس رسائل عثر عليها بين أوراق النائب وتمتد لما بين تشرين الأول 1943 وكانون الثاني 1944 كتبها السياب من بغداد عندما كان طالبا في دار المعلمين العالية. كما احتوى الكتاب على قراءة للرسائل بقلم ضياء الدين مصطفى.
تكشف الرسائل عن المعاناة التي كان يكابدها السياب في سكن الطلبة بدار المعلمين العالية وهو يعيش حالات الحزن والحنين والشعور بالوحدة وتنثال عليه ذكريات ريف جيكور ونخيله وبساتينه وسكونه وجوه الباعث على الابداع على العكس من (حياة الفندق جحيم لا يطاق.. كل لحظة في غرفة الوحدة فوق ما احتمل) كما جاء في الرسالة الأولى. وهو بخياله الرومانسي يتمنى الحزن في الرسالة الثانية وهي أطولها ويبحث عن حب جديد بعد أن يبث بأسراره الى صديقه النائب. وفي الرسالة الثالثة يغادر السياب جو التشاؤم الذي كان يعيشه ويمتلك روحا مرحة تشيع الفرح بعد تحسن الظروف المعيشية في السكن ويقوم بالتعليقات النقدية بحق القصائد التي كان يرسلها له النائب. ويعود في الرسالة الرابعة إلى جو الحزن ويتوغل في سرد حقيقة هذا الحزن بالاستعانة بأقوال الشعراء مثل المعري والمفكرين مثل فولتير مع اتهام صريح لأبيه بأنه السبب في شقائه في هذه الحياة ويظل السياب يروي في الرسالة الرابعة سر حزنه وضغط البيئة التي يعيش فيها.
وفي الرسالة الخامسة يكون السياب أكثر تفاؤلا ويفسر اسباب حزنه وتشاؤمه وتمرده ومن أكثر الصور المؤلمة التي يوردها زيارة جدته لأمه له في بغداد وبكاؤه على صدرها حين كانت تغادر ما يخفف من جماح الثورة التي أوقدها في قلبه المليء بالحنين والشعور بفقدان حنان الأم والحبيبة والعيش في العزلة.
إن هذا الكتاب يلقي المزيد من الضوء على حياة السياب وأدبه وعلاقته مع الشاعر المنسي عبداللطيف النائب وحسنا فعل القائمون على هذا المشروع بنشره ليتاح للمهتمين يالدراسات السيابية ويفتح آفاقا جديدة في الأدب العراقي الحديث.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية