جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


الحب بالإنابة حين لا يكون القلب مثقفاً


زينب المشّاط
الاسئلة الغبية هي عارنا الأول.
الذي حدث أن وعكة قطعتني عن الدراسة لأسبوعين، وحين عدت إلى مدرستي استعرت دفاتر رفيقاتي لأعوض ما فاتني. كنا في عمر محتقن ولا نعرف على ماذا يتوجب التركيز، وكان حلم الجامعة يرتبط فقط بقضية تحولنا إلى ناضجات بفساتين زاهية.
استعرت دفاتر ثلاث صديقات وكانت المفاجأة أنني وجدت أنهن نقشن في الهوامش نفس الأبيات الملتهبة للشاعر نزار قباني ، الأمر الذي دفعني إلى سؤال احداهن إن كن قد وقعن ثلاثتهن  بغرام ولد واحد؟
قبل ظهور الانترنت كان التشابه في الاستعارات العاطفية كثيرا ما يحدث، فمصادر الفتيات لا تتعدى النسخ عن كتب نادرا ما تقع في اليد أو عن نماذج متداولة للرسائل الغرامية، وفي الحالتين هناك ضرورة لأن ينوب عنا أحدهم كي يعبر عن مشاعرنا التي نحس بها في غرامياتنا المبكرة.
لم تكن هذه الظاهرة تثير استغرابي ، فوقتها كان اللجوء الى شاعر او روائي واستعارة كلماته هو من العلامات الدالة على سعة التطلع وفي الحقيقة كان الأمر بالطبع يقتصر على المراهقين الذين يجدون في الآخر الناضج وسيلة توصيل مفيدة.
كل النساء اللواتي عرفتهن كن يفشلن في التعبير عن انفسهن . وهذه الظاهرة كنت أعدها حالة تكتّم تفرضها التقاليد الاجتماعية ولكنني سرعان ما اكتشفت ان النساء الكبيرات في التجارب اكثر حيرة من المراهقات وان قضية القلب وما يريد تبدو صعبة للغاية في ظل مجتمع ذكوري متشدد الى حد اللعنة. 
الإفلام والإغاني والمسلسلات تعبر عنا ، ولكن اين نحن من كل هذا، وماهي تجاربنا أو بالاحرى ماهي أقوالنا في الحب؟
لقد مرّ الكثير من السنوات لأجدني بعد ذلك مصدومة من حوارات تقال في الافلام الاميركية. الامر لا يتطلب ان نتقمص روح نزار قباني أو أحلام مستغانمي كي نعبر عن انفسنا. الارتباكات والخجل وحتى الافعال الحمقاء هي عنوان الغزل الاول في الأفلام ، والأمر لا يحتاج الى أبيات شعرية وعبارات طنانة ورنانة لكي نتعاطى الحب ونغرق في لجّته.
الدكتورة بتول شكارة ،وهي اخصائية نفسية، تقول ان التعبير عن المشاعر يعد حالة اساسية في السلامة النفسية واي كبت لها لابد أن يشكل حالة  من الخلل.
وتتابع شكارة: الثقافة ركن اساس في كل القدرات ومعها يتعمق الوعي ويكون بالامكان التعبير عن الذات بسهولة واجراء الاتصال مع الاخر وتكوين معرفيات اجتماعية تتولد عنها الكثير من آفاق التواصل.
"الشيء الذي تغير مع الانترنت هو ان الاقتباسات والاستعارات زادت عن ذي قبل ودخلت الصورة كمساعد جوهري في التعبير عن العواطف ويبدو أن لا أحد يريد أن يكتشف مكنونات نفسه كما يجب". هذا ما قالته وداد البياتي ، وهي طالبة في المرحلة الاخيرة / طب اسنان وأضافت: الثقافة مهمة جدا في قيادة العواطف وهي لا تغيننا عن التعبير السليم فقط وانما في فهم الذات والاستفادة من التجربة. وتتأسف وداد قائلة: القراءة لم تعد تجذب الجميع وبالاخص الشباب في حين انها الفترة الذهبية للتعلم وارى ان المرأة بحاجة ماسة الى الاطلاع واكتساب الثقافة بانواعها لأن ذلك يعد من السمات الاساسية للشخصية.
وبشأن استعارة كلمات الغير في الحب ، لاترى وداد اي ضير من هذا اذا كان في خانة الاستشهاد فالحب دنيا كبيرة ومتنوعة وهي تحتاج الى خبرات سابقة لكي تنضج ولكن ليس الى حد الا تكون لنا رؤية خاصة في الحب.
النساء الكبيرات في السن ينكرن الحاجة الى التعبير عن الحب باعتبار ان الامر يدخل في سوء الادب والحقيقة ان مجتمعاتنا العربية متناقضة وغير منتمية حتى لتاريخنا ، فما نجده في كتب التراث من فضائح العشق وغرائبه يدل على وجود قدرة تعبيرية هائلة ولكن كيف تيسر لنا ان ندفن احياء في واقع مر يحرم الحب ويمنع اي نوع من انواع التعبير.
تعد منظومة الزواج الاساس الاكبر في حياة اي انثى وهذا الحد الفاصل في الحياة يتحكم بشكل كبير في فهمنا للحب ، ففراش الزوجية لا يتطلب ،في عرف الناس، سوى السخاء في الاثارة والطاعة العمياء. أما الاعتبارات العاطفية فهي ليست أكثر من استجابة لطلبات الزوجة والتي في اغلبها طلبات مادية. هذا المفهوم هو واقع حال ولكنه لا يلبي الحاجات كلها فالكلام الحلو مطلوب حتى في القضايا الشرعية ومادمنا نتطلع الى المعطيات فالزواج من المؤكد أنه ليس الكفن والقبر وانما شيء قابل للتغيير.
ومادمنا نتكلم عن الحب بالإنابة فالزواج ايضا يحصل بالإنابة ، فالكثير من الشباب الآن يتزوجون في سن مبكرة وهذا الامر يجعلهم عرضة لأن يكونوا تحت وصاية الاكبر سناً وبالتالي هناك من يجري لنا الترتيبات اللازمة كي نحفر قبرنا بيدنا.
صديقاتي في الاعدادية اللواتي كن ينقشن دفاترهن بأبيات لنزار قباني صعب عليهن العثور على قصة حب حقيقية وهن الان في طور الدخول في العنوسة وأغلب الظن ان نسبة عالية من الاناث يشعرن بالخيبة الكبيرة ، فرغم ان الافلام الرومانسية الان جدا واقعية وعبد الحليم حافظ قد مات فعلا ولكن يبدو ان الغموض يشكل الكتلة الاكبر في الجذب ، فاذا ما صادف ان تثقف قلب الانثى فقلب الشاب يشع رعونة واستهتارا واذا ما جاء الزواج كمنقذ فالأمر مايلبث ان يكون عبئاً واحساساً بالخواء مثل أن يشتري المرء (رقِّية) كبيرة وحين يشقها بالسكين وهو متلهف ، يراها بيضاء ومتخشبة وبلا حلاوة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية