جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


تتويج الأداء في الفن المعاصر .. إلدا اردماني


حوار أجراه / مازن المعموري
شيء جميل أن نلتقي بفنانة مكسيكية اليوم لنعرّف بها القارئ العربي المهتم بالفن المعاصر,  وبهذا نكون أمام أحد أعلام الفن الادائي في اميركا الجنوبية, من خلال أعمالها الكثيرة في المكسيك وفي أماكن اخرى من العالم .
ولدت الفنانة إلدا إردماني (Alda Ardemani‎‏ ) في مكسيكو سيتي , وهي أستاذة الدراسات البصرية في مدرسة الفنون الوطنية للتصوير والنحت والرسم "لا إزميرالدا" ، واستاذة دراسات في التصوير الفوتوغرافي, ومنذ عام 2005 عملت بشكل مستمر في فن الأداء, وهي ناشطة في نشر هذه اللغة الفنية الجديدة ، وفي عام 2013 بدأت بتحرير مجلة رقمية بعنوان (  pierce –Sentidos ) ،
غالبا ما تتناول في موضوعاتها مختلف القضايا الاجتماعية، بروح شعرية عالية، فهي تحمّل الواقع مجازات واستعارات متواصلة مثيرة للدهشة . كما انها عرضت أعمالها الادائية في بعض من أهم المناطق في مكسيكو سيتي مثل :  متحف جامعة الحور، تيريزا -Art الحالي، والمركز الوطني للفنون، ومتحف الفن ومتحف كاريو جيل للنساء، والأكاديمية الملكية كارلوس، وقدمت العديد من الفعاليات, كان آخرها في متحف الفن المعاصر الأرجنتيني عام 2015.
استطعت أن أحصل على فرصة للحوار والتعرف على مسيرتها الفنية وبيان بعض آرائها, بما يسمح لي المجال الصحفي العربي , خاصة وأن فن الاداء جديد على الذائقة العربية, لكنه من الأهمية بمكان , بحيث يبدو فتح الابواب مشرعا لدخول عالم الاداء في الثقافة العربية مرتبطا بفهمنا للعالم المعاصر وصورة المستقبل على حد سواء.
1ـ لماذا اخترت فن الاداء ؟
إلدا أردماني  ـ
تقول "جينا بيني"* } الجسد هو كوكب وجغرافيا ومنطقة وجرح ذاكرته تدلنا على هشاشته وألمه, ولكنه أيضا وسيلة دفاعية ضد الترقيع العقلي { .
يبدو فن الأداء في الغالب, انضباطا مباشرا للتعبير عن نفسي مع كل حواسي, اكتشفت ذلك عام 2005, حيث لم أتوقف لحظة عن اكتشاف معطيات العمل الادائي .
جسدي هو عين هويتي, وجوهر أساسي في خطابي الفني , حيث تصبح كلمة( جسدي ) في تغير مستمر من خلال العواطف والخبرات المكتسبة .
أنا مهتمة بالجسد من منظور اجتماعي وثقافي , ولتحليل الموقف , قبل ذلك, اذ يستمد الجسد على نحو متزايد احترامه من ذلك المنظور .
جسدي السياسي بصفته وسيلة احتجاج في بلدي المكسيك , وليس شاهدا على الظلم الذي أراه من حولي .
الجسد له أهداف محددة بصفته مفهوما ثقافيا, يفترض كونه أداة للمتعة والقوة .
يركز الخطاب الفني على اللوحة, ويظهر من خلال الرمز واللغة التعبيرية : في النحت , هناك تشظية لشكل الجسد في بعض الاحيان ، وأما في الصورة فانا اعبر عن مشاعري , تلك المرتبطة بالذكريات والمشاعر والضعف والحواس والزمن, كل ذلك المسار المسجل عليه ما قالته مارينا ابراموفيتش** :
( هناك ألم, لكنه نوع من اللغز المحروس جيدا, عندما تذهب خلال بوابة الألم لدخول حالة اخرى للعقل, هذا الاحساس بالجمال والحب غير المشروط, هذا الشعور يلغي الحدود بين جسمك ومحيطك , وانت تعيش هذا الاحساس بمعنى الخفة والانسجام مع نفسك, يصبح مقدسا في بعض الاحيان ) .
أستطيع القول من عبارة مارينا , إنني أحصل على مستوى من الألم المادي والنفسي, على حد سواء, فقد تعرضت للخطر في بعض أعمالي, وطبعا أنا على علم بذلك وأقصده, وكنت آخذني لتجاوز جسدي , حيث يكون حاضرا ومشاركا في قوتي البدنية والحسية , كما أعتقد أنه في إطار الأداء الذي تحتاجه للوصول الى حدود الألم من أجل تحميل التطهير , وذلك للوصول الى مستوى طاقة آخر, حيث يتصاعد أخيرا ويأتي الشعور بالسلام, ومستواك هذا تشكله المراقبة الخارجية والشحذ الداخلي المتزايد.
2ـ الى أي حدّ يمكن أن تتداخل الفنون في فن الأداء ؟ بما أن الثقافي أصبح جامعا للأنساق المجاورة كالسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. كيف تتعاملين مع ثقافة بلدك المكسيك الفلكلور مثلا ؟
إلدا أردماني  ـ
يستطيع فن الاداء ربط التخصصات الأخرى , إذ يمكن أن نتذكر البدايات التاريخية مع كاباريه فولتير عام 1916, و(أنثروبومترية)* إيف كلاين عام 1962, والعظيم جاكسون بولوك عام 1950, ولوحات الفن الدادائي , وفن الاشياء, وفنون التركيب كفرع من الاداء , لم لا ؟ أقول, هناك العديد من تلك اللغات السياسية الى حد ما, والاجتماعية والثقافية كذلك.
في بلدي المكسيك , هناك قدر من الاتفاق مع الثقافة , مصطلح الفلكلور هو الفرح والمفخرة . ولكن مع الاسف الشديد, بالنسبة الى الجانب السياسي فانا لا أستطيع أن أقول الشيء نفسه بسبب الكثير من الظلم والمآسي . الناس هنا ( مخدرون ) على نحو متزايد, بسبب هذه الاعمال, وأنا أرى في الشارع, وفي الحافلات والمدارس, وأشياء أخرى يطول عرضها, إذ لم يعد من السهل الخروج الى الشوارع والتظاهر ضد الظلم , فإن الغالبية العظمى لا تزال صامتة من الخوف.
3ـ كيف تنظرين الى العالم من خلال فن الاداء ؟ ما هي رسالتك الثقافية ؟ كيف حدث ذلك ؟
إلدا أردماني  ـ
رؤية العالم من خلال الأداء ساعدتني في التحرر والتنفيس عن نفسي , واعتقد إن الاداء هو أيضا علاج, كما ذكرنا سابقا, أي تقديم الدعم لإدارة الجسد, انه يعطي عددا لا يحصى من الأدوات للتعبير, لتمنح المشاهدين قراءة عميقة وإعادة تأويل لتجربتهم الخاصة.
عندما أدرك أن وسائل الإعلام, لا تناسب ما أردت أن أنقله, في حالتي حدث أن لم أصل الى تلك النقطة من " النشوة " عندما قررت أن أذهب الى أقصى حد لجسدي, الذي تضمن عملا عظيما في سياق معرفة الذات بما ليست له نهاية.
4ـ هل كان القطار في أحد أعمالك الفنية رمزا لحجم الغربة الانسانية ؟
إلدا أردماني  ـ
ينتظر المريض باعتباره رمزا للمقاومة , ورنين الجرس هو نبض الحياة, وقعقعة المعدن وصلابة الكرسي , اما خطواتي فتعبر المسارات حيث أتابع حركة بقائي على قيد الحياة, والهواء هو دليلي والحجارة تعطيني القوة لأمشي, حيث تحفظ حرارتها قلبي آمنا , انها تعلمني المقاومة, وليس التخلي او الهرب .. او البقاء .. انه صمود بسيط .
في كتابي ( انتظار) الذي نشر في الأرجنتين, أشرت الى التعامل مع العلاقة الرابطة بين الجسد والآلة بصفتها رمزا للصمود, على حد سواء باعتبارها رمزا للقوة, ومحتشدا بالوجود, في هذا العمل , اعتمدت فقط عربات سحب السكك الحديدية , وكرسي معدني يتم سحبه من نقطة البداية حتى نقطة النهاية , وحركة الجسم والرياح باعتبارها مرجل الطاقة ( الخطوة متعلقة بسرعة القطار) .
يمكنك كذلك إعادة تأويل المشهد باعتباره اغترابا للانسان , من خلال ثبات الجسد.
5ـ هل يمكن ان نلمس فرقاً واضحاً في أعمالك الفنية عن التجارب الاوروبية او الاميركية ؟ ما هي خصوصيات الفن الادائي الخاص بك ؟
إلدا أردماني  ـ
نعم .. هناك فرق كبير بين أدائي وفن الأداء في أوروبا والولايات المتحدة. لا أشعر بأي تشابه مرتبط بأي منهما، على الرغم من أن لدي بعض التأثيرات الفنية التي خدمت تطوري كمؤدية، مثل ( جوزيف بويس، مارينا ابراموفيتش، آنا مندييتا، حركة فلوكسيس Fluxus ). إن التفاصيل الدقيقة في كلامي هي : دائما ما يكون فهم الصمت على بينة من المجتمع الذي أعيش فيه, رغم أنني أعرف إن الفن لا يمكن أن يغير العالم , ولكن يمكن أن تُولّد قدراً من الوعي في كل فرد منه .
6ـ هل يمكن اعتبار الخطاب النسوي اليوم , في المكسيك أو بلدان العالم الثالث , أكثر حضورا بسبب فن الاداء؟
إلدا أردماني  ـ
أن تأتي من بلد تهيمن عليه ثقافة الذكورة, حيث تكون المرأة خاضعة في أغلب الاحيان , والان المرأة لديها صوت وهو عمل مستمر للنساء اللائي أعلنّ لانفسهن ( النسويات ), وكذلك أنا ,اذ لا أنكر ذلك, ولكني أحب ايضا تحليل موقف الرجل, المرأة ليست دائما على حق, ففي المكسيك تعرضت المرأة للظلم في أحيان كثيرة , في المهنة وفي الشارع وفي البيت, وهنا يجب أن تكون واعية لممارسة حقوقها , وفي المكسيك هناك الكثير من التجمعات مخصصة حصرا لهذه الحركة .
7ـ هل تستطيع إلدا ماريني أن تواجه مشاكل مجتمعها من خلال فن الاداء ؟
إلدا أردماني  ـ
نعم... بالنسبة لي الأداء فرصة للاتصال وجها لوجه مع الحالات التي تؤثر على بلدي, وإعطاء المجتمع رسالة لولادة "بعض الوعي".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية