جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


في تراجيديا الأوقات الحميميّة غرفة نوم


زينب المشاط
انطفأ البريق في عيني المرأة المسنّة وهي تحاول أن تفهم الكلمات السريعة التي يتفوه بها صاحب معرض الاثاث الذي كان يحرك يده في كل الاتجاهات مثل شرطي المرور معددا مزايا نماذج غرف النوم المتوزعة في اركان المعرض الكبير.
كانت البرودة منعشة وروائح الاخشاب والاقمشة توحي بالفخامة والجمال وهي تلمع تحت اضواء صفر وبيض. اقتربت المرأة المسنّة من ابنتها وخطيبها طويل القامة فمال صاحب المعرض بجذعه محاولا التقاط موجات الميول لدى العروسين..
غرفة النوم اليوم تعد مشكلة كبيرة فهي تقع بين مفهومين الاول تقليدي وعميق القلق والثاني يرتبط بالصورة الاعلانية والحلمية عن العلاقات الحميمية الواعدة في الزواج. ورغم ان غرفة النوم الى وقت قريب كانت تمثل كل ثروة الزواج وهبة غالية من هبات المستقبل وعنوانا للحياة الجديدة والاستقلالية، باتت في الوقت الحاضر تمثل ديكورا جميلا ووسيلة للنوم الشرعي.
لاشك ان كل فنون العادات والتقاليد ترتكز على المفهوم الاسري ووظيفة العلاقات ضمن منظومة العيش التي تعد الاسرة مركزها الذي تدور حوله كواكب السعادة، فيوم كان الأبناء يتزوجون ويسكنون في بيت الاسرة كانت غرفة النوم هي رمز الفخر والتباهي ويشترط فيها أن تكون قوية وقادرة على الصمود في وجه الزمن، وتتحمل الاوزان الثقيلة وتكون ملحقاتها قادرة على استيعاب الزوار الجدد.
غرفة النوم قبل عقود مضت كانت ترتكز على مفهومين الاول سعة خزانة الملابس وتعدد الابواب فيها وثانيا السرير ومتانته. واذا ما ركزنا هنا على المتانة فالقضية تتعلق ايضا بالذوق الجنسي ايام زمان حيث المرأة المرغوبة هي تلك المكتنزة باللحم والشحم فضلا ضرورة توفر المتانة في خزانة الثياب التي تستخدم ايضا من الاعلى في حفظ المفارش والبطانيات وحتى السجاد.
المرأة المسنة اخذت تتفحص غرفة نوم قال عنها صاحب المعرض انها ماليزية. كان الامتعاض باديا عليها لكن ابنتها كانت مغرمة بالمرايا وملمس الخشب. تمتمت المرأة بعبارة"قشر بصل"وتبعت خطيب ابنتها الى غرفة اخرى بيضاء اللون قال عنها صاحب المعرض إنها تركية.
النساء الكبيرات في السن والخبرة لا يستسلمن ابدا لمزايا الحداثة والحقيقة ان اغلب الذين يدخلون القفص الذهبي سرعان ما تظهر لهم العيوب في غرفة النوم او تصبح اقل قدرة على مقاومة الزمن وهذا الامر في حالة حدوثه يسبب الغم وربما الكثير من المشكلات بين الزوجين دون الادراك ان الاثاث الحديث مثل كل المنتجات الاخرى يعيش في عمر افتراضي محدد وبعدها يبدأ بالتهالك.
الخطيب طويل القامة لم تكن له ملاحظات وصوته خافت والسبب كما يبدو انه جاء بمفرده وبلا مساندة من امه أو اخواته. ظهر على وجه المرأة المسنة الكثير من التجاعيد وتكلمت عن مشاوير ومواعيد يجب اللحاق بها وبدا عليها أنها كانت منقطعة منذ سنوات عن اداء دور مهم وخطير كهذا.
التغيير الجذري في التعامل مع الاثاث وبالاخص غرفة النوم جرى بعد 2003 حيث حدث انفتاح هائل في الاستيراد ما ادى الى تغيير ملحوظ في الاذواق لكن الشيء الذي يجب ذكره هنا ان هذا الانفتاح بقي في اطار الذوق الشعبي وحتى الذوق السياسي فهناك ميل واضح للضخامة وكذلك الى اللون الذهبي سواء في طقم الارائك او في غرف النوم وبالتالي لم تتوسع الخيارات كما ينبغي وان هذا الاثاث المستورد اخضع قسريا للذائقة العراقية التي تنظر بتقديس الى غرفة النوم وتعتبرها كنز الكنوز.
لقد قتلت غرف النوم المستوردة الصناعة المحلية واغلب الذين يعملون في مجال الاثاث من الحرفيين الجيدين تنازلوا عن مجدهم وبات دورهم يقتصر على الاثاث التكميلي البسيط، وحتى مع ما يبذلوه من جهد في الطلب الذي يأتيهم لصنع غرفة نوم متينة فان ذلك لم يعد شيئا ازاء التاريخ المندثر بعد ان فقد السوق شيوخ الصنعة سواء بالهجرة او الوفاة او كساد سوق العمل.
انتبهت الى ان المرأة المسنّة وبّخت ابنتها كابحة الاحلام التي اخذت تراودها مع البياض الساطع لغرفة النوم التركية. في الحقيقة انا ايضا اعجبتني غرفة النوم تلك لكن يبدو ان المرأة المسنة تكتمت على سبب رفضها شراء هذه الغرفة وراحت تهمس باذن ابنتها التي تبخر الفرح من ملامحها.
الذوق العراقي مشكلة ضخمة ويبدو ان اندثار الامهات الكبيرات هو الحل فالمعروف ان ثورة مهولة دخلت عالم الاثاث وبالاخص غرف النوم التي باتت تعمل وفق اجهزة ضبط الكترونية وفيها مميزات تكنلوجية واسعة كما ان المواد الخام لصناعة غرف النوم تغيرت وتبدلت وتطورت ولم تعد تعتمد على الخشب الشجري وحده. هذه الرؤية الحديثة مغيبة تماما عن عالمنا العراقي فكل مشاريع الزواج ترى الحداثة معرضة سريعا للتلف والزوال كما ان ضيق ومحدودية الحريات والتسلط الاسري الذي يرى ان المتزوجين الجدد يجب اخضاعهم لمراقبة صارمة تحول دون ترسيخ مفهوم الخصوصية ودون ان تكون الحياة الجديدة مبهجة بالفعل.
غياب الخصوصية تجعل الاثاث الحديث غير مرغوب وبالتالي تعمد امبراطوريات الاستيراد على ادامة العمل بالذوق القديم وهكذا فإن اغلب مانراه من غرف نوم مستوردة هي اسيرة التصميم التقليدي الذي يراعي ذوق الامهات الكبيرات وايضا التاريخ التعسفي الطويل القابر للاحلام.
ظهر الملل على وجه صاحب المعرض فقد ادرك ان كل اساليبه الترغيبية فشلت في نيل رضا المرأة المسنة التي كانت المتحكمة الوحيدة  بالموقف كونها بمفردها والولد الطويل الذي تخلخلت ربطة عنقه الحمراء لم تكن لديه القدرة على اثبات وجوده حتى البنت باتت قلقة ومنكمشة وكأن آمالها ضاعت.
الخسارات التي تتعرض لها الامنيات تتعلق ايضا بمسألة النضج والتحكم بالرغبة فالزواج المبكر مثلا يجعل القوانين الشعبية تتسيد وبالتالي تضعف الاختيارات وتكون الحياة منغلقة وكئيبة. اغلب الفتيات لا يتوصلن الى خيارات ترضي احلامهن وهذه الخسارة تحدث اولا في فاجعة غرفة النوم حين لا تكون وفق الهوى.
اخذت المرأة المسنة تستعجل ابنتها المغادرة. كنت مأخوذة ومسحورة بالجو ورحت اقدر الاثمان الكلية لقطع الاثاث في هذا المعرض وتمنيت لو انني املكه كله واجرب النوم على سرير الغرفة التركية وعند هذه النقطة بالتحديد وجدت نفسي وجها لوجه امام صاحب المعرض الذي نظر الي بتوتر وقال بصوت خشن:
ـ تفضلي.
قلت وانا انظر الى ثريا خرافية تتدلى من السقف:
ـ أنا ابحث عن كرسي دوار.
انقلبت خلقته وهو يرد:
ـ نحن لانبيع الاثاث المكتبي.
ـ أها.. شكرا لك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية