جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تابلو


جنرالات الفجيعة...في منحوتات (معتصم الكبيسي) أناقة أدوات الموت... ومخاوفه


حسن عبد الحميد
  يرى النحّات العالمي (الكسندر كالدر1976-1898 Alexander Calder)أن الفنّان قد يفسّر عمله،وفق أمرين؛ إما لكي يتخلّص من سطوة ما فسّره هو بداخله، وإما بالسعي لأن يجعل عمله القادم، أو المتوقع مُتفقاً -تماماً- مع تفسيره.
يستحث هذا التحليل بعض تبريراته،حين يقفُ بنا أمام مواجهة نفسيّة،تستمدُ -هي الأخرى- عناصر قوّتها من جذوة وعمُق الفكرة والموضوع الذي يروم الفنّان -النحّات،حصراً ما أعني،هنا- الخوض فيه، وإذ نُخصّ النحّت من دون بواقي الفنون التشكيليّة المجاورة،إنمّا لكي نُحددّ مديات الرؤية، بحدود المُتاح والحتمي ما بين تصارعات الكتلة مع الفراغ، بغية الوصول للغاية أوالهدف المرجو، وإذ نتلمس طريق الرؤية التي ابتدعها الأمريكي(الكسندر كالدر) في سياق تفسيره لحقيقة الدوافع التي تقف وراء مُحرّكات الفنّان في محنة تحقيق ما يبغي وينوي ويريد، إنمّا لكي نُحقّق متنِ معادلةٍ مُقنعةٍ -إلى حدٍ كبير- بين مَن يُشيّد -كما يفعل النحّات المذكور- موضوعاته من خلال تشكيلات تجريديّة مُدلاّة بعناية من أجزاء وصفائح معدنيّة وأسلاك، تتيح لها حركة نسبيّة وفي حدود ضيقة عبر منحوتاتٍ أنيقة، وبين من يُلبي نداءات استجاباته الحسيّة والحدسيّة بوازع إداناتٍ وتحريضات بنواتج (أنيقة) هي الأخرى -كما يفعل النحّات(معتصم الكبيسي-تولد1968بكالوريوس-تشكيل/كلية الفنون الجميلة-بغداد1992 الأول على دفعته) في سياق منجزاتٍ سابقةٍ ولاحقة تممّت زواخر مجموعة أعماله البرونزيّة الأخيرة التي يتهيأ بها لإقامة معرضه الشخصي القادم في احدى قاعات (دبي) أو (الشارقة) حيث يقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ عدة سنوات، بعد تقديم عدة معارض منها؛ (معرض خيول عربية معرض شخصي - كَاليري الاتحاد في أبو ظبي 2015/معرض شخصي في المجمع الثقافي- أبو ظبي/2009/معرض شخصي في (رواق الشارقة للفنون 2008(/معرض شخصي في كَاليري(XVA)دبي 2008 /ومعرض شخصي في (M)كَاليري باريس (2004 فضلاً عن مشاركات مهمة في العراق،كما في سمبوزيوم بغداد الأول للنحت على الحجر 2011،وعموم المعارض السنوية لجمعية التشكيليين العراقيين1996-2002،ومعارض وزارة الثقافة من 1988-2002،إلى جنب محافلٍ عريّبة وعالميّة عديدة،حفلت بها أعمال هذا الفنان الذي بدأ دراسته في الرسم،لكنه وجد ضالته في احتراف النحّت، ومجاورات محاولاته الإضافية في مجال فن الخزف كما في معرض الخزف في نادي الفتاة الظبياني2000 /معرض  مشترك لفن الخزف في جامعة عجمان- 2000/معرض مشترك لفن الخزف في (رواق عوشة بنت حسين الثقافي،وغيرها الكثير والنوعيّ.

النّحت... وتحريضاته التعبيريّة

  اختّط (معتصم الكبيسي)-عبر توالي عدة تجارب وعمقِ قناعاتٍ تشاوريّة ما بينه وبين ما يجري في محيط حياته العامة- طريقاً ونهجاً خاصاً في توضيح مقاصد وعيه ومواقفه بإزاء ما يحصل ويقع في توافدات ضميره الجمالي، وتصوّيباته الإبداعيّة من خلال حثّ المخيلة وتحريض كوامنها باتجاه النيل والتقريع لكل أشكال بث المخاوف وتصدير الموت ومتواليات ملحقاته وجور تبريراته، للحدّ الذي شّكل حافزاً تحريضيّاً بَرع فيه(معتصم)-منذ أكثر من عقدٍ في عُمر تجربته،تحديدً بعد متغيرات نيسان عام2003- بعد حنكة مراس ومتعة تجريب مُتحرّر من قوالب التقليد وتبعِات الاجترار وراء تجارب النّحت السائدة في واقع الكثير من خوالص وخواص النحت العراقي الحالي،من دون إدنى تفريطٍ بحوافل مواهبه الأكاديميّة وتمراساته التقنيّة، وفي خِضم سعيه الحازم بالوقوف أمام جبروت ماكنات وآليات فنون القتل وتنويعات الموت،جراء تمادي وتفاقم روح الانحطاط في نفوس جنرالاته المُثخنين والُمدججّين بكل أدوات إرعاب الناس والشعوب المتطلعة لوهج الحياة،وعلى نحوِ باذخٍ من (أناقةِ) تخويفٍ وترهيبٍ صلفٍ متعمّد، سعى(الكبيسي)الى تفخيم وتضخيم شكل وملامح أبطاله والمبالغة (الكاريكتوريّة) والاجتهاد في تقديمهم بهذا النسق من الوعي التهكميّ والتعالي المفضوح لسلوكياتهم وممارساتهم، فيما يبدون هُم -حقيقة الأمر- مجرد شخصيّات (كارتونية) ودمى منتفخة البطون والأوداج، يرتدون قبعات ومعاطفَ تُخفي عيوب أجسادهم، وما يحملون ويُضمرون من مكائد وتمريرات وتخابث مدروس ومعلوم، في توريةٍ حاذقةٍ ومرهونةٍ بدواعي وعي يوازي قيمة ذلك الأثر الضمني والعلني لكل هذه المقاصد التي تبّناها(معتصم) في خُلاصات نواحي إخلاصه الحقيقي، للوطن والإنسانية جمعاء،عبر تقويماته النقديّة لطبعية الموقف الكوني الذي دَرجت عليه أعمال هذا المعرض، بعد أن تسنّى لي فحصه ومعانية الكثير من محتوياته والتمّعن في مراحل إنجازه عبر عددٍ من(ألبومات) صور حَفلِت تستدرج نواتج وتداعيات كثيرة لما خلّفته تجنيّات وحماقات الدول الكبرى عبر تسيّدها لدفّات تلك الحروب وخلق الأزمات، فضلاً عن صلف وتجاسر قوى العدوان على مُقدرات وثروات أبناء الشعوب التي سحقتها تمادياتها وجبروت وقاحاتها وضلاله طيشها،تلك التي تسبّبت بهجرة وهرب ورحيل الكثير من العوائل وقوافل الشباب طمعاً بالظفر ولو بشبح أمانٍ وشحوب طمأنينة مفترضه،تحديّاً لمخاطر الغرق والخوف المُحدق من غرابة وغموض ما ينتظر هؤلاء الباحثين عن ملاذٍ وسبيل خلاص، وغيرها من هواجس وظنون طالتها مغامرات(معتصم) النحتيّة بروح مغامرة صعبة، وجديرة في تعليل مخارجها على هذا النحو من البراعة والإتقان من حيث الحفر في مديات المضمون والجوهر،ومن حيث بهاء ودهاء أثر وتأثير الشكل كمدلولٍ نفسي وفني خالص، تماهى قدراً جمالياً-صعباً،كما أشرنا- في تجميل وتقريع أدوات الموت بهذا التفاوض السببّي والحتمي ما بين الجمال السطحي ودواخل بشاعة وحقد ما تضمر هذه الكائنات الشريرة رغم تبرّقها بكل ما يجمّل ويبرّر لها عزف معزوفاتها الجرائميّة بالطريقة التي تريد وتبغي بها كل أدوات القمع والتهديد.

الهواجس المكتسبة... للمخاوف

  ثمة تماهٍ خفي ما بين علاقة الإنسان ببعض المخاوف المُكتسبة،ومابين دواعي التفكير بسطوة القوة وسبُل استخدامها،عبر سلسلةٍ متواصلةٍ من(مهارات) وقُدرات جاء يَبتكرها من يروّج  للموت، أمام ميول من يتحكّم بالجاه والمال وعروة التمُّسك الغاشم بالسلطة،فالخوف هو من يَجعل الناسَ أشراراً....وهو من يسعى ويُسهم في خلق الطُغاة.!
  وفق هذه الرؤية التشخيصيّة والانفتاح الحُر في ترسيم حدود أفكاره، يقترح النحّات(معتصم الكبيّسي) هيأة أشكاله المُتوّرمة في تحديثات معرضه هذا،رامزاً ومُعبّراً عن تضخّمات تلك الذوات المُشعة والمُشبعّة بمشاعر الترِهيب وبث محاذير الخوف والهلع ومسببّات الموت.
  تشي هذه الأعمال بنوع تتابعي من حيويّة مراس في اجتياز معابر التحريض،وصراحة الإذعان لقوة الشّد والتأثير الصادم للشخوص والأشياء المُجسّمة بأدق أدق التفاصيل،سعياً متعمّداً لتوثيق وتوريد حِجوم جبروتها وتحديّات عُنجهيتها على نحو واثق من محافل توضيح مقاصد،وتنويع استمالات دفاعيّة محضة،باتجاه تعزيز الأثر ومتانة قوة الفكرة المَاثلة بزهو حضورها الطاغي والمُعبّر عن مُجمل استجابات تفاعليّة،مهدّت-هي الأخرى- لتلاقي أهميّة براعة الأبعاد الثلاثة للشكل المُهيمن،بعد أن فرضَ(الكبيّسي)بنود بلاغاته التعبيريّة وتلاوين سطوعِ غاياتٍ وتفهمّاتٍ فكريّة ضمهّا- بنبوغ خبرة- مِلاك هذا العرض المُبهر... الصعب والمهم جداً،في ذات سمو الغاية وودقة الهدف رجاجة المسعى.
    لقد تبنّى مِلاك هذا النهج النحتي الصارم والصادم،معا -بروح مَلكة اكاديمية مُتقدمة،كنا قد نوهنا- حتى شاء لتلك المنحوتات أن تحيا محمولةً ومحمّلةً بنوازع إنسانيّة بحتة،تعالقت مع متوالياتِ وجوهٍ وأشكال متعددة لشبح الموت، قتلاً كان أم غرقاً بزوراق البحث عن حريّةٍ أضحت مميتةٍ،هي الأخرى،ضمن استغراقات تجسيديّة بارعة،ليس من السهل -على الاطلاق- خوض غِمارها بالأسلوب والطريقة والاجتراح الذي أقدم عليه(مُعتصم)،متدرعاً بهذا النسق الحاذق،والنزعة المُتمرّدة والواعدة في عالم النحت،مع وجوب فاعليّة وجود أثرٍ للون مسكوب من مادة(الباتينة)-والتي هي عبارة عن مادة كيميائية فيها أنواع عديدة تستعمل في كل مسابك تلوين البرونز في العالم- على أجساد برونزيّة-بحتة- تماثلت بمثابة شرط تعبيري-درامي وبلاغي مُضاف لمَصاف صدق ونبل وجرأة مغامرته الباسلة هذه،تلك التي ننتظرها بترقب مجتهد ومُراهن على موهبة سبق تناولها من قبلنا منذ أكثر من عقد،تقريباً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية