جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


ذاكرة غرق


ربما لم يتسن لاحد ان يغرق ثلاث مرات في حياته، ترى هل هي محض مصادفة،ام هي دعوة من نهر له قدرة ان يمنحك شهوة الغرق ،وهو يقتنص  كل عام الكثير من الارواح الطرية التي مازالت تقترب من الماء ،لتعرف ما هو سر هذا  الماء، وماهو عمق هذا النهر الذي يوهب السمك للصيادين ،ويسقي البساتين الممتدة على ضفتيه، هذا النهر الذي يغضب كل عام ويهدد محلتنا الصغيرة بالغرق ،بالرغم انه اغرق الكثير من الارواح كما اسلفت ،كذلك هو ليس النهر الوحيد في المدينة ، ميسان مملكة للماء، وجبهة الشمس،  ومرآةالقمر،ودجلة انجبت عندنا تؤامين،نهر الكحلاء،ونهر المشرح،بيتنا صوب نهر الكحلاء،سميت الكحلاء لكثرة نخيلها ووفرة مياهها،فتبدو كحلاء بسواد نخيلها ووفرة مياهها.
 محمود النمر

قالت لي جدتي هو اسم لامرأةٍ غرق ولدها في نهر ما،فاستحالت نهرا لتنتقم من جميع الاولاد الصغار،نكاية بالناس لانهم لم يحاولوا ان ينقذوا  ابنها،فامتهنت لعبة الغرق،فكم وجدنا في الصباحات الباردة زوارق الصيادين غارقة بما فيها من شباك ومجاديف واوانٍ سود يستعملها الصيادون في الطهي عندما يخرجون لمناطق نائية للصيد(كحلاء )كانت تدعو الجميع للغرق،ولكن بسبل مختلفة ،كانت تستخدم اساليب للغرق (عبد الشط )هذا اسم احد عبيدها تستخدمه لاغراق الاطفال وغوايتهم ،وانا احد هؤلاء الضحايا كنت افلت ُ من قبضته في كل مرة ،انا في الحقيقة لم اكن  شقيا بالمعنى الذي يمكنني الافلات منه،ولكن كلما اغرق ،تظهر روح اخرى تمتلك القدرة لتخلصني من قبضة (عبد الشط ) الذي يزفرُ في النهر،فتظهرُ نافورة مقدار علوها مئة متر، وتفيض المياه على ضفتي النهر وهو يزبدُ بلا مروءة،متوعدا ًلمرةٍ قادمة.

غرق أول
ذات يوم في العقد السادس،  من القرن العشرين، في الالفية الثانية،  كانت محلتنا (الماجدية )التي تقع على ضفاف نهر (الكحلاء ) قد جفت انابيبها من الماء،لااعرف السبب ولكن ذلك يحدث دائما ،اخذت امي (المصخنة )التي هي عبارة عن اناء برونزي مخروطي الشكل،ذو عنق طويل، ومقبض متماسك منحن على الاناء بلهفة النحاس الشفقي،حملته ُ أمي على كتفها ومضت ،وكعادتي تبعتها ،اعبثُ بكل ما يصادفني، ومن حين لآخر، كانت تلتفت الي، أو ترمقني بلمح البصر النزق، لتطمئن على وجودي بالرغم من ان النهر لايبعد سوى مئتي متر عن دارنا.
امي لاتغرف الماء الراكد او الخابط ،بل هي تركب على  اضلاع  صدور( المشاحيف) العائدة من الصيد،وهي رابضة على سطح المياه رافعة اعناقها الى الاعلى،كأسراب البط التي تتخذ اشكالا مختلفة في الغوص، ومناغاة بعضها البعض ،وقفتُ على ضفة النهر ،كما امرتني ،ولكني  قفزت على صدر(المشحوف) القريب مني، حينما وصلت هي الى منتصف المشاحيف المكتظة،وضعت قدمي على المشحوف الاخر فاختل توازني، وهويت تحت المشاحيف، في المياه العميقة،وحين رفعني الموج الى سطح  المياه اصطدمت فروة رأسي بأسفل احد المشاحيف المتعبة من رحلات الصيد، فغطستُ مرة ً اخرى بعد ان امتلأت بطني  بالماء ولمست يدي رمال قعر النهر، ولكن ّ يدا اخترقت جدار الماء بقوة عفريت وانتشلتني بفزع الام الخائفة على ولدها،  لتظهر الى الاعلى من بين المشاحيف كنورسةٍ انقضت في عمق المياه، والتقطت سمكة  صغيرة بفزع ،وألقتني  في جوف احد المشاحيف، منتفخاً بالماء وبحركة رشيقة كأفعى الماء،تكورت فوقي ورفعتني من قدمي، كأنها تنشرُ ثوباً على حبل غسيل،افرغت كل ما في جوفي من ماء ،وعندما شهقتُ باكيا،ضمتني الى صدرها باكية ً،ثم عبرت صدور المشاحيف بخفة غزال،ارتقت ضفة النهر،وجلست، كانت على خديها بقايا دمع وماء،انحسرت فوطتها فظهرت ضفائرها وعنقها الموشوم باللون الشذري،وضعتني في حجرها وقالت:
الم اقل لك ابق في مكانك .؟
ثم ضربتني على مؤخرتي،وعادت للبكاء ثانية ً.
منذ سنيني الخمس كنت يقظا ًومتمردا ،وأجرب كل شيء يكون تحت يدي، او امام عيني،حتى انني أحرقتُ ثوبي عندما وقعت بيدي اول علبة عود ثقاب صادفتني،ولولا ذكاء عمتي التي افرغت على رأسي  دلوا من ماء واطفأتني ،لاصبحتُ رماد سعفة .

غـرق ثان
جسر نهر الكحلاء متحرك، يسمح لمراكب النقل النهري،بالمرور عبر بواباته، التي ترتفع بشكل مخيف،كأنه حوت يفتح فكيه،كان القائمون على ادامة الجسر والتحكم بحركة مرور المراكب،يجهدون برفع هذه البوابات من خلال حركة دؤوبة وقوية لتحريك الدواليب المتصلة بأسلاك متينة،يحركها العمال الاشداءالذين يبذلون اقصى ما لديهم من قوة بعضلات مفتولة،تصحب هذه الحركات،صيحات (سيد شلش العلاق)التي تشد عزم العمال للاسراع،حتى ترتفع البوابات،لتعبر المراكب وهي تصفر بابواقها،وتنفث مداخنها اكثر كأنها تؤازر جهد العمال،والنوارس ترفرف بأجنحتها من فوق  المراكب لتلتقط بعض الحب َّمن على متون المراكب العابرة،وهي تزعق ما بين منقضة ومرتفعة،كنتُ ارقب هذا المشهد يوميا منبهرا بحركة الجسر والمراكب والنوارس،وتلك الاصوات المختلطة للعمال والملاحين وابواق المراكب وزعيق النوارس واحتداماتها النزقة.
مرة ً غامرتُ بعبور الجسر الى الصوب  الثاني قاصداً بفضولي الطفولي لمعرفة ما يدور في ذلك الصوب، الذي يعمل فيه والدي خياطا ً في السوق الكبير لمركزالمدينة المحتشد بالناس والعربات وصياح الباعة ، كان سياج الجسر غير محكم، وفيه فتحات كبيرة ،وكانت حركة السابلة مكتظة ومشتبكة  مع قطعان الحيوانات التي يجلبها التجار، اوقطعان  الرعاة الذين يتجهون صوب المراعي للبحث عن العشب ،وصادف ان شاحنة كبيرة جاءت من الصوب الثاني،فارتبكت الحركة المشتبكة، وكنت انا الضحية التي سقطت من الجسر الى المياه مباشرة ،بعدما حاصرتني الشاحنة وقطيع الغنم ،وكان الجسر لايتسع لمرور سيارتين،وتكون الحركة من خلال اشارات الشرطيين المنهمكين في بداية طرفي الجسر لتسيير حركة المرور،وحين سقطتُ كانت الصيحات من كل الافواه –طاح –طاح-ولكني بلغت قاع النهر،ثم صعدتُ الى سطح الماء بلا ارادة مني ،وتلقفتني يدٌ قوية رفعتني كمن تحمل وعاء مملوءاً بالماء،وتبين ان شرطي المرور، قفز الى النهر بكامل هيبته الانكليزية، التي كانت  شرطة البلاد تتزين بها،في تلك السنين،كانت هي المرة الثانية التي  افلت فيها  من قبضة النهر،اتذكر شدة الصفعات التي نلتها من ابي حين علم بتلك الواقعة، التي كانت مدار حديث الناس في ذلك اليوم وشهامة –عباس الشرطي –الذي انقذني من الغرق.

غرق ثالث
بعد واقعة الغرق تلك لم اقرب النهر، بينما كنت قبل هذا، اسبح يوميا مع اصدقائي على ضفة النهر الضحلة، كنت في الصف الرابع الابتدائي،كان جارنا كاظم صيادا للسمك،في كل مرة يأخذني مع اخوته الثلاثة الصغار، لصيد السمك في –مشحوفه - الممتلىء بالشباك ، ولايبتعد كثيرا عن محلتنا التي يطوق خصرها  نهرا –الكحلاء –و-المشرح – وبساتينها المنتشرة عبر ضفاف النهرين،ثم يبدأ رحلة الصيد القصيرة عند مفترق نهر دجلة،حيث ينشر شباك الصيد،قريبا من الجهة الشرقية للنهر التي تكون اعمق من الجهة الغربية في الطرف الاخر من النهر،كنا نساعده في ترتيب او سحب الشباك،ولكن في هذه المرة اشتدت الريح في دفع –المشحوف-بقوة منحدرا نحو الجسر،فامرنا ان نجلس حتى لايختل التوازن، وحاول جاهدا ان يوجه المشحوف حتى لايرتطم باعمدة النهر،كان مستوى الماء مرتفعا يكاد يلامس الجسر،  وكما نسميه في الجنوب-الخنياب- وفي اللحظة التي مر –المشحوف – من  تحت الجسر،وقفت ُ بلا وعي وتمسكتُ بالجسر،ظنا ً اني سأوقف المشحوف من الانحدار السريع الذي يكاد يقلب بنا المشحوف،ولكن المشحوف انزلق من تحتي وبقيت معلقا ً بالجسر تهزني الريح كما تشاء.

صرخت ُ كاظم... كاظم
صاح كاظم باعلى صوته تمسك انا قادم
ثم سقطت في المياه  بعدما عجزت يداي،وتلقفني النهر للمرة الثالثة،صعدت لمرتين وهبطت لمرتين وفي المرة الثالثة استقر جسدي الصغير الممتلىء بالماء في قاع النهر,ولكن يد كاظم كانت طوق النجاة الذي منحني الحياة من جديد ،لااعرف كيف وصلني ولكن بخبرة الصياد الذي يعرف ان يخترق الموج كسمكة.
هو الذي يغطس بلا خوف حين تعلق الشباك باي شيء ويخلصها خلال هذه الفترة الزمنية واذا تطلب الامر يأخذ نفسا ثم يغطس ليكمل الامر ثانية، هو الذي انقذني من قبضة النهر للمرة الثالثة ،وحين تنفست من جديد الهواء ،كان المشحوف والصغار الثلاثة قد اخذتهم الريح بعيدا،بينما راح كاظم  مع انحدار الماء يميل نحو الشاطىء، حيث كان بعض المارة يحيونه لبطولته في انقاذ هذا الطفل الذي هو انا!!!
مازلت ُ كلما اعبر نهر دجلة، اسمع ذلك الصوت ينادي سوف  تسقط يوما ما بقبضتي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية